قصة

 

ماسح الأحذية

محمد المغربى



أول ما يبحث عنه قبل أن يقرر الجلوس فى أى مكان، حائط يستند إليه ومساحة ينظر منها الى السماء. يضع كرسيه (صفيحة جبن فارغة) ويجلس مستندا بظهره الى الحائط، يبدأ فى ترتيب أدواته معلنا بعد دقائق استعداده للعمل فى هدوء وثقة.  زجاجة الصبغة السوداء على اليمين دائما وأمامه مباشرة صندوق التلميع وعلى يساره فرشاة المسح وسفنجة التلميع، أمام الصندوق من الجانب الأخر وعلى اليسار كرتونة تبدو أنظف ما فى هذه الأدوات، قبل أن يعطى أول طرقة بالفرشاة على الجانب الأيسر للصندوق يرفع لافتة (سعر اليوم 50 قرش).  مع أول زبون يضع قدمه أعلى الصندوق يتذكر أنه لم يخرج علبة الورنيش الأسود بعد من جيبه الأيمن، حيث يعبث بها طوال الطريق أثناء تنقله بين الميادين، المقاهى، المصالح الحكومية والأرصفة.

بمرور أربع دقائق ينتهى من أى زبون/ حذاء اة كان نوعه، يؤمن تماما أن الرزق يحب الخفية وفى نفس الوقت لا يحب جرى الوحوش لأنه غير رزقك لن تحوش.  كلما شعر أنه أصبح معروفا فى مكان ما أو مصلحة ما لا يعود إليها ثانية، وهكذا حتى أنه جاب ميادين العاصمة كلها بل وبعض البلدان المجاورة.

أكثر ما يزعجه حين يدخل الى المساجد للصلاة هو نظرات المتوضئين إليه حين تتساقط الصبغة السوداء من وجهه وهو يغسله كاشفة عن بشرته البيضاء النقية، فى بداية عمله هذا لاحظ أن الزبائن تتشكك فى مظهره المهذب وسترته الأنيقة ، ومن ثم لا يحقق حصيلة مجزية مما اضطره لأن يصبغ وجهه ويتعمد الجلوس فى مواجهة أشعة الشمس حتى يتلون بما لا يجعله غريبا مستهجنامن الزبائن.  مع مرور الصباحات الحارقة والليالى الباردة، تغيرت هيئته كثيرا حتى أصبح مألوفا لا يثير أى ريبة او لفت للأنظار.بالرغم من أنه تأقلم على هذا الوضع إلا أن يديه فى كل مرة يمسك بزجاجة الصبغة تسترجع تلقائيا خبراتها السابقة مع أنابيب الإختبار الزجاجية. 

إحساسه بالمعاناة والألم تلاشى مع كثرة الأحذية التي مرت به فكم تعانى تلك الأحذية من أثقال البغال من فوقها وحركاتهم غير المدروسة اللاهثة وراء لا شيء ذا قيمة، تحولت حركاته مع الأيام إلى نوع من الحنان على الأحذية ولمسات صديقة تحمل نوعا من المواساة والرفق.

في أوقات انتظار الحذاء التالي يرفع عينيه إلى السماء باحثا عن الصقور التي يتابع تناقص أعدادها يوما بعد الأخر في سماء هذه العاصمة.

الصفيحة مع الوقت أصبحت جزءا من مقعدته فهو لا يطيق الجلوس إلى الأرض مباشرة، حتى انه كنوع من التغيير حاول التخلي عنها لكنه أصيب بالآم في المفاصل ومن ثم عاد إليها مرة أخرى بعد إضافة وسادة قديمة من القش وبقايا القماش.

اعتاد أن يرصد تزايد الفارق بين الأحذية الغالية الثمن والأخرى الشعبية، حيث اكتشف مع الوقت أن الأخيرة آخذة في الانقراض وأصبح قلما يلقى الأحذية التي تحتاج بالفعل إلى التلميع والصيانة(الرفق والمواساة). فقد إحساسه بالألفة مع الأحذية خاصة أن أغلبها لا يحتاج لمجهود حقيقي يشعر معه بأنه أنجز عملا ذا فائدة.

في يوم هو اليوم قال لأحد الزبائن أن الحذاء لا يحتاج على تلميع، نهره الزبون ورفع قدمه على الصندوق في عنف طالبا تلميعها، لم يرفع رأسه مطلقا بل بدأ في جمع أدواته في هدوء وسط استغراب الزبون وحنقه المتزايد.  نهض حاملا صندوقه واضعا اللافتة في باطن الصفيحة مستديرا ليغادر المكان.

 

                         ... محمد المغربي...




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home