القلم السياسي

 

دولة وقدس ولاجئون وكفاح مسلح(3)

حسام أبو حامد



(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها...﴾ 

 

حمل أحمد الشقيري إلى مؤتمر القمة العربية المنعقد في الخرطوم في الفترة                   29 آب - 2 أيلول 1967، لاءات أربع: لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض ولا لانفراد دولة عربية بالصلح مع إسرائيل. لكن المؤتمرين سيفاجئون الشقيري بالموافقة على اللاءات الثلاث الأولى ورفضهم تبني الرابعة، مما سيؤدي إلى انسحاب الوفد الفلسطيني من القمة كخطوة احتجاجية. وستؤكد الأحداث اللاحقة أن رفض تبني الـ(لاء) الرابعة كان مقدمة للإطاحة بالثلاث الباقية. وأن سياسة "الكل أو لاشيء" التي اتبعت عربياً في التعاطي مع ملف الصراع العربي الإسرائيلي أصبحت مبكراً على المحك.

 

قبل انعقاد قمة الخرطوم بحوالي العامين أرسل الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة رسالة إلى الزعيم جمال عبد الناصر نشرتها صحيفة العمل التونسية في 30 نيسان 1965، جاء فيها: (( إن العرب لا يستطيعون الإصرار على السياسة الداعية إلى "الكل أو لاشيء"، إن هذه السياسة هي التي كانت سبباً لجميع إنهزاماتنا (...) إن الإستراتيجية الواقعية يجب أن تمنع استعمال القوة، ذلك لأن الدول العربية ليست فقط غير قادرة على خوض حرب ضد إسرائيل، بل لأن الضغط الدولي أيضاً هو على مبلغ من القوة لمصلحة إسرائيل بحيث يمنع العمل العسكري ضد إسرائيل))، ورأى برقيبة أن العرب (( متفقون على أنه يستحيل على الدول العربية في الظروف الحالية أن تقوم بحرب تحرير ضد إسرائيل)) وذكرت الرسالة سببين يحولان دون استخدام القوة ضد إسرائيل وهما،    أولاً: (( أن الدول العربية ليست على استعداد للحرب وهي في الوقت نفسه لا تسمح للمقاتلين الفلسطينيين أن يقوموا بحرب تحرير لوحدهم))، ثانياً: (( أن التكتلات الشرقية والتكتلات الغربية يبدو أنها مصممة على صيانة السلام العالمي ومنع أية محاولات لتبديل الوضع الحالي في المنطقة عن طريق القوة.)) وباسم الواقعية السياسية دعا برقيبة إلى إستراتيجية المواجهة السياسية المرحلية، بحيث يُختار في كل مرحلة هدفاً أو جملة أهداف محددة بدقة تتطلب كي يتم تحقيقها حنكة سياسية.

 

        ربما لم تعلن السياسة البرقيبية انتصارها النهائي على سياسة "الكل أو لاشيء" إلا في العام 1987، وستشكل قبل ذلك مع مبادرة السلام التي قدمها الأمير فهد بن عبد العزيز إلى القمة العربية في فاس 1982 مرتكزا أساسياً للسياسة العربية ما بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان واحتلال بيروت. لكن طيلة سنوات الستينيات والسبعينيات ستبقى سياسة "الكل أو لا شيء" تقاوم، وسيتبناها قبل التخلي عنها نهائيا كل من منظمة التحرير الفلسطينية و العقيد القذافي في ليبيا وحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا والبعث في العراق.

 

إن انتهاج سياسة "الكل أو لاشيء" كان مبرراً من جهة أن العرب هم أصحاب حق، وكان المفروض أن يشكل ذلك عامل قوة للسياسة العربية، لكنه في الواقع كان قد تحول بشكل عجيب إلى عامل ضعف لها  أفقدها فترة طويلة تلك المرونة السياسية اللازمة لفرض هذا الحق في المحافل الدولية، لاسيما في ظل العجز عن امتلاك القوة العسكرية اللازمة. وكان الإعلام العربي إعلاماً موجهاً للجماهير العربية بصيغة حماسية تعبوية تحريضية ولم يأخذ بعين الاعتبار مخاطبة الرأي العام الدولي. ولم يستطع العرب التوفيق بين موقف سياسي صلب متمسك بالثوابت وبين التعاطي المرن مع جزئيات القضايا المطروحة في مراحل معينة. ونتيجة لغياب التكامل بين النظرة التحليلية القادرة على القبض على الجزئي الخاص وبين النظرة الشمولية القادرة على وضع الجزئي والخاص في إطاره العام، أصيبت إستراتيجية "الكل أو لاشيء" بالشطط وبدت وكأنها حالة من اليوتوبيا في ظل موازين القوى السائدة. كانت الشعارات التي رفعت آنذاك كالتحرير الكامل واستئصال الكيان الصهيوني الغاصب تتطلب نوعاً من السياسة المتشددة كسياسة "الكل أو لاشيء"، لكن على أرض الواقع لم تكن الدول العربية تملك الوسائل الفعلية لتحقيق أهداف تلك السياسة. لذلك بقيت سياسة "الكل أو لاشيء" معمولاً بها في مستوى الشعار والخطاب الجماهيري، بينما على صعيد الممارسة الفعلية كانت الدول العربية انطلاقا من مصر تتجه شيئاً فشيئاً لتصبح برقيبية بامتياز.

 

في عمان و معها عديد من العواصم ستخرج الجماهير العربية منددة بقبول مصر في 23 تموز 1970 بمشروع روجرز الثاني والذي نص على وقف إطلاق النار مدة ثلاثة أشهر واستئناف مهمة يارنغ وقبول جميع الأطراف بالقرار 242. وسيسهم حزب البعث في سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية في التحريض الجماهيري ضد المشروع وضد عبد الناصر، الأمر الذي أثار غضب الزعيم المصري، الذي صرح حينها بأنه من حق الفلسطينيين رفض مشروع روجرز لكن ليس من حقهم مهاجمة مصر. وقد عبرت منظمة التحرير في بيان لها بعد اجتماع لجنتها المركزية عن رفضها لمشروع روجرز باعتباره الخطة التنفيذية للقرار الدولي 242. والمعروف أن القرار الدولي 242 الصادر بتاريخ 22 تشرين الثاني 1967 ينص على إنهاء جميع ادعاءات أو حالات الحرب، واحترام سيادة ووحدة أراضي كل دولة في المنطقة (بما فيها إسرائيل طبعاً) والاعتراف بذلك، وكذلك استقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها، حرة من التهديد بالقوة أو استعمالها. وسواء كان قبول مصر عبد الناصر بمشروع روجرز قبولاً تكتيكياً أم لا. فإنه سيكون خطوة أولى على صعيد خرق سياسة "الكل أو لا شيء".

 

كان عبد الناصر ومعه العديد من العرب يدركون أن أي مسار تفاوضي عربي مع إسرائيل ليس بالعسير مقارنة بصعوبة المسار الفلسطيني ومفردات القضية الفلسطينية. فقضايا الحدود والأمن والمضائق ونحوها ليست بصعوبة قضايا اللاجئين والقدس وغيرها مما بات يعرف بقضايا الوضع النهائي، وهو ما عبر عنه عبد الناصر في ذلك الوقت. وربما لم يكتب النجاح لاتفاقية كامب ديفد المصرية الإسرائيلية لولا إزاحة هذه القضايا واختزالها بمشروع الحكم الذاتي ضمن اتفاق إطار في اتفاقية كامب ديفد الأولى مع استبعاد لمنظمة التحرير الفلسطينية ودورها التمثيلي. وهو ما أكد عليه أحد كبار الصحفيين المصريين وأحد مستشاري الرئيس السادات قبيل التوقيع على معاهدة كامب ديفد، حيث صرح لصحيفة بديعوت أحرنوت في 14/12/1977: ((إن غياب سوريا ومنظمة التحرير المرتقب عن المفاوضات من شأنه أن يسهل إجراءات التسوية ويمنع وقوع أزمة في المناقشات بسبب الفجوة الكبيرة في مواقف الأطراف بخصوص القضية الفلسطينية)). والواقع أن توجهات السياسة البرقيبية العربية الآخذة بالانتشار اقتضت إما الضغط على الفلسطينيين لتخفيض سقف مطالبهم أو تهميش منظمة التحرير الفلسطينية واستبعادها عن أي مناخ سياسي تفاوضي، طالما أن الدول العربية اقتنعت أن تحقيق أي سلام مع إسرائيل لابد له من تنحية الفلسطينيين جانباً ومعهم جملة من القضايا التي بدا أنه يستحيل التوصل مع الجانب الإسرائيلي إلى اتفاق حولها.

 

صرح ياسر عرفات لصحيفة الأنوار في 14 كانون الثاني 1970 أن العام 1969 هو عام المؤامرات العربية على الثورة الفلسطينية وأن العام 1970 هو عام المؤامرات الدولية عليها. فهل عنى ذلك في حينه أن قيادة منظمة التحرير بدأت تستشعر محاولات الالتفاف على تمثيلها للفلسطينيين وعزلها عن اللعبة السياسية الآخذة وتيرتها في التسارع؟

 

جاءت الخطوة الأولى مطلع السبعينيات حين استبعدت منظمة التحرير الفلسطينية من مؤتمر لدول المواجهة مع إسرائيل شاركت فيه مصر والأردن والسودان وسوريا، وكانت الحجة في استبعاد المنظمة أنه مؤتمر مخصص للدول. وبالرغم من صيغة البيان المنتقدة للسياسة الأميركية رأت المنظمة فيه رسالة موجهة إلى الولايات المتحدة مفادها أن بعض المرونة السياسية باتت ممكنة. ودعا في الفترة نفسها بعض القادة والشخصيات المحلية في الضفة الغربية إلى مشروع الحكم الذاتي كالمحامي عزيز شحادة والصحفي محمد أبو شلبابة وغيرهما، ليشكل ذلك بداية لرهاب "البديل الداخلي" لمنظمة التحرير الفلسطينية. وفي خطاب له بتاريخ 15 آذار 1972 طرح الملك حسين مشروع "المملكة العربية المتحدة" الذي بدا في حينه كجزء من معركة المنافسة بين الملك ومنظمة التحرير على تمثيل الفلسطينيين أو جزء منهم على الأقل. وانطلق مؤتمر جنيف بجلسة مراسمية قصيرة في 21 كانون الأول 1973 عقب حرب تشرين مباشرة، بمشاركة الجمهورية العربية المتحدة والأردن وإسرائيل وبرئاسة الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية وإشراف الأمين العام للأمم المتحدة، وتغيبت عنه سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية. اتهمت إسرائيل سوريا بأنها تعرقل المؤتمر بإصرارها على مشاركة منظمة التحرير وهو الأمر الذي كانت إسرائيل قد رفضته مراراً، واتضح لاحقاً أن مشاركة إسرائيل في المؤتمر كان بنصيحة أميركية لتجنب الضغط الدولي، وأن الخطوات الفعلية في عرقلة المؤتمر كانت من نصيب الجانب الإسرائيلي. في السنوات اللاحقة استثنيت منظمة التحرير الفلسطينية من الدبلوماسية المكوكية الكيسنجرية في الفترة مابين عامي 1974 و1975. وتواصلت محاولات عزل المنظمة دولياً وعربياً وصولاً إلى مؤتمر قمة عمان 1980 الذي اختزل جدول أعماله ببلورة إستراتيجية اقتصادية عربية شاملة تمتد حتى عام 2000. وبالرغم من أهمية ذلك عربياً فإن تلك الإستراتيجية لم توضع حيز التنفيذ بينما جرى تجاهل تام للقضية الفلسطينية وعومل الوفد الفلسطيني برئاسة ياسر عرفات بطريقة غير لائقة.

 

سنوات قليلة ستفصل مابين مؤتمر قمة بغداد في 1978 ومؤتمر قمة عمان في1987، ستكون هذه السنوات التسع كافية لعودة مصر إلى الصف العربي، بل الأصح أن نقول أنها كانت كافية لعودة العرب إلى الصف المصري. فهل تعب العرب فعلاً من المواجهة مع إسرائيل؟ أو يبدو أن الدول العربية اقتنعت بعد طول عناء بوجهة نظر وزير الخارجية المصري الأسبق بطرس غالي الذي    صرح لصحيفة واشنطن بوست بتاريخ 15/8/1977 قائلاً: (( إن انشغالنا المبالغ فيه بالمواجهة مع إسرائيل كان أشبه بعمل يصعب الانتهاء منه، أشبه بجرح متعفن، وقد آن الأوان لمعالجة هذا الجرح وشفائه للأبد. إن مصر ليست مجرد دولة شرق أوسطية بل هي دولة من دول البحر المتوسط، ومن الواجب أن نتوقف وبصورة قاطعة عن الاهتمام المبالغ فيه بالقضية الفلسطينية)).

 

اكتشف الرئيس السادات بعد سنوات طويلة من الصراع مع إسرائيل أن 70% من هذا الصراع كان ذي منشأ سيكولوجي، واختار العرب سياسة الـ (لا حرب) قبل أن يختاروا سياسة السلام بوقت طويل، وكانت بعض الأنظمة العربية قد تأولت الآية القرآنية ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله﴾ بما يخدم وتوجهات السلام مع إسرائيل عبر أيديولوجيا دينية تبريرية طبعت بطابعها الخطاب الديني الرسمي، بالمقابل كان لمنظمة التحرير الفلسطينية فتواها السياسية. كان على قيادة منظمة التحرير أن تملك زمام المبادرة حتى لا تجد نفسها خارج اللعبة السياسية، وكان أمامها معارك سياسية متلاحقة لانتزاع الاعتراف بها ولإبقاء القضية الفلسطينية في الصدارة في مواجهة ما بدا أنه "التخلي عن الاهتمام المبالغ فيه بالقضية الفلسطينية" حتى لو كان في ذلك انتهاك لما كان يشكل سابقاً "تابو" فلسطيني.

 

تبنت المنظمة البرنامج المرحلي أو برنامج السلطة الوطنية الذي تضمن إقامة الدولة الفلسطينية على أي جزء يتم تحريره من الأراضي الفلسطينية، وضمنت موافقة المجلس الوطني الفلسطيني عليه في حزيران 1974، وبعد أن كانت إستراتيجية الكفاح المسلح تهدف إلى التحرير الكامل للأراضي الفلسطينية المحتلة وإعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بالاعتماد عليه وحده، وهو ما اتضح قصوره لاحقاً، أصبح الكفاح المسلح تكتيكاً يخدم تحقيق أهداف سياسية مرحلية، فقد أريد للكفاح المسلح في هذه الفترة تعزيز موقع منظمة التحرير والضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل للاعتراف بتمثيلها للفلسطينيين والتفاوض معها مباشرة دون بوابات عربية. واللافت للانتباه أن بعض الإحصائيات تشير إلى أن عدد العمليات الفدائية ضد الأهداف الإسرائيلية في العام 1974 تجاوز 350 عملية. كان لهذه النقلة أثر بالغ في تعزيز الدبلوماسية الفلسطينية والقدرة على انتزاع الاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني من الدول العربية عبر قمة الرباط في العام 1974 بعد رفض أردني وتحفظ سوري ولبناني. كما حظيت أيضاً باعتراف دول العالم الثالث والكتلة السوفيتية، وتمت دعوة ياسر عرفات إلى التحدث في الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني 1974 ومن ثم قبولها كعضو مراقب في الأمم المتحدة وفق القرار3237 الصادر في تشرين الثاني 1974. وربما كان لقاء ياسر عرفات بوزير الخارجية الفرنسي في 21/10/1974 هو أول لقاء رسمي بين زعيم فلسطيني ومسئول أوروبي لكن في عام 1980 ستحظى المنظمة باعتراف رسمي بها من قبل المجموعة الأوربية.

 

فلسطينياً تباينت المواقف من برنامج المجلس الوطني للسلطة الوطنية، فقادت الجبهة الشعبية بدعم من العراق وليبيا جبهة الرفض لبرنامج المجلس الوطني للسلطة الوطنية ولأي إجراءات أو قرارات من شأنها الاعتراف بإسرائيل. وبالرغم من موافقتها على البرنامج المرحلي رفضت الجبهة الديمقراطية التحالف الفلسطيني مع مصر والمملكة العربية السعودية ونادت إلى جانب الصاعقة والشيوعيين الفلسطينيين بتعزيز الموقع التفاوضي للمنظمة من خلال التحالف الاستراتيجي مع الدول العربية "التقدمية" والاتحاد السوفييتي. وفي واقع الحال امتلكت قوى الرفض الفلسطينية دائماً بعض القوة لتعطيل وعرقلة المسارات السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية لكن لم تكن لديها أبداً القدرة الكافية لطرح أي إستراتيجية بديلة عن إستراتيجية قيادة المنظمة وحركة "فتح".

 

استطاع ياسر عرفات أن يفتح قنوات اتصال مع منظمات أهلية ومدنية أميركية، ففي 17/9/1979 وصل إلى بيروت جوزيف لوبري رئيس "جماعة الحقوق المدنية الزنجية" في الولايات المتحدة للاجتماع بياسر عرفات، وعاد ليلتقي به مجدداً في الثالث والعشرين من الشهر نفسه على رأس وفد "الزعماء السود" في مخيم صبرا قرب بيروت. كما أعلن الزعيم الزنجي الأميركي جيسي جاكسون بعد لقائه للمرة الأولى بعرفات أنه على وشك إقامة رأس جسر يمكن حكومة كارتر من بدء حوار مع منظمة التحرير. وربما لا يتسع المجال هنا لمزيد من التفصيل حول تلك اللقاءات والقنوات لكن المهم أنها قطعت شوطاً هاماً في فتح الأبواب أمام حوار أمريكي فلسطيني، ولا نكون مبالغين إذا قلنا أن أحد الأسباب الهامة للاجتياح الإسرائيلي للبنان لم يكن القضاء على قوة المنظمة العسكرية فقط بل وأيضا، تقليص حجم الاختراقات السياسية المتقدمة التي أحرزتها الدبلوماسية الفلسطينية.

 

غادر عرفات وقوات الثورة الفلسطينية بيروت ليحط أخيراً في تونس، وسيخسر الكفاح المسلح المنطلق من الشتات قاعدة أخرى انطلق منها بعد أن خسرها في الأردن، لكنه ترك خلفه مقاومة لبنانية فتية لم يبخل عليها لا بالمال ولا بالتدريب ولا بالسلاح. وبدا عرفات حينها بالرغم من الخسارة العسكرية وقد انتصر على كل محاولات العزلة التي استهدفت منظمة التحرير الفلسطينية بل وقيادة منظمة التحرير الممثلة بياسر عرفات شخصياً، وأثبت مجدداً أنه الرجل الأقوى في الساحة الفلسطينية. وكان عليه بعد الاستقرار في تونس أن يتعامل مع واقع جديد لم يعد يسمح بأفق واسع للكفاح المسلح هذا إن سمح به أصلاً. وكان لابد من البحث عن أسلوب نضالي جديد، وسيكون على الداخل الفلسطيني هذه المرة تحمل العبء الأساسي في المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.

 

كاتب وباحث فلسطيني

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home