قصة

 

مسرح الظل

عثمان عبداللطيف



مسرح الظل

                       

 

 

     عندما خرجت في سترة سوداء وتنورة زرقاء كيمامة، كان الصيف جبارا لايرحم.... وكان عطرها الشفيف من اعشاب الحدار والبابونج يملا الفضاء وراءها فتموت  كل الجنادب.... العظاءات والكائنات القذرة.

كانت اعلانات العروض الاخيرة لمسرح اللاشئ تملا اعمدة الكهرباء... ارصفة الشوارع... ولوحات الاعلانات لتجلب ربات البيوت النبيهات.... المثقفين الهرئين.... والديمقراطيين المتانقون دوما في القذارة والسهو ساعة سماع اغاني الرمز.

مدت تذكرتها التي اهداها اياها احد اصدقائها القدامى الى قاطع التذاكر..

 اجتازت المدخل الامامي الرئيسي اثناء  دخولها من الباب المخصص للاناث تقدمت ناحيتها فتاة تحمل بيدها عقودا من البنفسج المائي... خاطبتها بصوت  ناعم يذكرها بقطتها نوسة: لكل فتاة تدخل وحيدة اليوم عقد هدية من منتجي المسرحية.

كان العقد على رقبتها يضيف جمالا ماكان لينقصها.

وجدت مقعدها المكتوب رقمه على ظهر البطاقة بسهولة.. وكانت ضجة الحاضرين قبل بداية العرض تعطي احساسا بحتمية فوضى الانسان داخل القطيع البشري.

اتحهت ببصرها صوب خشبة المسرح التي كانت واسعة جدا ومضاءة اضاءة عالية، كان هناك كرسيا اسودا انيقا في منتتصف الخشبة ولايوجد غيره من ديكورات جانبية.. كان على الحائط ستارة من القماش كستائر دور السينما.

فجأة دخل احد الاشخاص رافعا يده امرا الحضور بالصمت.... صفق الحضور بحرارة اعقبها صمت مخيف ...ذاك الصمت الذي يعقب مرور غيمة على شمس ضاجة بالغضب المشتعل فتهمد كل الاسئلة والحواس.

قال كلاما لم تستبنه اذناه سرعان ماانصرف لياخذ القماش في التحرك حركاتا خفيفة... فظهر ظل رجل يقف متكئا  بظهره على حائط... وبدا صوته في الوضوح وكان مميزا مخنوقا كانه ياتي من بئر::

مسرحنا هو الظل... لان حياتنا الحقيقة فيه.... ولان بداخل كل منا بقعة اثيرة مظلمة.... مدسوس فيها كل الاشباح.... الوساوس.... الدسائس...... والاحلام السوداء.

نحن ابدا لانفشي السر لذا لن نقول كل شئ.... فقط سنضئ الاشارة.

دخلت فرقة موسيقية الى المسرح والاتها، كانوا ثلاثة رجال وثلاث نساء.... جلسوا في اطراف المسرح على الارض متواجهين.

ثم واصل ستكون حكايتنا اليوم عن فتاة لاككل الفتيات.... فتاة لها زمن موغل في الوحشة والاستئناس... كان عندما يصيبها داء الحذر  تختار اسهل الطرق.... تقف الان في مفترق طريقين... تمد بصرها بعيدا كربان سفينة يائس، لترى ان كان هناك من درب ثالث...

لكن هيهات.... فالقلب اذا امتلا بالحيرة صار اعمى لاتدله المواقف.

بدات الفرقة بعزف هادئ قامت الظلال خلاله بتكوين مدينة كاملة من بيوت..... شوارع.... شجر وسماء.

ظهرت غرفة وبداخلها صبية تمشط شعرها في جديلة واحدة.... كانت تغني غناءا خافتا وتخرج الى الشارع حاملة سلتها لتتداخل مع البشر حولها... تنظر في فراغ عريض كانها لاترى احدا.... تقف فجاة مع البعض لتضحك ضحكاتا ارجوانية  ثم ترحل مسرعة.

وتلمس جديلتها لتتاكد من عدم انسدالها على كتفها.... كانت العيون تتابعها اينما ذهبت.... كغزالة جميلة هاربة كانت تركض في الشوارع  وعند انسدال شعرها على كتفها كانت تجلس لتمشط شعرها... بقربها سلتها وتغني غناءها الخافت.

وفي احد المرات اثناء هروبها ذاك... تابعها ظل لعاشق... كان يجري خلفها حافيا وذات مرة بينما كانت جالسة تجدل شعرها راته اتيا نحوها.... اجفلت وقامت راكضة الى الغرب تاركة سلتها .....

عندما لم يدري اي اتجاه سلكت ركض الى الشرق حاملا سلتها وصارا في ركض مستمر..

فجاة تحولت الستارة الى كرة كبيرة والطيفان يركضان على اطراف الكرة وبمسافة غير بعيدة عندما كاد الطيفان ان يلتقيا توقفت الصبية عن الركض جلست لتمشط شعرها وعندما اكملت جديلتها نهضت راكضة الى الشرق.

بحركة سحرية اختفي ظلها من على الستار الذي عاد الى حالته الاولى وكانه القى به على الكرسي في منتصف المسرح.

 اصبحت الخشبة مضاءة كلها الا من بقعة مظلمة يختفي فيها الكرسي الاسود... وظهر ظل الرجل المتكئ على  الحائط ليقول بنفس صوته المخنوق:

ليس في مسرحنا اي نوع من الاثارة الشاذة....  نحن لانحكي كل شئ حتى يفهمنا الغير بعمق.... لان شخصياتنا تصنع الافعال المريعة والقلق الدائم.... سنكون وهما يخافه من ضيع الثقة وكابوسا لكل من تردد وحيرته الاشياء.

بدات الموسيقى تعزف مقطوعة الشتاء لـفـيـفالـدي عندما قال:

وكانت تاتي اوان الظهيرة بطعم البن....ورائحة طفولة مليئة بالشجر والعصافير.....

 فيحس الكهول بطرقات خفيفة على ابواب قلوبهم الخلفية فيبتسمون في حكمة.

وعندما تبتسم هي باناقة تفاحة في خضم فاكهة..... تنفض الاشجار اوراقها اليابسة..... تصحو العصافير من سباتها اللذيذ..... فيسال عصفور صغير: الى اي طائفة تنتمي هذه الكاسرة؟

 تضحك امه قائلة::  لليمام وهو جميل..

يوشوش  النهر لجارات الضفاف من اعشاب اغروها لترد مائي والا................!

قالت سمكة مخمورة لاختها سيفعلها ....." هـــــق"...  فهذا نهر جرئ.

ولانها لاتدري ارتباط الصمت بالفتنة.... كانت عندما تسير ترمي بحديد صمتها في جميع الاتجاهات... ليتكسر الزجاج في  نوافذ القلب ساعة رؤويتها... وتظل نوافذ القلب بعدها مشرعة للرياح والزوابع.

ولان حضورها شاسع كفكرة مراوغة..... كانت لاتدري ان ارتباط العشق بالخوف وثيق لدرجة..... بان من يعشق الخوف ومن يخاف العشق يخافه.

في تلك الاثناء دخل احد الممثلين الى خشبة المسرح وفي صمت وقف برهة امام بقعة الظلام.... نظر مليا ثم جرى الى احد اركان المسرح انتحب قائلا:

اعطوني قلبا اخر..... كل هذا القلب لدي لايكفي لعشقها.

قال صاحب الظل:  وهي المحفزة بالصمت والركض بين الاشياء منها واليها دون التقاء.... تضحك تظن بان لااحد يدري عنها شيئا....... تخونها اعينها عندما تمد البصر بحثا عن شئ من السر في اعين الاخرين....... يصيبها العمى عندما تجده...... ولاتظن ان تجد من يقرا السر في صمت العيون.

العيون بوابة الذاكرة.......... كجلجامش رأت كل شئ...

واصبح الظلام اليفا في تلك المنطقة التي تحيط بالكرسي، كانه طيف لفتاة واضعة رجلها فوق الاخرى.

ودخل ممثل اخر ووقف امام الكرسي المختفي وتقدم نحوه الى ان اختفي منه جزء في الظلام ثم خرج.

     وقال صاحب الظل من جديد بعد ان اعتدل في وقفته: عندما يكون الانسان في متاهة عليه ان يتخيل الاشياء من الخارج.... ان يحلق بعيون نسر.... فكل من سيظل يزحف مع مشاكله لن يري شيئا..... وسيعلق الى الابد في متاهة السؤال.

سنطفئ الان جميع الاضواء وبعد قليل سنضئ لكم البقعة المظلمة لنرى جميعا كيف تبدو صاحبة الظل والظلام.

ذات غرة اضاءت الانوار البقعة المظلمة كلها........ كان هناك كرسيا وحيدا ابيض اللون في منتصف الظلام

وجاء صوته حريفا من نفس مكانه القديم وكان هذه المرة مختفيا في الظلام:

هذا ماحدث في جميع عروضنا السابقة.... الاتظهر ابدا ويظل مكانها فارغا..... تخاف دوما من الدروب الثالثة والحلول الصعبة.... ستكون الى الابد متفرجة جيدة وبداخلها الهروب الكبير.

لان من يجيد مراقبة الاشياء ويهرب من ذاته، سيكتشف ذات لحظة بانه يراقب نفسه في مسرح الاخرين.... ولن تكون النتيجة سوى الدهشة الحارقة ومزيدا من الهروب.

قامت فتاة من الحضور قالت: اظنكم تبحثون عني نظر اليها الجميع في غرابة.... ضحك صاحب الصوت عندما قال:

اشارة ما قد تضللك عن الطريق.... وحجر صغير يلقى في بحيرة سكونك العملاقة قد يثيرها كلها.

لكن ليس غباءا ان تتشابه عليك الاشياء، الغباء ان تكون متاكدا ولو خطأ انك المقصود ثم تهرب.

اجلسي انت، ولن يكون في الهروب من ذات الهروب معنى للراحة. لان دائما من يعرف يتعذب....  ساعتها يكون الهروب انكار للمعرفة والعذاب.

نحن هنا لمنح العذاب للهاربين.... لاهدائهم اللعنة والضياع في خبايا النفس.

قد كان هذا نهاية للعرض القصير.... الاول والاخير في مسرح هذه المدينة، ستعودون غدا وبعد غد ليشاهد كل فرد عرضه في مسرح الحياة.

ستخرج فتاتنا التي لن تعود لمسرحها الخاص... مسرح الظل..... بعد ان منحناها فرصة للاعتراف رفضتها... فقط لتعلم ان الاعتراف فرصته واحدة فقط.... بعد ذلك سيكون طعمه مزورا وباهتا كالكذب..

عندما خرجت من الباب كان العقد في رقبتها ازرقا فسفوريا.... تجاهلت نظرات الناس اليها وسارت الى بيتها على قدمين حافيتين.

عندما دلفت الى منزلها جلست على كرسيها الوثير قرب النافذة.... احست بارهاق مفاجئ وصداع ثقيل... اغمضت عينيها وبدأت في استرجاع احداث المسرحية.

احست بهواء بارد يهب من النافذة والاصوات تخفت تدريجيا..... احست بنعاس يداعب اطرافها.

عندما افاقت من غفوتها كان الظلام يعم المكان..... كانت الردهة واسعة جدا وكأن هناك عشراتا من الاعين تراقبها.

عندما قامت من كرسيها الوثير القت عليه نظرة فاحصة..... تذكرت اين رأت هذا الكرسي الابيض اخر مرة..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home