القلم النقدي

 

أثر العقائد الاسماعيلية في شعر عمارة اليمني

د. محمد الجاغوب



أثر العقائد الاسماعيلية في شعر عمارة اليمني

وُلد الشاعر العربي الفقيه نجم الدين عمارة اليمني في مرطان باليمن سنة 531 هـ ، وتنقل بين اليمن ومكة ومصر ، كان على جانب عظيم من العلم والفضل والأدب ، وترك بصمات واضحة في الحياة الأدبية والسياسية في زمانه .

لم يثبت بشكل قاطع أن عمارة كان شيعياً ، وربما أمكن الجزم بذلك استناداً إلى دليلين :
- مقاطعته لمجلس الوزير طلائع بن رزّيك عندما تعرّض أحد الحاضرين للشيخين بالإساءة .
- قوله الصريح في قصيدته العينية عن الفاطميين :
مذاهبهم في الجود مذهب سنةٍ وإن خالفوني في اعتقاد التشيُع .
وعلى الرغم من هذا فإن العقائد الاسماعيلية قد تركت بصماتها الواضحة على شعر عمارة ، ولعلّ أسباباً عديدة كانت وراء ذلك ، ومن أبرزها :
إقامته في عدن مدة عشر سنين في كنف بني زريع الشيعة من سنة 538 – 548 هـ ، وصلته الوثيقة بأبي بكر العيدي أحد دعاتهم .

رحلته الأولى إلى مصر ، ومحاولة طلائع بن رُزّيك إغراءه بالمذهب الاسماعيلي ، حيث أوعز إلى أهل اليمن بإسقاط ديونه .

رحلته الثانية إلى مصر وإقامته فيها حتى وفاته سنة 569 هـ .

صلته بعدد من الأئمة الفاطميين ووزرائهم ومدحه لهم .

هذا والمتتبع لشعر عمارة يلمح أثر تلك العقائد في أكثر من موضع . ومن ذلك ما ورد في سياق مدحه للدولة الفاطمية في قصيدته التي مطلعها :

الحمد للعيس بعد العزم والهمم *** حمداً يقــوم بما أولــــتْ من النِعــــم

قرّبن بُعد مزار العزّ في نظري *** حتى أتيتُ إمــام العصر من أَمَــــــم

وللإمــــامة أنــــوارٌ مقدّســـــةٌ *** تجلو النقيضين من ظلـم ومن ظُلَــــمِ

أقسمت بالفائز المعصوم معتقداً *** فـــوز النجــاة وأجـر البَـر في القسـم

يتضح من الأبيات السابقة بعض تلك العقائد مثل : الإمامة ومبدأ الوصاية والقول بعصمة الإمام ، والتأويل الباطن للأشياء . وقد وصل الحد بالشاعر أن أقسم بالإمام الفائز طلباً للنجاة . ثم يتحدث عن الوزير طلائع فيقول :

حمى الدين والدنيا وأهلهما وزيره الصالح الفرّاج للنعم

وفي قصيدة أخرى يرثي فيها الدولة الفاطمية بعد سقوطها سنة 567 هـ ، يبكي الشاعر عمارة على تلك الدولة ويتمنى عودة أيامها ثانية ، ويُعرّض بالذين عملوا على إسقاطها ، ويتهم الدهر بالعثار لأنه المسؤول عن ذلك الحدث ، ويعتبر دولة الفاطميين بأنها كفّ المجد فيقول :

رميت يــــا دهر كفّ المجد بالشلل *** وجيده بعد حُسن الحَلْـي بــالعَطَلِ

يا لائمي في هــوى أبنـــاء فاطمــة *** لك الملامة إن قصّرت في عذَلي

بالله زر ساحة القصرين وابك معي *** عليهمـا لا علــى صفين والجمــل

وهو هنا يعبر عن حبه للشيعة ويطالب بالبكاء على مجد دولتهم ، ويتهم الأيوبيين بالعمل على إسقاطها ، ويقارن عملهم ذلك بعمل الفرنجة ، فيقول :

ماذا تُرى كانت الإفرنج فاعلة *** في نســل آل النبيّيــن علـــي

ثم يصف قصر الأئمة الخاوي ويقارن الحاضر بالماضي :

مررت بالقصر والأركان خالية *** من الوفود وكانت قِبلة القِبل

ويعبر عن حسرته على ذلك فيقول :

لهفي ولهف بني الآمــال قاطبة *** على فجيعتنا فـي أكرم الدول

ويتضح أثر العقائد الاسماعيلية عند عمارة في قوله :

ورثت الهدى عن نص عيسى بن حيدرٍ *** وفــاطمة لا نــص عيســـى بن مريم

وعندما رثى جدة الإمام العاضد بعد سنة من وفاتها أظهر تأثره بتلك العقائد ، وكذلك ظهرت لديه عندما رثى الصالح طلائع بن رُزّيك ، وعندما مدح شاور ، وعندما رثى زوجته " أم سيف الملك " وعند رثائه لأولاده أيضاً .

أما عندما ألقي القبض عليه من قبل صلاح الدين الأيوبي بتهمة التآمر على الدولة الأيوبية هو وجماعة من رفافه ، فقد كتب قصيدة استعطاف لصلاح الدين يعتذر فيها ، ويبين أن تقربه من الفاطميين كان لدوافع مادية ، وبسبب ديون أرهقته ، وقد مدح نفسه في تلك القصيدة وأظهر حماسته للمذهب الشافعي وحاول درء تهمة التشيع عن نفسه :

أيــــا أذن الدنيا إذا قلت فاسمعـي *** لنفثــة مصـــــدور وأنــّــة مــــوجَع

وفيها يشكو الزمان :

تقاصر بي خطب الزمان وباعـه *** فقصّـر عــن ذرعـي وقصّـر أذرعي

ويمّمت مصراً أطلب الجاه والغنى *** فنلتهمــا فـــي ظــــــل عيــش ممنّـع

وجاد ابن رُزّيك من الجاه والغنى *** بما زاد عن مرمى رجائي ومطمعي

ثم يشير إلى كرم الأئمة والوزراء الفاطميين :

مذاهبهم في الجود مذهب سنّة *** وإن خالفوني في اعتقاد التشيع

ثم يخاطب صلاح الدين :

فقل لصلاح الدين والعدل شأنه *** مَنْ الحَكَم المصغي إليّ فأدعي

ألم ترعني للشافعي وأنتم *** أجلُّ شفيع عند أعلى مشفّع

ويمدح نفسه قائلاً :

فإن سُمتني نظماً ظفرت بمفلقٍ *** وإن سمتني نثراً ظفرت بمصقعِ

غير أنّ هذه القصيدة لم تفلح في حصول عمارة على رضا صلاح الدين الأيوبي . حيث حاكم عمارة وأعدمه شنقاً في رمضان سنة 569 هـ .

إن الدارس لشعر عمارة اليمني يرى فيه شاعراً قديراً ومطبوعاً يوازن بين الألفاظ والمعاني ، لا يميل إلى الصنعة اللفظية إلا ما ورد منها عفو الخاطر ، كذلك يتبين الدارس لشعره وسيرته أن أثر العقائد الاسماعيلية واضح في شعره ؛ وهذا ليس غريباً ، فالشاعر ابن بيئته يتفاعل معها ويتأثر بها ، ومع ذلك فقد ظل على مذهبه السني الشافعي ، كما اتضح من قصيدته التي نظمها في أواخر أيامه ، وفيها أظهر حماسته للشافعية التي تعلمها وتأثر بها أثناء إقامته في كنف بني جناح في " زبيد " باليمن .

بقلم : د. محمد الجاغوب

المراجع :
- النكت العصرية في أخبار الوزارة المصرية ، عمارة اليمني ،
الناشر: مدبولي ، سنة النشر :1997
المفيد في أخبار زبيد ، لعمارة اليمني .
ديوان عمارة اليمني . وفيات الأعيان ، لابن خلّكان ، الجزء الأول .




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home