قصة

 

مسرحية من فصل واحد ( للنَصِّ بعْدٌ آخَر)

وائل رداد



 

(مسرحية من فصل واحد)

للنَصِّ بُعْدٌ آخَر

 

(في الخلفية لوحة زيتية لتمثال الحرية, لكننا نراه من وراء قضبان متمثلة كقضبان السجون كما لو كان محبوسا..

وفي عرض المسرح سرير معدني, تمدد عليه شاب حاملا بين يديه عودا يدندن عليه ألحانا من مقتطفات مارسيل خليفة الساحرة..

يدخل عليه شاب آخر يماثله في السن تقريبا, ويحمل لفافة تحوي وجبة من مطعم "كنتاكي", لكن الشاب الأول يبقى على شروده وسهمه مع الألحان الشجية التي يعزفها ببطء وتأثر..)

 

الشاب الثاني (سندعوه هنا رياض): جلبت الطعام, هلم بنا للأكل..

 

الشاب الأول (الذي سندعوه رامزا) باق على شروده وألحانه, مما دعا صاحبه إلى إطلاق تنهيدة حارة من سويداء قلبه..

 

رياض (بعد أن يتخذ لنفسه مجلسا بجوار صاحبه): أتراك سمعتني يا رامز؟ انهض فالطعام جاهز..

 

رامز (متجهما): لا رغبة لي, كل لوحدك..

 

رياض (واضعا يده على كتف صاحبه): يجب أن تأكل شيئا, أنت على هذه الحال منذ البارحة يا رجل..

 

رامز (متهكما): وما الأكل؟ وما الشرب؟

 

رياض: وما العزف على العود؟ وما بالك؟ أهي فلسفة جديدة تزمع ابتكارها؟

 

رامز: ولم لا؟ هل كانط وهيجل أفضل مني؟

رياض: ربما, فقد كانا يتعشيان على الأقل قبل البدء بالفلسفة..

 

رامز (مدندنا على العود): إليك عني يا صاحبي, فلا شهية عندي..

 

رياض (وهو يفض لفافة الطعام): علينا بالأكل يا رامز, لأن علينا بالعمل, والعمل هو ما يوفر لنا مال الإيجار لصاحب هذه الغرفة..

 

رامز (بأسى): اليهودي ابن اليهودية! ألم تجد غيره كي نستأجر من عنده؟ سحنته الشبيهة بغراب البين تثير هلعي قبل اشمئزازي, وهو يزيدهما بكرمه اللامتناهي ومعاملته الطيبة لنا!

 

رياض (محتدا): ماذا كنت تتوقع؟ جنة الله في الأرض؟ طريق وردي مفروش إلى حيث ما يسمونه هنا "الحلم الأمريكي"؟

 

رامز (بحزن واضح): كيف طاوعتك يا ترى وهاجرت معك إلى ارض العذاب؟ كيف لم أبقَ هناك في..

 

رياض (مستهجنا): في وطنك؟ وطنك الذي أطعمك وسقاك وما إلى ذلك من هراء العواطف الجياشة إياها؟

أنسيت الرزق الضئيل؟ أنسيت المعاملة المقيتة؟

 

رامز (باستهجان مماثل): من يسمعك يقول بأننا قد وجدنا السماء تمطر ذهبا وفضة هنا, ناهيك عن الناس اللطفاء الذين يسيئون لنا كلما مشينا في الشوارع, جنس ومخدرات وكل ما يدع القيء يفيض بغزارة! أنا لم أعد أحتمل أكثر..

 

رياض (بازدراء): كنت أعلم أنك ابن أمك لا أبيك! قدمت لك فرصة العمر التي يحلم بها شبان العروبة أجمعين, فإذا بك تركلها الآن كما لو كانت صفيحة صدئة..

 

رامز (ينهض والعزم على وجهه): قل ما شئت ودعني لحالي, دعني في همومي وأحزاني, دعني أتذكر تفاصيل داري وفراشي, دعني أسترجع النوتات التي كنت أدونها في أوراقي..

دعني أتذكر مذاق الطعام الذي كانت والدتي تعده, ورائحة لفافة تبغ والدي وشقاوة إخواني! (تسيل دمعة مريرة على خده وهو يخرج)

 

رياض (يتناول لقمة من الطعام قائلا باحتقار): طفل كثير البكاء! (صوت طرقات صارمة يتصاعد) من بالباب؟

 

صوت (بصرامة تلك الطرقات): أنا أدوناي رياض! (ومن ثم يدخل صاحبه, كهل يرتدي ملابس سوداء أنيقة, سحنته غير مريحة بالمرة بسبب الهالات السود البشعة حول عينيه من كثرة السهاد في إحصاء المال)

 

رياض (متظاهرا بالحبور): مستر مردخاي! أشرقت وأنورت!

 

مردخاي (متفقدا ببصره أرجاء الحجرة قبل أن تعابث يده طرف السرير): كيف حالك أدوناي؟ عسى أن تكون مرتاحا في الحجرة؟

 

رياض (ضاحكا بارتباك): ولو؟ أنت الخير والبركة مستر مردخاي!

 

مردخاي: والحجرة ليست مجانية كما تعلم, أم أنك نسيت؟ ربما تناسيت, فشاب مثلك أحيانا يحب فعل التناسي السخيف!

 

رياض: أنا أتناسى؟ أنا يا مستر مردخاي؟

 

مردخاي: سعيد لكوني مخطئا إذن, وسأكون أسعد لو تكرمت وناولتني إيجار حجرتي أدوناي..

 

رياض (بحرج بالغ): آه! بشأن الإيجار مستر مردخاي إن..

 

مردخاي (مطقطقا بفمه والابتسامة لا تفارقه): لا! ليس زبوني المفضل الشاب هو من يقول لي ذلك! كنت مخطئا قبل قليل فما الحكاية أدوناي؟

 

رياض:لا مستر مردخاي, كل ما في الأمر أن المال.. في مكان آخر!

 

مردخاي (ببرودة): مكان آخر كيف؟ داخل بنك مثلا؟

 

رياض (مطلقا ضحكة سطحية): ليس إلى تلك الدرجة لكن..

 

مردخاي (يدنو من ضحيته قبل توقفه): اسمعني جيدا أيها الشاب, قد أبدو لك إنسانا أحمقاً, لكنني بصراحة لا آبه لرأيك السقيم, كان اتفاقنا على أجرة محددة تدفعها لي في زمن محدد, والإخلال ببند واحد من الاتفاق يعني..

 

رياض (يقاطعه متحمسا): أقسم بالله العظيم ألا نية عندي للحنث بالعهد الذي بيننا! نحن عرب ومسلمون مستر مردخاي, وديننا علمنا الإيفاء بالعهود!

 

مردخاي: لا يهمني ما إذا كنت بوذيا حتى! أريد مال الإيجار الآن..

 

رياض (بوجه محتقن): أريد مهلة للغد فقط..

 

مردخاي (ببسمة ساخرة): أأبدو لك ممن يمهلون للغد؟ إما الدفع الآن أو الطرد حالا دونما إبطاء..

 

رياض (كمن أسقط بيده): مستر مردخاي أنا أتوسل إليك.. (لحظة صمت صال خلالها مردخاي وجال أرجاء الخشبة قبل توقفه مطرقا رأسه, في حين يتابع رياض كل خلجة من خلجاته متشبثا ببصيص أمل..)

مردخاي (وهو يهرش ذقنه مفكرا): كما تعلم أدوناي أنا رجل لا يحب أن يظلم أحدا..

 

رياض (متلهفا): هذا أمر معلوم!

 

مردخاي: ولكي لا أظلم نفسي سأحاول الاستفادة منك! ولربما أخفض لك الإيجار إذا ما أعجبتني نتائجك, من يدري قد تصبح شريكا لي في تقاسم الأرباح! (رياض يصمت وقد بدا عليه قلق, في حين يسترسل مردخاي) أنت تعمل لدى صاحب مطعم عربي أليس كذلك؟

 

رياض (متوجسا): الحاج طلال..

 

مردخاي (وقد لان وجهه): هو بذاته! كل ما عليك فعله هو جلب عقد ملكية المطعم, إنه يحتفظ به في درج مكتبه المعدني, وهو قابل للكسر!

 

رياض (بهلع): مستر مردخاي! ما الذي تقوله؟ تريدني أن أخون الرجل الذي أعمل عنده؟

 

مردخاي (بنبرة خشنة): هذه ليست خيانة بل صفقة, صفقة عمل عليك أن تفكر بها جيدا.. صفقة تخولك بأن تصير مديرا للمطعم يا رياض, مديره مرة واحدة! هل تتخيل مدى روعة ذلك؟

 

رياض (مزدريا لعابه): ليس بإمكاني الاستيلاء على مطعم الرجل بتلك البساطة, إن هذا..

 

مردخاي (ببرودة): أهلا بك في عالم الأعمال يا بني! أكنت تحسب أمريكا بلد الفرص لمن يأتي إليها كي يغسل الأطباق في دهاليز المطاعم؟ لا بد وأنك أحمق! لكن لا بأس, أنا هنا كي أرشدك..

أمريكا بلد اغتنام الفرص الكبرى, بلد الفرص الجريئة, وأنا أعددت لكل شيء عدته, لدي شهود وثبوتيات لن تكتمل إلا بورقة ملكية المطعم الأصلية.. إنها فرصتك يا بني لولوج عالم الأعمال من أقصر الطرق وأسهلها!

 

رياض (كمن يخاطب نفسه حالما): وأصير مديراً على المطعم؟

 

مردخاي (بدهاء): وتصير مديراً! (هكذا يصافحه رياض على ذلك لاشعوريا)

 

صوت (آت من خلف الكواليس): "ستوووووووووووووب!" (يظهر المخرج وقد لحق به شاب يرتدي نظارات سميكة ويمسك عددا من الأوراق يلوح بها كالمجنون)

 

المخرج (للشاب): لا يا كاتب السيناريو لا, لن أغير رأيي, الفن لا يغير رأيه أبدا!

 

الكاتب (بانفعال مهتاج): يا سيادة المخرج أرجوك بأن تفهمني, هذا السيناريو مبني على حكاية مردخاي وابنة أخيه استر, لكن في زماننا هذا! وأنت تريد إقصاء دور استر بجعلها مجرد راقصة تعر؟!

 

المخرج (بضجر واضح): هذا برأيي أهم من دور ممل تتكلم به, سيكون لرقصها أكبر دور بإنجاح الفيلم!

 

الكاتب (وهو يشد شعره): سينسفنا النقاد نسفا! ستحيل عملا كان ليغدو كلاسيكيا إلى فيلم عبث وقلة حياء!

 

المخرج (في شمم): لا حياء في الفن! قالت استر ومردخاي قال! أتريد خراب بيوتنا جميعا؟ الجميع يريد مشاهدة إسترك هذه تتلاعب بالجميع عن طريق جسمها لا عقلها!

 

الكاتب (منتحبا): أقسم أن أفعل أي شيء, لكن لا تدمر تحفتي أرجوك!

 

المخرج (بغطرسة وهو يستعد للمغادرة): بل هي تحفتي الآن, ولن أدع أحمقا مثلك يدفعنا إلى إشهار إفلاسنا باسم الإبداع! استعدوا لتصوير مشهد استر وهي ترقص في "الكاباريه"! (يبتعد وخلفه الكاتب محاولا بيأس إقناعه بالعدول عن تلك المصيبة)

 

رياض (يتكلم عبر هاتفه النقال): آلو؟ جاهزة يا حياتي؟ أنا في طريقي إليك (يدنو منه مردخاي على استحياء)

 

مردخاي (بنبرة حرج): أستاذ هاني, أرجو ألا أزعجك بمطلب صغير..

 

رياض (بانزعاج شديد): لا تقل لي مزيدا من الوقت! لن أعطيك مهلة أخرى يا رائف, وسداد ما اقترضته من مال أتوقعه اليوم قبل الغد..

 

مردخاي (يكاد أن يجهش بالبكاء): آخر هذا الشهر, أعدك ألا أطلب مهلة بعدها أبدا..

 

رياض (بغطرسة وتأفف): وهو كذلك, آخر هذا الشهر, وبعدها إما السداد أو الشرطة..

 

(هكذا يصافحه مردخاي على ذلك لاشعوريا!)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

       




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home