القلم الفكري

 

السعادة

رغداء زيدان



 

السعادة

رغداء زيدان

 

إلى ماذا تسعى أيها الإنسان؟

سؤال يسأله كل منا لنفسه دائماً وأبداً , ودائماً يكون الجواب مختلفاً على حسب هدف كل واحد منا في هذه الحياة. ولكن مهما اختلفت الإجابات فيمكننا أن نردها لكلمة واحدة هي السعادة .

كل واحد منا يسعى نحو السعادة, نريد تحقيق أحلامنا لنسعد, نريد الوصول لأهدافنا لنسعد. فالناس جميعاً ومهما اختلفت درجة ثقافتهم أو تباينت أوضاعهم المادية والإجتماعية فهم يطلبون السعادة.

لذلك فإن هدف كل إنسان في حياته يرسمه في مخيلته لأنه يعتقد أن في تحقيقه وصولاً للسعادة المنشودة, فمن ظن أن السعادة بالمال كان هدفه في حياته الغنى , ومن اعتقد أن السعادة بالعلم وضع هدفاً وهو أن يصل لأعلى درجات المعرفة, ومن ظن أن السعادة بغير ذلك من الوجوه وضع هدفاً مناسباً لاعتقاده من أجل تحقيق السعادة .

 

ما هي السعادة ؟

 

السعادة هي ذلك الشعور الغامر الذي يصيب الإنسان فيجعله يشعر بالرضى والطمأنينة. فلا قلق ولا خوف, ولا قهر ولا حرمان, ولا منغصات تكدّر على الإنسان. فالسعادة هي شعور داخلي نابع من نفس الإنسان, يظهر إثر شعوره بإشباع حاجاته , أو الوصول إلى أهدافه أو بعضها.

 

أركان السعادة :

 

في سورة "الضحى" في القرآن الكريم عرض لأركان السعادة, اقرأ الآيات وتمعن :

" وَالضُّحَى*وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى*مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى*وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى* وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى*أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى*وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى*وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى* فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ* وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ"

 

تظهر أركان السعادة برأيي في هذه السورة في قوله تعالى : "أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى*وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى*وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى" وهي كما نرى :

1 ـ الأسرة: التي تحقق للإنسان المأوى العاطفي والنفسي, الشعور أنه ينتمي لجماعة, وأن هناك من يسأل عنه ويعتني بأمره لا لمصلحة مادية أو غير مادية بل لشخصه هو.

فالأسرة هي ملجأ الإنسان, ومع أن الأسرة في معناها اللغوي ترجع إلى الأسر, والأَسْرُ هو القوة والحبس؛ فإن الأسرة هي حبس بمعنى التزام وانتماء لا ينفك عنه الإنسان, وكما جاء في لسان العرب فإن أُسْرَةُ الرجل هم عشيرته ورهطُه الأَدْنَوْنَ لأَنه يتقوى بهم. وبالتالي فالأسرة هي التي تحقق الأمان والطمأنينة للإنسان.

 

 2 ـ الهدى: أو الإيمان واليقين, الإيمان بدين أو مبدأ, هذا الإيمان الذي يُشعر المرء بالهدوء النفسي, وينفي عنه الشعور بالضياع.

إن البحث عن سرّ الوجود وغايته, ومآل الإنسان بعد موته, والسؤال الدائم عن الخالق والخلق, كلها أمور لا يستطيع كائن تجاهلها, فإذا لم يصل لإجابة تقنعه وتريح نفسه فإن سيشعر بالضياع والخوف وعدم الطأنينة, بينما ايمانه بعقيدة تعطيه الإجابات التي يأنس إليها, وتريح نفسه المضطربة يحقق له السعادة المتمثلة بالهدوء النفسي, ويكون منطلقاً لسعيه الدائم في هذه الحياة.

وفي عقيدة الإسلام ما يحقق هذا الهدوء, فالمؤمن يعرف مَنْ ربّه, ولما خلقه, وأين مصيره, وماذا يطلب منه, وهذه المعرفة برأيي تريح النفس, وتحقق الطمأنينة التي يفتقدها من لم يؤمن.

 

3 ـ الإكتفاء الذاتي: والمقصود به هو الإكتفاء من الناحية المادية, بمعنى عدم الحاجة للناس, وعدم شعور المرء بعجزه عن تلبية متطلاباته ومتطلبات من يعيلهم, وذلك عن طريق وجود دخل مادي يأتي عن طريق العمل الذي يؤمّن متطلبات الإنسان وحاجاته .

هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى الإكتفاء المعنوي والعاطفي والذي يتحقق بوجود إشباع عاطفي يؤمّنه وجود من نأنس إليهم من أصدقاء ومعارف, وأيضاً ما يحققه الزواج من ألفة ومودة بين الزوجين, وتلبية لحاجة الرجل والمرأة لبعضهما.

 

هذه العناصر الثلاثة هي برأيي أركان السعادة ولكنها تبقى متعطلة وغير فاعلة ما لم تكتمل بالفاعلية. والمقصود بالفاعلية هو عمل الفرد, كونه فاعلاً عاملاً مساهماً في خدمة أسرته ومجتمعه وغيره من الأفراد, وهو ما جاء في قوله تعالى:  "فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ* وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ"

فالذي يسعى للإستقرار الأسري لنفسه يجب عليه أن يساهم في تأمنيه لغيره من الناس, فيكون هو نفسه ملجأ ومأوى لمن يحتاجه, يقف إلى جانبه, يساعده, ويعطف عليه.

للأسف نحن في مجتمعاتنا نطلب حقوقاً دون أن نقوم بالواجبات, السعادة الحقيقية لا تتحقق إلا بتكامل العنصرين معاً: إشباع الحقوق, والفاعلية التي تكون عن طريق أداء الواجبات.

وقيمة الإنسان الحقيقة ليست بما حصل عليه من حقوق فقط بل هي لا تكتمل إلا بأدائه لواجباته, بفاعليته, وعمله وتأثيره.

 

انظر إلى قوله تعالى : " فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ* وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ"

كم تحوي هذه العبارات المختصرة من معانٍ كبيرة:

فإذا نظرنا لكلمة اليتيم بمعناها اللغوي العام الذي لا يقتصر فقط على من فقد أباه, لوجدنا أن اليتم يعني الإنفراد, والإنفراد يعني الشعور بالوحدة والإنقطاع, وأمر الله للمؤمن بأن لا يقهر اليتيم أي لا يغلبه ولا يأخذه من فوق, أي لا يتكبر عليه فيجد لنفسه فضلاً ليس لغيره ـ إذا اعتمدنا المعنى اللغوي لكلمة قهر ـ وهذا برأيي يعني تماماً ما نسميه التكافل الإجتماعي أو الأخوّة الإسلامية, حيث يساهم أفراد المجتمع في مساعدة بعضهم وتكوين أسرة إسلامية متكاملة على امتداد المجتمع المسلم.

فالمسلم مطالب بالإحساس بمشاكل أخيه المسلم ومحاولة حلها أو التخفيف منها, ومطالب أيضاً بعدم الإعتداء على أخيه المسلم بأي شكل من أشكال الإعتداء, سواء كان الإعتداء مادياً أو معنوياً, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنها بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة".

والحديث كما نرى يبين أن المسلم لا يظلم مسلماً ولا يغدر به ولا يخونه ولكنه يكون عوناً له يقضي حاجته ويفرّج كربته ويستر عيبه.

والمسلم محاسب أمام الله إن هو قصّر عن مساعدة أخيه وعونه, قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس: "ليس بمؤمنٍ من بات شبعان ريان وجاره جائعٌ طاوٍ".

ولكننا للأسف نسينا هذه التوجيهات, وصار حبّ الذات, وكنز المال, والبخل حتى بالكلمة الطيبة, هي الأخلاق المنتشرة بين معظم الناس إلا من رحم الله.

 

ومن الفاعلية التي تحقق السعادة للفرد أن يدرب نفسه على تحمل الناس, أو التكيف مع الآخرين, بمعنى حسن الإندماج بالمجتمع, وحسن التعامل مع أفراده.

وهذا يحتم على الفرد المسلم التحلي بفضائل وأخلاق نجد كثيراً من الناس تبتعد عنها أو لا تجاهد نفسها لتستطيع الإلتزام بها.

ولعل أهم هذه الأخلاق هي خلق التسامح, تفهّم الآخر, تقبّل الرأي المخالف, التماس العذر للآخرين, معاملة الناس كما نحب أن يعاملونا, عدم الإصرار على الخطأ, وعدم الخجل من الإقرار به, والأهم من كل ما سبق هو الخضوع للحق بعد أن يتبين لنا.

إن هذه الأخلاق يكتسبها الإنسان من خلال ايمانه, ومن خلال تدريب نفسه عليها, ومن غير هذه الأخلاق سيجد نفسه في غربة عن مجتمعه, وسوف يجد صعوبة كبيرة في التكيف مع هذا المجتمع, وهو ما نراه بصورة واضحة للأسف في مجتمعاتنا, فسوء الظن هو السائد, والإنتقام للنفس والإنتصار لها هو البطولة, وعدم التسامح والإصرار على الخطأ وعدم التراجع عنه هو الكرامة, وعدم التجاوز عن سيئات الآخرين وأخطائهم هو الحرص والذكاء ـ لأن من يسامح ويغفر هو الطيب بمعنى الغبي والساذج ـ .

فالبخل ـ ولا أقصد به البخل المادي فقط ـ هو السائد بين الناس, مما يجعل المرء يشعر بالحزن والقلق, وهذا يبعد السعادة عن مناله, ويجعلها حلماً يصعب تحقيقه.

 

إن ما يبعث السعادة في النفس هو الرضى بما حصلنا عليه, هذا الرضى ليس له أساس واحد بل هو نسبي يختلف باختلاف الزمان والمكان والحالات, والإنسان الذي يشعر بالرضى هو الإنسان السعيد.

أما كيف نشعر بالرضى, فهذا أمر له علاقة بقناعتي بما حصلت عليه أو وصلت إليه, لذلك كان تذكر نعم الله علينا هو وسيلة هامة للشعور بالرضى. يقول تعالى: "فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) (طـه:130).

أنا كفرد في مجتمع فيه الغني والفقير, الضعيف والقوي, العالم والجاهل, صاحب العمل والعاطل عنه, ربّ الأسرة والوحيد, ......إلخ , على اختلاف ونسبية هذه الصفات, سأشعر بالرضى عندما أتذكر نعم الله علي, ولن يتحقق الرضى بمقارنة ما عندي بما عند غيري, لأن الإنسان غالباً ينظر إلى من يملك ما لا يملك وينسى أن الله أعطاه نعماً ربما لا توجد عند من ينظر إليه ويتمنى ما عنده, لذلك فإن التحدث بالنعم, تذكّرها دائماً سيبعث في نفس الإنسان الرضى الباعث للسعادة.

 

بقي هناك نقطة أساسية في موضوعنا, وهي أن الإسلام جاء لسعادة الدارين, فالمؤمن له سعادة الدنيا وسعادة الآخرة, بل إنه حقيقة يسعى لسعادة الآخرة عن طريق سعيه في الدنيا, ومن نعم الله عليه أن جعل سعيه الحق للآخرة ضامناً لسعادته في الدنيا.

 

 

 

 

 

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home