القلم السياسي

 

الأسرى رسالتنا الأخيرة... أدركوها قبل أن تحترق

نهاد عبد الاله خنفر



 

الأسرى رسالتنا الأخيرة... أدركوها قبل أن تحترق

 نهاد عبد الاله خنفر

 

إلى من يقرأ أو لا يقرأ، إلى من يصدق أو لا يصدق... إلى من أُسِر أو لم يُأسَرْ، إلى بحر فلسطيني لا زالت أمواجه المرتفعة تتسلق جدران قلبي... إلى عشرات أو مئات أو آلاف أو أكثر منهم، من أولئك الذين زاملتهم في الأسر فتركتهم خلفي، ولكنهم تمترسوا كالقلعة الحصينة خلف جدران القلب الذي يتقلب مع آهاتهم ويشتعل شمعة مع دموعهم الصامتة المقهورة، ويهتز لأوجاعهم، ويختفي خلف أستارهم المتعطشة للنور وللشمس وللقمر المتكسر على أجنحة العصافير الصغيرة التي لا تنقل إلا الرسائل القصيرة التي لا تفهم في معظم الأحيان، ذلك المكسور ما بين من أتخيلهم يرسمون الأحلام، يرسمون اللوحات، يرمقون غدهم التائه بلا ملل، ولكن مع كثير أو قليل من الحسرات، قد تقل، وقد تزيد، قد تكبر فيها الأماني، وفجأة قد تصغر حتى لا ترى، هذا ما يراه الأسرى منذ يوم أو شهر أو سنة أو حتى أكثر من عشرين عاما، لا إنه قد يزيد، أليس يومهم بيومين, وسنتهم بسنتين، وعقدهم بعقدين، وكله قابل للمضاعفة الحسية والعملية دونما حسيب أو رقيب، حتى وإن كانت على شكل روزنامات يستطيع كثير من المعتقلين أن يسجلوا الابداعات في تصميمها، حتى تلك، فقد اصبحت بالنسبة إليهم موضة قديمة، موضة بالية. ومن لم يعرف فإنهم يحلمون بالكابوس الأبدي النازف من أدمغتهم لأكثر من خمسة وعشرين ولربما يزيدون.

بات الأمل مقهوراً لا يتنفس إلا زنزانة ميتة قتلت حيوية الأجساد وتلاشت منها تواريخ الميلاد، وسقطت في شراكها خيالات الكلمات وأشباحها المتشحة بالسواد بعد أن تحترق مصابيح النور المعلقة في سقف يدنو من رؤوس عافت النور لوطأته وحمأته وأثقاله... فأصبح النور كَرْها... كَرْها لأنه يمثل جهنم المشتعلة ببطء، وكَرْها لأن انطفاءه يعني مزيداً من الظلام خلف أبواب الظلام وردهات الظلمات التي ابتأست وصرخت، وأوسعت قلوب الأمهات صيحات ممزقة بين قلب واسع صاف من عويل أو أنين، أو ترنح من وقع الآلام التي تطل برأسها مع كل نية للبحث عن فسحة من أمل.  لا أعرف إن كان الأسرى الفلسطينيون قد إحتكموا إلى إبداعات جديدة في تصميم غدهم الواعد بالأمل أم لا، ولكن أقول أن الأمل كالإنسان، يحبو ثم يمشي بطيئاً، ثم يشتد عوده منتصباً قائماً، ثم يشيخ ويجثو وقد ينحني، حتى الآن، لا أعرف إلى أين وصل الأمل بأسرانا؟ أبحث عمن يجعله منتصباً قائماً، حتى الآن لم أجد، ولكن لا زلت في محطة الإنتظار. فأذكِّر أن قطار غزة في طريقه إلى بداية الرحلة، فهل سيكون لقطار الأسرى محطة أخيرة قد تقودهم إلى غزة( شبه المحررة) .؟

في مرات ومرات تردني رسائل سجينة وتقول بالحرف هل نسيتمونا؟ هل حولتمونا إلى أرقام هامشية لا تستحق عناء القسمة أو الضرب أو الجمع؟ أم أن المعادلة أضحت لا تستحق إلا الطرح فقط. أحتار في الإجابة. أهرب بعيداً عن صياغة الردود، أفقد التركيز مباشرة، فأصبح متردداً بين من أتهم فالمتهمون كثيرون، هل أتهم نفسي وليس بيدي حيلة أو وسيلة؟ أم أتهم وزارة أم سلطة؟ أم أتهم التاريخ؟ أم أنهم الأسرى لأنهم لم يحسبوها جيدا أو بدأوا يندمون؟ هل أتهم الحياة بتفاصيلها البائسة التي ظلمتها قسوة الأيام؟ حتى الآن لا أعرف، في إجمالي الحال، الكل عندي متهم بعد الاحتلال طبعاً، المجتمع الدولي أولاً, المجتمع الفلسطيني الذي بدأت أشعر بذاكرته القصيرة، السلطة والمسؤولون، المجتمع الأهلي أو المحلي، ولكن في النهاية ما فائدة الاتهام إن بقي قفص الاتهام مزدحما؟ هل ألخص الأسرى في مرضاهم، أم في أحلامهم ومن مقاعد دراستهم ومن جرعات طفولتهم الحانية؟ أم الخصها بالمعزولين؟ بمن؟ أيضا لا أعرف. بل إنني أصبحت أعرف شيئاً واحداً هو، أن القلم بدأ يخجل، بدأ يرتجف أمام نفسه كلما وقف على المرآة، فالصورة التي يعكسها عن نفسه باتت غاية في البشاعة، فهو يصور الأحلام ويجد أن لا شيء منها وقد تحقق، قمة البشاعة، أو قولوا أكثر.

سبق وأن كتبت عن الأسرى في غير مرة، وسبق أن عملت في هذا المجال متطوعاً في أكثر من مرة، وسبق أن بدأت مقالتي بشمعة قد تنطفئ خلف جدران الزنازين القاهرة المعزولة، وسألت ماذا يريدون وإلى ماذا يحتكمون إذا أبقوا علىعزل المعتقل فهد محمود بني عودة، ذلك المصاب الذي لا زال في العزل الانفرادي بعد سنتين من الإعتقال، لا علاج لارحمة لا شفقة لا محام ليزور، وإن زار لا ينفع، وإن نفع فلا يفعل، وإن فعل فمن يسمع؟ وتحركت حتى وجدت ذلك المعتقل يتيه بين من ظلمه باعتقاله ومن ربطته معهم صداقة أو ألفة، وقد عذرته لأنه كما يقولون: أعان الله الناس على ما هم فيه، هذا يقال للناس العاديين المرفهين، فما بالنا بالاسرى المقموعين القابعين خلف شيء لا يعلم حساسيته وتعقيداته إلا هم، ليس غيرهم، حتى من كان معهم وامضى الى جانبهم ما أمضى.

تجولت فوصلت إلى تخوم ذاكرتي المليئة والمتخمة بعشرات أو مئات من القصص التي تصلح كسيناريوهات تراجيدية قد تحصد عدداً من جوائز الاوسكار على اختلاف أدوارها ومراحلها والمساهمين فيها، فوجدت ذلك المعتقل الذي مضى على اعتقاله الأخير أكثر من سنوات أربع، إدارياً تارة ومحكوماً تارة، أو منفياً في زاوية الاعتقال الاداري تارة أخرى، هو المعتقل الذي يعيش الآن على الفيتامينات التي لا أعلم فاعليتها في إيقافه على قدميه، لان الطعام لا يصمد في معدته سوى دقائق معدودة، يتحدى القدرة الانسانية، فيخلط نفسه بالدم ويهرول إلى القمامة رافضاً بشكل قاطع أن يفتح أي بقعة تبشر باستقرار معوي أو غذائي كأقل البشر شأناً، فيصبح بذلك تقريباً السجين الوحيد الذي يعيش على حبات الدواء التي تساعده على الكلام أو النوم المسروق والمخطوف من الهامش الضيق أو الاحلام الصغيرة، رمزي فياض، لم يكن بالطبع أحد الذين قصفوا دبابة اسرائيلية أو قتل مستوطناً أو حتى جرح مشاعر أحد الجنود الذين اشتكوه إلى الدولة فأمعنت في استيفاء حق جنودها فاثخنت في جسده العقاب تلو العقاب، لم يجدوا لديه شيئاً من تهمة، فاتهموه بالانسانية وطول النفس في حلحلة بعض الأزمات العاثرة خارج أسوار الاعتقال، مهمة لو كنت مكانهم لاحترمته وقدرته ونفحت فيه من نفحات التشجيع وقلت له أكمل فأنت خير من غيرك، ولكن هل سينتبه أحدهم إلى ضوء شمعته قبل أن ينطفيء ورسالة قد تحترق أمامنا، وحروف ستختفي على عيوننا دون أن نفعل شيئا؟ ليس شيئا أمنيا ولا عسكريا؟ ولكن طبيا أو إنسانيا؟؟؟

رائد القادري أقدم معتقل إداري في سجون الاحتلال، بعد خمس سنوات من الاعتقال، ثم الافراج، ثم الزاوج المنقوص عمراً وعشرة والمنذر باعتقال جديد، لكن هذه المرة كانت رسالة الاعتقال أكثر رعباً، أكثر تدميراً، أكثر حرقة، اعتقال بلغ حتى الآن حوالي الخمس سنوات في اعتقال إداري غير مفهوم، غير مبرر، غير مترجم، ولكن حتى يتحول رائد إلى إنسان ليس كأي إنسان، يجب أن يعتاد حياة الاحتراق دون نار، لأنه شمعة ستذوب في حر النقب القائظ المشتعل، الذي مضى على وجوده فيه أكثر من ثلاث ونصف من السنوات المهلكة التي لا أعرف حتى الآن، أأهلكته أم أهلكها؟ أملي أن يهلكها لينقل رسالته العازمة إلى محمد أبو عرة الذي مضى عليه سنين إدارية أربعة أو يزيد، ذلك المعتقل الذي يشبه الانسان في صورة الجسد المتحرك الذي لا ترى منه إلا الإبتسامة، في الحقيقة كنت دوماً أشعر أنها ابتسامة شامتة، لكن مم ؟؟ لا أعلم، لا أستطيع إلا أن أخمن وأحتسب، وأقول: ابتسامة تخفي القهر والأرق، وفوق كل ذلك جسداً ممزقاً بالرصاص الذي يحق لكل واحد من المهتمين أن يتوقع أنها رصاصات ثقبت كل جزء في لحمه برصاصة إلى عشرة، في الكبد والأمعاء والرئة، والمثانة وغيرها، أريد أن اذكر أنه يحصل على هدية نصف سنوية وبشكل اعتيادي، هذه الهدية هي التمديد تلو التمديد، ولأزيد من الشعر بيتاً، في الغالب فإنه يعيش على وقع النوبات التي تسحق أي خيال ضيق بأمل قريب وكأنهم يريدون القول له: أنضج على نار هادئة ستحرق كل شيء فيك، وفي كنه ضمائرك الحية وضمائرك التي تخلو من أي تشويه، ولتكن زهرة ذابلة أو ربما رسالة تحترق، ومن الاحتراق إلى ألسنة اللهب الاعتقالية والادارية التي تمتد وتسعى كما الأفعى الصحراوية، تتسلل فتدخل في تجاويف عينين مبصرتين للمعتقل نضال منصور الذي ناهز الخامسة والثلاثين شهراً في الاعتقال الاداري الأخرق، فتلتهم الأفعى السامة إحدى عينيه وتحولها إلى حجرة مزنزنة مظلمة، تزيد إلى ظلمة السجن ظلاماً متجدداً، ولكن هذه المرة دائماً وأبدياً، صحيح أنني لم أسأم ممن أكتب عنهم، ولكنني أشعر أنني في حجرة ضيقة ومزدحمة من الأفكار والمعلومات التي تتناول العذاب الدائم الذي يعيشه اسرانا، فلا أعرف بمن ابدأ دائماً، بهذا أو بذاك، ولا أعرف إن كنت محقاً في أن أكتب عن أحدهم أم لا، فنضال هذا يخيم ظل الخيمة النقبية على عينه الأخرى ويقول: قرأت نصف الرسالة بعيني قبل أن ينطفئ منها نور الابصار، فهل من أحد يدرك النصف الآخر قبل أن تحترق؟؟

ثلاث أو أربع حالات وأعرف مثلها عشرات ومئات، أعرف تفاصيل التراجيديا الاعتقالية كغيري، أعيد قراءة الرسالة، أكررها، أقلب سطورها، أفند حروفها، أتحقق من كلماتها، أصنع تعبيراتها من جديد، وأسأل: فهد محمود بني عودة، رمزي فياض، رائد قادري، محمد أبو عرة، ونضال منصور... هل هم السطور أو الأحرف الأولى من رسالة طويلة " أطول رسالة في التاريخ " قد تصلح لكتاب جينيس للأرقام القياسية، أم أنهم الجزء المحترق الذي تحول أو كاد إلى رماد كسعيد العتبة وسمير القنطار والقائد مروان البرغوثي وحسام خضر، هؤلاء المحظوظون بقدرتهم على تشكيل النفس فينيقياً وأسطورياً، ويصنعون الحياة من ركام أو رماد أو موت. أنا اقول: أنهم ليسوا إلا رسائلنا الأولى، ورسائلنا الأخيرة، علينا أن ندركها قبل أن تحترق.

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home