القلم النقدي

 

الاستلاب والعودة إلى الهوية في" قنديل أم هاشم"

محمد شاويش



 

الاستلاب والعودة إلى الهوية في" قنديل أم هاشم"

  محمد شاويش

1-تمهيد:

من بين الأعمال القصصية والروائية العربية العديدة التي تناولت موضوع العلاقة بين "المجتمع التقليدي" العربي والحداثة الوافدة تستوقفنا قصة يحيى حقي "قنديل أم هاشم ، إذ بدا لي أن حقي في هذه الرواية تنبه لجوانب عميقة في الموضوع لم يتنبه لها أغلب الكتاب الآخرون الذين كتبوا فيه.

وكل الذين مروا مثلي  بمقرر الشهادة الثانوية في سوريا يعرفون المقطع الذي يعود فيه ابن الأسرة إسماعيل من أوروبا  حيث درس طب العيون فيجد أمه تقطر في عين ابنة عمه الرمداء زيتا مباركا من قنديل مقام السيدة زينب فينظر: "وفحص عينيها فوجد رمدا قد أتلف الجفنين وأضر بالمقلة فلو وجد العلاج المهدئ المسكن لتماثلت للشفاء، ولكنها تسوء بالزيت الحار الكاوي .

فصرخ في أمه بصوت يكاد يمزق حلقه:- حرام عليك الأذية . حرام عليك. أنت مؤمنة تصلين ، فكيف تقبلين أمثال هذه الخرافات والأوهام؟".

هذا المقطع استشهد به في مقرر" الأدب العربي الحديث" وهو في سياق النقد الاجتماعي للخرافات والتخلف الذي قام به الأدباء ، والشخص الذي استشهد بهذا الصدام بين الطبيب وأمه يبدو أنه لم يكمل الرواية إلى أخرها وتركها  مع طلاب الشهادة الثانوية لاعنا مع إسماعيل هذا الجهل والتخلف، ولعل أجيالاً من الطلاب كرروا قول إسماعيل الذي جاء بعد هذا المقطع ، مع أن المقرر لم يستشهد به:" أنا لا أعرف أم هاشم ولا أم عفريت" أي أن معلومات معد المقرر والطلاب عن المرحلة التي وصل إليها تطور وعي البطل ، أو" تطور جدل التقليد والحداثة" في هذه الحالة العيانية من الوعي (كما قد يقول الفلاسفة) توقفت عند مرحلة النفي المطلق للتقليد ولن يكون ثمة مانع عند هذا المعد (أو عند الطالب النجيب النموذجي الواعي) أن يذهب إلى القنديل ويكسره إن استطاع معرضاً نفسه إلي خطر القتل على أيدي" الجماهير الجاهلة".

ولو أن هذه المرحلة كانت فعلاً نهاية المطاف  في مسار تغير وعي البطل لأرحنا أنفسنا والقارئ إذ أن هجاء المجتمع التقليدي و"أساطيره وأوهامه" عمل معتاد مكرر لا داعي للانتباه إليه ولهدر الوقت في الحديث عنه . ميزة قصة حقي هذه أن الأمر لم يكن كذلك كما سوف نرى بعد قليل.

كتاب كثيرون تناولوا موضوع الهجرة إلى الغرب وانعكاس القيم الغربية التي تعرف عليها البطل المهاجر على بنيته العقلية والنفسية نذكر من هؤلاء توفيق الحكيم بسطحيته التي هي السمة الفكرية الغالبة عليه وبانبهاره غير المحدود بالمجتمع الفرنسي (مثلا كتبه"زهرة العمر"، "سجن العمر"، "مصر بين عهدين"، وغيرها  لا تختلف منذ أن كلف الآثاري الفرنسي في "عودة الروح"  بالدفاع عن الفلاح المصري) ونذكر أيضا الطيب صالح بعصابيته ومبالغاته الفاقعة في "موسم الهجرة إلى الشمال".ويلفت انتباهنا أن هؤلاء الكتاب لم يهتموا "بالقصة الكاملة" (كما قد ندعوها) لهذه المغامرة الكبرى لأبطالهم، فهم يذكرون ما جرى للبطل في أوروبا، لكنهم لا يذكرون ما جرى له بعد ذلك ، ولا ما قد يكون جرى له قبل ذلك من الممهدات للصدام الكبير مع هذا الآخر، وبطل الطيب صالح مثلاً لم نجد له لا سابقاً على مرحلة الهجرة ولا لاحقاً أي بعد عودته أية علاقة مع مجتمعه تذكر، بل تبقى التجربة مع الغرب سراً مخفياً لا يكشف عنه إلا في مذكرات يقرؤها الراوي بعد موته.

في قصة حقي نقرأ "القصة كاملة". فهو يخبرنا عن طبيعة علاقة البطل بالهوية (الممثلة بأهله وسكان حيه) قبل الهجرة وبعدها. وفي هذا المقال أنوي قراءة هذه القصة مع القارئ و تحليلها مذكراً بملاحظة مهمة: إني حين أقرأ رواية ما أحاول أن لا أقع في فخ معتاد يقع فيه النقاد وهو تصديق الكاتب في كل شيء فهم لا ينفكون يستخلصون عبراً من الأحداث الصغيرة والكبيرة وكأنهم يصدقونها جميعا! أما أنا فأحاول أن لا أغفل عما يبدو لي صادقاً و عما يبدو غير صادق في رواية الكتاب للأحداث، و هذا "كما أرى" هو الأسلوب الوحيد الذي يقودنا إلى منهج القراءة التأويلية غير المضللة (بفتح اللام الأولى و تشديدها) وهو المنهج الوحيد المناسب للذين يقرؤون الأدب كشهادة على الواقع الاجتماعي والفكري والنفسي الموصوف فيه.

جميع الاستشهادات من"قنديل أم هاشم" مأخوذة من: يحيى حقي، قنديل أم هاشم، دار المعارف، القاهرة، سلسلة اقرأ-18، الطبعة السابعة، 1994.

2-الرؤية العامة للقصة: من الأصل إلى التأصيل:

القصة في رأيي تشبه قطعة موسيقية ثلاثية البنية (قل مثلا:"سماعي"!) سأسميها على التوالي وفقاً للزمن: الأصل، الانخلاع، العودة إلى الأصل. و لو كنت مغرماً باستعارة مفردات الفلسفة الأوروبية "لأتحفت" القراء بمصطلحات الثلاثية الهيغلية الشهيرة ولكنني سأريح القراء من هذه البهلوانيات المفعمة بعقدة النقص السائدة في الثقافة العربية.

أ-الأصل:

البطل، إسماعيل، وهو عم الراوي، فرع من شجرة لها جذور ممتدة، أما الشجرة فهي العائلة، وأما الجذور فهي المجتمع. هو في وقت واحد ابن الأسرة التي جاورت السيدة وفتحت متجراً "بورك لجدي فيه- وهذا من كرامات أم هاشم"، وهو ابن ميدان السيدة وناسه: بائع للفول أو الحلويات أو غيرهما، "طرشجي " وخراط وبائع دقة أعمى لا يبيعك إلا إذا بدأته السلام وأقرأك وراءه الصيغة الشرعية للبيع والشراء وقهاو وحشاشين وشحاذين رجال ونساء وأطفال. وكل هؤلاء لهم مركز روحي يدورون حوله يحيهم ويشفيهم وينظم حركتهم: مقام السيدة زينب المضاء بقنديله. وعلاقة البطل بالجماهير تصفها القصة هكذا:"هو خبير بكل ركن وشبر وحجر، لا يفاجئه نداء بائع، ولا ينبههم عليه مكانه. تلفه الجموع فيلتف معها كقطرة المطر يلقمها المحيط. صور متكررة متشابهة اعتادها فلا تجد في روحه أقل مجاوبة. لا يتطلع ولا يمل، لا يعرف الرضا ولا الغضب، إنه ليس منفصلاً عن الجمع حتى تتبينه عينه" والقصة تستطرد هنا استطراداً ذا دلالة تحليلية مهمة:"من يقول له إن كل ما يسمعه ولا يفطن له من الأصوات ، وكل ما تقع عليه عينه ولا يراه من الأشباح لها كلها مقدرة عجيبة على التسلل إلى القلب والنفوذ إليه خفية ، والاستقرار فيه، والرسوب في أعماقه، فتصبح في يوم قوامه. أما الآن فلا تمتاز نظرته بأية حياة …نظرة سليمة كل عملها أن تبصر"- ص4

هذه الهوية منغرسة انغراساً طبيعياً مثل اللغة الأم. إن البطل في هذه المرحلة لا يكتشف المجموعة التي هو منها، لا يكتشف مكوناتها ولا يميزها، بل نستطيع أن نقول: إنه لا يكتشف حتى مجرد وجودها – بمعنى الإدراك الواعي – تماماً كما لا يحلل الإنسان مقومات لغته الأم، بل لا يكاد يكون "مكتشفا"-بالمعنى الذي ذكرناه للتو- لوجود هذه المقومات. هذه الهوية منسجمة مع نفسها، لا أزمة فيها بعد. وهذا التصوير نراه صادقاً (وقد قلت أنني لا أصدق كل ما قد يقوله مؤلفوا القصص أو الروايات غير أنني إن لم أذكر في هذا النص أنني أشك في الصدق فهذا يعني الموافقة الإجمالية على صدق المعلومات في هذا الموضع المعني).

وهو جزء من عائلة "عاشت في ركاب الست وفي حماها: أعياد الست أعيادنا، ومواسمها مواسمنا، ومؤذن المسجد ساعتنا "- ص6.

وابنة عمه فاطمة النبوية فتاة بسيطة لا تتميز عن الأم والأب في شيء، ونظرتها إلى إسماعيل هي نظرة الأبوين عينها، والوعد القديم بتزويجها من إسماعيل صورة من صور استمرار إسماعيل جزءاً من هذه الأسرة بلا انشقاق (أو انخلاع) أو قل: إنه رمز وتأكيد لهذا الاستمرار .

ب-الانخلاع:

منذ أن دخل إسماعيل "المدرسة الأميرية" (وليس الأزهر) وتفوق فيها بدأت تظهر التمهيدات الأولية  لحدث الانخلاع. والمسؤول عن هذه التمهيدات كان الأسرة نفسها غير أننا لا يفوتنا أن نذكر هنا نقطة الانقلاب الاجتماعي  الهامة التي يمثلها احتقار المؤسسة العلمية الأهلية التقليدية: الأزهر(ممثلاً في ملاحقة صبية الميدان للفتيان المعممين بهتافات احتقارية).

ونجابته في مدرسة"الأفندية" هذه جعلت أسرته تعلق آمالها به وتعامله معاملة خاصة تمييزية:" أصبح وهو لم يزل صبياً لا ينادى إلا بـ (سي إسماعيل) أو إسماعيل أفندي، ولا يعامل إلا معاملة الرجال. له أطيب ما في الطعام والفاكهة. إذا جلس للمذاكرة خفت صوت الأب، وهو يتلو أوراده، إلى همس يكاد يكون ذوب حنان مرتعش، ومشت الأم على أطراف أصابعها، وحتى فاطمة النبوية- بنت عمه، اليتيمة أباً وأماً- تعلمت كيف تكف عن ثرثرتها وتسكن أمامه في جلستها صامتة كأنها أمة وهو سيدها، تعودت أن تسهر معه كأن الدرس درسها (…)- قومي نامي يا فاطمة- لسه بدري ما جاليش نوم. بين حين وآخر تحيل دمعة مترقرقة شخصه إلى شبح مبهم. فتمسحها بطرف كمها وتعود إلى تطلعها. الحكمة عندها تتمثل في كلامه إذا نطق "- ص8

هذا الإخلاص المؤثر في القلب لم يؤثر على ما يبدو في قلب إسماعيل وعلى العكس:"وكلما كبر في عينها انكمشت أمامه وتضاءلت"- ص8

والراوي يخبرنا أن الأب حين وافق على سفر ابنه إلى أوروبا على ما في ذلك من إرهاق مادي له إنما كان مدفوعاً بدوافع طبيعية وليست استلابية "بلاد بره! ينطق بها الأب كأنها إحسان من كافر لا مفر من قبوله، لا عن ذلة، بل للتزود بنفس السلاح."- ص20

وهو يوصي ابنه بالمحافظة على دينه وفرائضه وحيث أن النساء موضوع لابد من طرحه فهو يقول:"وإياك أن تغرك نساء أوروبا فهن لسن لك و أنت لست لهن.."- ص21

و للتأكيد على أهمية موضوع النساء في تقرير بقاء الهوية أو زوالها يصر الشيخ على أن يقرأ ابنه الفاتحة معه إعلاناً رسمياً لخطبته على ابنة عمه.

موقف الأب هذا هل هو واقعي حقاً لم يخترعه الكاتب بلا منطق يفرضه الوضع الاجتماعي الموصوف!

أقول: نعم. فهذه الشريحة الاجتماعية كانت لم تحتك بأوروبا (خلافا لبعض الشرائح المصرية العميلة التي كان الالتحاق بأوروبا- انكلترا تحديداً- أقصى ما تتمناه).

اختار الكاتب أن يجعل البطل يودع ميدان السيدة قبل أن يسافر ليجعلنا نرى بحركة مرتبة مسبقاً الفتاة المسكينة نعيمة تنذر للسيدة زينب خمسين شمعة إذا تمكنت أن تعود إلى الحياة الشريفة، وسنرى في الوقت الذي يناسب المخطط أن هذه الفتاة يتوب الله عليها وتفي بنذرها. والمشهد مصطنع بلا شك، والكاتب (خلافاً لعادته في الحقيقة) يجعل الفتاة تنطق بلغة غير لغتها الممكنة.

تصف الرواية مجريات الانخلاع عن الهوية في انكلترا، وقد قامت بدور رئيسي في تحقيق هذا الانخلاع ماري زميلته في الدراسة، وسنذكر في البداية تلخيص الراوي للانقلاب الذي جلبته انكلترا لحياة البطل:"سبع سنوات قضاها في انكلترا قلبت حياته رأساً على عقب. كان عفا فغوى، صاحياً فسكر، راقص الفتيات وفسق.هذا الهبوط يكافئه صعود لا يقل عنه جدة وطرافة، تعلم كيف يتذوق جمال الطبيعة، ويتمتع بغروب الشمس- كأن لم يكن في وطنه غروب لا يقل جمالاً- و يلتذ بلسعة برد الشمال"- ص28-29.

باختصار، في جدول الخسائر والأرباح هذا، هبط من حيث الأخلاق الإسلامية المتعارف عليها عند أهله، وصعد في ماذا..؟ في تذوق جمال الطبيعة!. تمتع بغروب الشمس والتذ بالبرد (وهذه اللذة خاصة به إذ أن أهل أوروبا يلتذون على العكس بدفء الشمس كما هو معلوم). و الجملة المعترضة "كأن لم.." تستوقفنا قليلا: أهي احتجاج من الراوي، ومن ورائه الكاتب؟ أم هي نقد ذاتي لاحق وجهه البطل لنفسه؟

"ماري" فتحت له آفاقاً يجهلها من الجمال: في الفن، في الموسيقى، في الطبيعة، بل في الروح الإنسانية أيضا. فضت براءته العذراء ونفضت نمطه السلوكي نفضا يعبر عنه أحد الاثنين: إما الراوي وإما البطل فالمقطع يحتمل كونه سرداً للراوي أو"مونولوجاً داخلياً" للبطل، كما يقال: "أخرجته من الوخم والخمول إلى النشاط والوثوق"- ص29.

وتكفي هذه التعابير المتقابلة: وخم، خمول- نشاط، وثوق لنرى كيف حكمت الذات على نفسها، فالشخصية الأصلية "وخمة خاملة" والشخصية الجديدة البديلة المتناسبة مع معيار ماري الإنكليزي نشيطة واثقة.

أين كان "الوخم والخمول" يتجليان؟ على رأي ماري أو البطل تجلياً عنده في الإستناد إلى هدف وبرنامج ثابت وفي التمسك بشيء "خارج نفسه": الدين والعبادة والتربية، أما "النشاط والوثوق" فيتجليان في رفض الدين و"العواطف الشرقية غير العملية وغير المنتجة"، وفي انعدام الاندماج بالناس وفي الانفصال عن الجموع ومواجهتها، وكانت النتيجة بعد أزمة روحية سببت له المرض أن "شفي" على يد ماري وخرج من الأزمة "بنفس جديدة مستقرة، ثابتة واثقة. إن اطرحت الاعتقاد في الدين، فإنها استبدلت إيماناً (كذا في الأصل) أشد وأقوى بالعلم، لا يفكر في جمال الجنة ونعيمها، بل في بهاء الطبيعة و أسرارها"- ص32.

بعد هذا التحول هيأ إسماعيل نفسه للعودة إلى مصر التي يحبها وإلى المصريين ليصارعهم ويصارع "خرافاتهم وأوهامهم وعاداتهم". تقرأ في القصة "كلما قوي حبه لمصر زاد ضجره من المصريين"– ص34 واستعمال "الضجر" هنا استعمال غير محدد المعنى، يحس الذي يقرأ أن هذه الكلمة قابلة للاستبدال بكلمات أخرى أدق مثل: احتقار، امتعاض، وفي النهاية القصوى: تبرؤ! وسوف نرى مصداق هذا في المجريات اللاحقة لعودته إلى مصر وسوف نرى الكره أيضا يواجه به البطل مجتمعه ومعتقداته.

عاد إسماعيل إذن معتداً بذاته الفردية نابذاً "لعواطف الضعف الشرقية" كافراً بالدين مؤمناً بالعلم، ترك عالم الروح وعالم الغيب وصب كل اهتمامه على الطبيعة  "ببهائها وأسرارها".

عاد إسماعيل فواجه من البداية، والقطار يسير، باعة في ثياب ممزقة، قذارة وذباب، وفقر وخراب، "فانقبضت نفسه وزاد لهيب الثورة وزاد التحفز "- ص26

يدخل إسماعيل البيت فتكاد أمه يغمى عليها وهي تضمه وتقبله وتبكي فيخطر لإسماعيل خاطر: "ليس لها من الشخصية نصيب ! ليست إلا كتلة طيبة سلبية!" وأضيف أنا، من عندي:  ليست إلا كتلة من "عواطف الضعف الشرقية". أما الأب فيستقبل ابنه بهدوء وقوة،  هذا الأب ضحى بكل رفاهية ولم يتأخر عن موعد إرسال النقود لابنه. الابن يرى المعيشة البسيطة فلا يملك نفسه أن يتساءل "كيف يستطيع أن يعيش بينهم؟ وكيف سيجد راحته في هذه الدار؟" أما فاطمة النيوية بقرويتها، بضفيرتها وأساورها الزجاجية الرخيصة فقد علم منذ رآها أنه سيخون وعده ولن يتزوجها.

وفي هذا الموضع سألاحظ أن انخلاع البطل لم يتم إذن على أرضية مبدئية ما، بأي مقياس للمبادئ، فهو لم يختلف فكرياً مع مجتمعه، لم يحاول الإصلاح فيحبط الأهالي محاولته فينكفئ قائلا: "لا نبي في وطنه"! فها هو ذا يحتقرهم حتى قبل أن يبدأ ثورته المنوية وها هو ذا يضمر الخيانة منذ البداية، بلا تبرير، وبلا انطلاق من أية قاعدة نبيلة: لقد انطلق من قاعدة الرؤية الفوقية لأهله، وناهيك بها من انطلاقة لا تدلك إلا على أن إسماعيل تماهى بالمعتدي الذي هو الانكليز محققا بهذا أقصى درجات العمالة التطوعية للمحتل: العمالة الروحية. سيبقى كثير من مثقفي "عصر النهضة" العرب في هذا الموقع، أمثال سلامة موسى وحسين فوزي وغيرهم كثير أما البطل فقد تغير في الصراع المرير لحسن الحظ.

وينتقل انخلاع البطل بصورة فورية من المرحلة السلبية إلى المرحلة الإيجابية: مرحلة الفعل فما إن يرى  أمه تضع الزيت في عين فاطمة حتى يصرخ فيها ويرمي الزجاجة فيكسرها ثم يتناول عصى أبيه بعد أن أخبرهم أنه "لا يعرف أم هاشم ولا أم عفريت" فيأتيه توبيخ أبيه (ونخن نرى أن الأب ظل ممثلا قوياً للهوية ولم ينهر تحت وطأة الاستلاب) قائلا:"هل هذا كل ما تعلمته في بلاد بره؟ كل ما كسبناه منك أن تعود إلينا كافرا؟"

ويمضي إسماعيل مسرعاً إلى المقام  وفي الميدان  ينقل لنا المؤلف نظرة البطل السلبية إلى الجموع : صخب حيواني وأكل وضيع تلتهمه الأفواه.."لم ينطق له وجه واحد بمعنى إنساني"

هؤلاء المصريون: جنس سمج ثرثار، أقرع أرمد، عار حاف.. جمود يقتل كل تقدم- ص44.

و القارئ يلاحظ فوراً الإعادة الحرفية للأطروحات العنصرية الاستعمارية على يد هذا الابن المنشق للمجتمع الأهلي، غير أنني أريد أن أركز على نقطة مهمة ذكرها المؤلف (على لسان الراوي) تدل على موهبة تحليلية خاصة عند حقي. في هذه المرحلة من تطور وعي البطل، مرحلة الانخلاع، لم تنطق الوجوه بمعنى إنساني. كأن جميع الحاضرين في الميدان صرعى أفيون أو كأنهم مستغرقون في النوم، هذه النظرة إلى المجتمع من الخارج، النظرة التي تريد هدمه حجراً حجراً لا تستطيع أن ترى معنى لسلوكيات هذا المجتمع، إذ "المعنى" إذا اعتقدنا بوجوده يقودنا إلى ارتباطات غير مرغوب بها عندنا إن كنا ننوي هدم بنية معينة، فالمعنى قد يقودنا إلى تفسير أو تبرير أو تحذير بأن عملنا الهدمي سيقود إلى تفاعلات ضارة بنا أو بأحد ما، والمعنى قد يعطي احتراماً للخصم نحن لا نريده فمن المريح للفاتحين – من طراز كولومبوس أو رودوس أو جنكيز خان- أن يعدوا لغة شعب الأرض المفتوحة مجرد "بربرة" و صراخ بلا معنى. إن إنكار المعنى على البنى الثقافية للآخرين هي مكون بنيوي من مكونات كل أيديولوجيا عنصرية.

و يصل الفعل الإيجابي للانخلاع إلى ذروته: إن إسماعيل يصل إلى القنديل ويكسره فتهاجمه الجموع وتكاد تقتله لولا نجدة خادم المقام صديقه القديم منذ الطفولة: الشيخ درديري.

ويعود إسماعيل ويمر بأيام لا يغادر فيها الفراش ويندم على أنه رفض عرض الجامعة الانكليزية عليه أن يبقى ويعمل في إنكلترا:"إنه كالطير قد وقع في فخ، وأدخلوه القفص، فهل له من مخرج؟ يشعر بجسمه وقد شد إلى هذه الدار التي لا يطيقها، وربط إلى هذا الميدان الذي يكره، فمهما حاول فلن يستطيع فكاكا"- ص48

ولاشك أن الأصل يبقى مكبوتاً في اللاشعور (بدون حاجة إلى أي تأويل فرويدي لمصطلحي "الكبت" و "اللاشعور" هنا) إذ أنه في المواجهة مع الذات الحقيقية، مع الأهل والوطن، لا يظهر إلى السطح إلا ما نختلف فيه مع هذه الذات، وما "نحقد عليها" لأجله، غير أن الذات الحقيقية أوسع من ذلك بكثير، تماما كما أن ذات الآخر التي نريد في السيرورة الاستلابية أن نتبناها هي أوسع بكثير من السطح البراق: الصفات الجميلة التي نريد اكتسابها. فالذات الحقيقية المترسخة في لاوعي إسماعيل هي أوسع و أعمق من الذباب والقذارة والباعة ممزقي الثياب. ومع ذلك فإن هذه الحقيقة: أن الذات الحقيقية هي الأرسخ لا تعني أن الاستلاب هو دوماً مرحلة مؤقتة يعود بعدها المستلب بصورة حتمية إلى الهوية (أي ما نسميه مرحلة التأصيل) إذ أن إيقاف مفعول الاستلاب يتطلب شروطاً خارجية قد تكون هي التوازنات الاجتماعية- السياسية في المجتمع المعني. وفي هذه الحالة الخاصة وصل البطل حقا إلى مرحلة التأصيل مدفوعاً على الأغلب بقوة جذوره وبمزاجه العصبي الخاص وأخيراً وصل إلى هذه المرحلة بفضل خيبة أمله بما كان يعده أقوى مكونات ذات الآخر: العلم الطبيعي، ذلك أن إسماعيل واثقاً من علمه يوقف علاج القنديل ويبدأ علاجه العلمي الذي تعلمه في جامعة لندن وتستسلم فاطمة النبوية لهذا العلاج ولكنه يقودها إلى العمى التام. وهنا يصدم إسماعيل صدمته الشافية لتبدأ المرحلة الثالثة: مرحلة التأصيل.

ج-التأصيل:

يهرب إسماعيل من البيت بعد وصول علاجه لفاطمة إلى تلك النهاية الفاجعة لا يلوي على شيء ويسكن ببنسيون ويجوب الشوارع أغلب الوقت ويستعيد ذكرياته في أوروبا ويتذكر من الاحتكاك اليومي ما يعرفه من سلوكيات شعبه ويتردد فكره بين النقائض: "تسائل إسماعيل: هل في أوروبا كلها ميدان كالسيدة زينب؟ هناك أبنية ضخمة جميلة، وفن راق، وأناس وحيدون فرادى، وقتال بالأظافر والأنياب، وطعن من الخلف، واستغلال بكل الوسائل. مكان الشفقة والمحبة عندهم بعد العمل وانتهاء النهار. يروحون بها عن أنفسهم كما يروحون عنها بالسينما والتياترو.

ولكن.لا. لا.لو أسلم نفسه لهذا المنطق لأنكر عقله وعلمه. من يستطيع أن ينكر حضارة أوروبا وتقدمها، وذل الشرق وجهله ومرضه وفقره؟ لقد حكم التاريخ ولامرد لحكمه، ولا سبيل إلى أن ننكر أننا شجرة أينعت وأثمرت زمناً ثم ذوت وهيهات أن تدب الحياة فيها من جديد"- ص51.

وهكذا: ساعة يفكر في الهروب إلى أوروبا وساعة يجد نفسه مدفوعاً إلى الميدان. ويعود و يحدث نفسه: "لماذا خاب؟ لقد عاد من أوروبا بجعبة كبيرة محشوة بالعلم، عندما يتطلع فيها الآن يجدها فارغة، ليس لديها على سؤاله جواب" –ص52

وتعود العلاقات مع المكبوت من خلال أشياء بسيطة ولكنها تحمل معها شعوراً بوجود "المعنى" الذي كان ينكره على ثقافته الأصلية، مثلاً من خلال النكات التي كان يسمعها فيبتسم لها. ويأخذ بالإحساس أن هذا الشعب عريق حقاً. "ابن البلد يمر أمامه كأنه خارج من صفحات الجبرتي". اطمأنت نفسه وهو يحس بأرض صلبة تحت أقدامه: "ليس أمامه جموع من أشخاص فرادى، بل شعب يربطه رباط واحد، هو نوع من الإيمان، ثمرة مصاحبة الزمان، والنضج الطويل على ناره. وعندئذ بدأت تنطق له الوجوه بمعان لم يكن يراها من قبل. (التشديد لنا دوما) هنا وصول فيه طمأنينة وسكينة، والسلاح مغمد، وهناك نشاط في قلق وحيرة، وجلاد لا يزال على أشده، والسلاح مسنون" – ص53.

لقد وصل إسماعيل إلى المرحلة الأخيرة في هذه السيرورة: الأصل- الانخلاع- التأصيل. لقد ذهب الزبد جفاء وبقي في الأرض الأصل النافع، وبانت الذات الحقيقية كذات متجذرة غنية ذات معنى تقف على قدم المساواة مع الذات الآخرى التي ظهرت بوجوه قوتها وضعفها، وليس بوجوه قوتها وحسب- كما في مرحلة الانخلاع التي هي مرحلة الاستلاب.

وفي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر والتي تربى إسماعيل على الإيمان بفضائلها وبمنزلتها يدخل إسماعيل إلى مقام السيدة ويشاء الكاتب أن يجعل الفتاة نعيمة تفي بنذرها بعد أن تاب الله عليها وعادت إلى جادة الهدى في نفس الليلة.

ويأخذ إسماعيل زيت القنديل وهو يقول في نفسه للميدان وأهله: "أنتم مني وأنا منكم. أنا ابن هذا الحي، أنا ابن هذا الميدان" ويدخل الدار وينادي فاطمة "تعالي يا فاطمة! لا تيأسي من الشفاء. أم هاشم ستجلي عنك الداء، وتزيح الأذى، وترد إليك بصرك فإذا هو حديد" وعاد إلى علمه وطبه يسنده الإيمان وتتقدم فاطمة في الشفاء وتتعافى. ويفتتح عيادة بسيطة تستند إلى أساس من العلم دون المبالغة في الآلات والوسائل مستندة إلى قاعدة من الإيمان، هذا العمود الذي تستند إليه حضارة شعبه، وتشتهر العيادة بين الفلاحين أكثر من اشتهارها بين سكان القاهرة نفسها ويتزوج فاطمة.

3-من الأصل إلى التأصيل:

بعد هذه التجربة الثقافية- النفسية المريرة عاد إسماعيل إلى الانتماء إلى الأصل، لقد توقف عن محاولة قتل المجتمع الأهلي وأبعد من ذلك: لقد أصبح جزءاً من هذا المجتمع الأهلي. لقد أصبح مدافعاً عنه. غير أننا يجب أن نفرق بين الحالين: "الأصل" ويمثله الأب و "التأصيل" ويمثله الابن. فالتأصيل تحول نفسي- اجتماعي- ثقافي يقوم به المثقف بعد عملية صراع وجدال طويل مع الثقافة المحلية بكل عناصرها: الغازية والأصلية. وفي مجتمعنا العربي القائم لا نجد "مثقفاً أصلياً" فقد تكفلت بالقضاء عليه لا عمليات التغريب فقط بل عمليات "الإصلاح" أيضا، والمراهنة الآن إنما هي على خلق شريحة ثقافية متماسكة من المثقفين التأصيليين، هؤلاء الذين خاضوا تجربة مماثلة لتجربة إسماعيل واستخلصوا نتائجها. والذي أراه أن مجتمعنا يحتوي شروطا قابلة للمقارنة مع الشروط التي أنتجت التحول الذي أنتج إسماعيل في طوره الأخير. لقد فشلت تجربة التحديث على الوصفات الحرفية المنقولة من الغرب، ونحن نرى بالفعل في الساحة الثقافية العربية بشائر بظهور مثل هذه الشريحة، بشائر ببدء مرحلة التأصيل في الثقافة العربية، هذه المرحلة التي تكرس بدء حقبة جديدة بعد قرن ونصف من الاستلاب.

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home