قصة

 

لم يبق إلا الحزن

محمد العربي الوالي



لم يبق إلا الحزن.

يوم كان زعبوط زعبوطا فقط.

كان كما يقال من الذين لا يولدون إلا ثوارا..يذكره البعض طفلا ذا جسم نحيل، ملفوفا في قندورة تآكلت أطرافها، وقدمين مشققتين حافيتين طوال العام.أبوه

 كان من الفقراء المعوزين، وأمه كانت تزور كل سنة إخوتها ليساعدوها ببعض الأكياس من الشعير ضمانا لقوت الشتاء القاسي الذي، الذي كان يقضيه وأفراد أسرته متراصين كأكياس التبن فإحدى زوايا الكوخ، هروبا من قطرات المطر،التي كانوا يشقون لها خيوطا في الأرض لتوجيهها نحو فتحة في أسفل الجدار،لتسريبها إلى الخارج.

وكان يذهب ورفاقه من الأطفال،لجمع الحلزون والضفادع لبيعها للفرنسيين في المدينة.عاد ذات مساء وفي يده ثلاثمائة فرنك حصيلة أيام مـــن العمل.

وفرحت أمه كثيرا لما سلمها لها وقالت له مازحة:

" هل تعرف أنني تزوجت من أبيك بأقـــــل منها؟لقد كان مهري مائة فرنك.”

ودهش للأمر متسائلا.كيف أن أمه الجميلة العاملة، والتي تحب الناس جميعا لا تساوي إلا مائة فرنك.بينما رقية بنت جارهم تزوجت منذ أيام بألف فرنك!

وحتى يطمئن أمه و يخفف مما تصوره انزعاجا.

أمي!لكم أود أن أكبر بسرعة،حتى أحضر لك كثيرا من الدراهم. وأول ما سأفعله، سأشتري لك حذاء، لتلبسيه حتى لا تجرح رجلاك، عند ذهابك إلى العين لجلب الماء".لكن أمه ردت عليه،ردا أنبأه أنها تخاف عليه.

" أبوك كما ترى رجل كبير..لكنه لا يحضر الدراهم.لأنه لم يجد عملا.فأنى لك أن تحصل أنت عليه؟"

ونام ليلته تلك على فراش وثير، تقديرا له على ما قام به، حرصت أمه على أن تفرش على قطعة الحصير المتعددة ثقوبه، بقايا صدرية عسكرية، جاء بها خاله،نهاية الحرب بين الألمان والفرنسيين.بعد سنوات عدة لأن فرنسا سجنته، بتهمة مناصرة الألمان، وتثبيط معنويات جنود الكتيبة التي كان ينتمي إليها.

ثم حدث أن استشهد خاله في الحرب التحريرية، لأنه كان من المجاهدين الأوائل.

وخرج أبوه من السجن بعد أشهر طوال، قضاها في زنزانة منفردة.خرج بقايا إنسان، برجل مقطوعة، وبيدين ترتعشان دون توقف، وبصدر ينزف دمـا، وسعال حاد، يشبه صفيره محرك شاحنة العسكر، وتجحظ لـــها عينا الأب، وتلفظ رئتاه، خيوطا صفرا وحمرا. وتمسك الأم برأسه وترفع إصبع يد أبيه اليمنى، وهي تردد.

" لا إله إلا الله محمد رسول الله".

 كان المنظر يمزق نياط قلبه.ولكن أمه أوصته، بمراقبة أبيه كلما حلت به النوبة " حتى لا يموت دون شهادة."

وفي كل ليلة كانوا ينتظرون موت الأب.والحرب تشتد، والعسكر الفرنسيون يزدادون شراسة، وبعد أن أفنوا الكبار، أشهروا أسلحتهم في عيون الأطفال.

يقسم أحد الأطفال الذين حضروا مظاهرة ضد العدو، أنه شاهد زعبوطا، وهو يرفع صوته منشدا " جزائرنا..يا بلاد الجدود."، يوم استشهدت عمتي الزهرة التي كانت تقود المظاهرة، وكان زعبوط قريبا منها ويتقدم المسيرة الغاضبة، فأسرع إليها لما أصابتها القذيفة، وهي تتهاوى، فخطف منها العلم، مخافـــة أن يسقط، ثم انحنى عليها، متفحصا صدرها الذي كان يقذف دما غزيرا..ودعا الجمع إلى مواصلة الزحف، وكان ينشد بصوت أقوى حماسا وأحلى إيقاعـا، وهو يلوح بيديه المضرجتين بدم الشهيدة، وهو يقسم برأس أبيه، أن ينتقم لعمتي الزهرة، والرصاص ما يزال ينثال. لجأ العدو إلى المدفعية لما لاحظه من اشتداد الثورة،ثم جمع قواته المحمولة والراجلة، وداهم القرية.

مساء ذلك اليوم المشهود،تساءل النساء والأطفال عن سراختفاء زعبوط.

وتضاربت الأقاويل، وكثرت الإشاعات.فمنهم من يزعم أن العسكر قد ألقوا عليه القبض، وأنهم قد أخذوه معهم ومامن شك في أنهم قتلوه.وأخفوا الأمر.وبكى بعضهم متمنين لو أعطوهم جثته حتى يدفن كما يدفن الشهداء، بينما يرفض البعض هذا التأويل رفضا قاطعا، ويؤكدون أن العسكر أنفسهم يحثوا عنه، وقد ثار قائدهم عليهم أشد الغضب أشبعهم سبا، لأنهم لم يعثروا عليه رغم أنهم شاهدوه بالمنظار، وأعلموه بمواصفاته.

وبعد أيام، زال اللبس، وتأكد لهم أن زعبوط كان عينا للثورة في الجهة كلها،وأنه كان يخبيء وثائق سرية وهامة، وخوفا من أن تقع في أيادي العدو، عند مداهمة العسكر للقرية، نزل الوادي وتسلل إلى الغابة فارا بحمولته.

وأمسى زعبوط نجم القرية، لا حديث للناس إلا عنه..وكم رحب به أصحابه ليلة عاد بلباس جندي مع الثوار، ومما مازحه به بعضهم " أنت على الأقل نـجوت من العري، وحصلت على حذاء.ويرجوه آخرون أن يحكي لهم عما حضـره من قتال للفرنسيين، وفيما إذا كان الرومي، عندما تشتد المعـركة، ويفعل الرصاص فعلته، يفر وهو يصيح: ماما..ماما..

وشهد بعد ذلك معارك عديدة، صنع فيها الرجال من أجسادهم ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت. وقد أبلى فيها جميعها أيما بلاء.وأصبح يلعب مع الطائــرة الصفراء للعدو لعبة الصياد والعصفور. وكم كان يحزن لاستراحة المــحارب التي يعتمدها الثوار استعدادا لهجوم موال، لأنه كان على أهبة مستمرة لخوض الأهوال، انتقاما من المعتدين الظالمين.

نزل زعبوط المدينة ذات يوم، وأعلام النصر تزين المباني والشوارع، والبشر يعلو وجوه المتعبين. واستقبله أناس لم يكن يعرفهم،وفتحوا له عوالم غريبة لم يكن يحلم حتى بوجودها وهو البدوي الذي كان ليلة يحلم وهو صبي يرى أباه وقد عاد من السوق وقد أحضر في قلمون برنسه شيئا من التمر.أو بالغزالة التي تأتيه عندما ينام لتسقيه

 من ظمأ، كما تقول أمه كلما ألح في طلب جرعة مـاء الذي يكون قد نفد، ولم يكن بوسع أي كان الخروج ليلا لجلب الماء خـــوفا من رصاص العدو.

ووجد نفسه بين ليلة وضحاها، ينتقل من شظف العيش، وهول المعارك، ومناظر الدماء والدموع. ليعيش في رفاهية من العيش، فهذه فيلات تفتح له أبوابها للسكن، وهذه سيارات تهدى.وهذه بدلات يغيرها صباح مساء، دون أن يدفع ثمنا لها، وتلك سجائر مختلفة الأحجام والألوان..وهذه خمور معتقة يسقاها وهو الذي كان قد ذبح أكثر من واحد نتيجة سكره، أشهرا قليلة قبل الاستقلال.

وجملت المدينة في عينيه، وأشرب قلبه حبــها، وحب المحسنين والمحسنات بالفتيات الغضات الإهاب.ونسي أن يعود إلى القرية التي أنجبته، ليسأل عن عمته العـمرية التي ذبحت له آ خر دجاجة كانت ترتزق من بيضها..

ولعله نسي أن هـناك قرية.

وجاءته الوجوه الجديدة، بوثائق ليضع إمضاءاته عليها، مصرحا بشرفه أنهم كانوا من الجنود الأوائل الذين فجروا الثورة، وحرروا البلاد والعباد بتضحياتهم.

تردد أول الأمر. ولكن أحباءه وحبيباته أجهزوا على تردده.ولم يجد بـدا مــن تزكية نضالا تهم ونضالا تهن.وكيف لا يفعل.وأنى له أن يقاوم؟ وهؤلاء الخـيرون من البشر يغدقون عليه المال دون حساب.أو ليسوا هم الذين بــادروا بالإحسان، أو يكون قليل الأصل، ناكرا للجميل؟. وسخر من نفسه التي راودته يوما بمثل شعبي

" الحشمة تولد...."ولكنه سرعان ما عاد ليقنع نفسه

" ما الضرر في أن يكثر في بلادنا المجاهدون!وهي بهذه الشساعة والغنى!..هكذا أبعد شكوكا مرت بخلده...

وهكذا ازداد دخله، وازدادت مكانته سموا،وكلماته تأثيرا.

غيرت له إحدى محضيا ته اسمه الذي كانت تجد فيه آثار بيئة متخلفة خشنة.وهي تجد حرجا وانزعاجا شديدين في ذكر كلمة زعبوط أمام صويحباتها. وهو لم يكن فيما مضى ينتبه إلى اسمه، وما حدثه أحد عن بشاعته، ولكنه اليوم يلعنه، ويكاد يلعن أمه لسوء اختيارها، وانحطاط ذوقها. والواقع أنه قد صار شديد الاهتمــام بكل تفاصيل حياته المادية. فهو لا يغادر عتبة بيته إلا إذا عرض شاربـه على المقص والمرآة.وتعطر، بعد أخذ ورد في أي القمصان يلبس، محاولا إيجاد تناغم بينها وبين ربطة العنق، ولون البذلة. لقد علمه أصدقـاءه في عالمه الجديد أن الرجل بمظهره، وما عدا ه طعام الميتين.لقد أقنعوه أن الرجــل العصري هو من يضع على أرنبة أنفه نظارات تريح بصره و توحي بمستوى ثقافي راق، رغم أنه لم يكن يطالع حتى الجرائد والمجـــلات الفرنسية، التي يزين بها رف المقعد الخلفي لسيارته.

كما اقتنع بوجاهة رأيهم بأن لا خدمة تقدم لأحد دون مقابل.وأن الحياة الحقة هي الأخذ من الآخرين فقط، وإن كان لابد من عطاء فليكن من جيوب الآخريـن كذلك وقيل له أن الحياة هي" قفزات"، وأن من عز بز. وكان تلميذا جــادا في تنفيذ ما قيل له، وما لم يقل، بل ذهب به ذكاؤه إلى ابتداع طرائق خاصة به.

وامتدت به السنوات، ووجد أن الوجوه التي تعامله تتغير، بتغير مسكنه

 و ملبسه ومأكله ومركبه..وما عاد يشعر بذلك الدفء، ولا الاطمئنان لأي كان ولا حتى لنفسه.

 لقد افتقد تلك الأحاسيس، وتلك العزة التي كانت تملأه، كلمـا عاد إلى القرية من ميدان المعركة، ليستريح بعض الليل، ويتناول قطعة من الخبز، وفنجانا من القهوة إن وجد..

وهو غاضب أشد الغضب على بـرامج التلفزة الوطنية، التي تنغص عليه حياته. ولولا البرامج الأجنبية من أفلام، حتى ولو كانت صورا متحركة، أو مقابلات في كرة القدم، لكانت عيوننا قـد عميت، وصدورنا قد صدئت من غبار جرارات الفلاحين، وآليات الجيش التي تشـق طريق الوحدة الإفريقية.

وقد أوضح له الفاهمون جدا، والذين لا يفكرون بصوت مسموع أبدا، إن سياسة البلاد خرقاء, إن حكامنا الجهلة الذين تربوا في الفقر، لا ينظمون إلا إلى فقراء العلم وضعفائه. ولو أنهم فتحوا صدورهم، وعقولهم إن كانت لهم عقول لأمريكا أو فرنسا، لكنا اليوم من الدول المتقدمة.وهو لم يكـن يناقش أصحابــه.فهم لا ينطقون عن الهوى. ودليلهم الحي هو زعبوط نفسه.ألم يغدُ غنيا في فترة وجيزة.ولو أن الحكام لم يوصدوا الأبواب في وجوه القادرين على القفز لفعلوا ما فعل هو، وحلت المشكلة.‍

ذات صباح أسود من أيام أواخر شهر ديسمبر، استفاق على آيــات من القرآن الكريم تتلى في المذياع. تصور أول الأمر أنه استفاق فجرا على غير عادتـه. ولكن المذيع راح يقرأ بصوت تخنقه العبرات" إنا لله وإنا إليه راجعون" لقد انتقل إلى رحمة الله فجر هذا اليوم المجاهد، الذي قهر الأعداء."وجاء على ذكر اسم أحد إخوته المجاهدين.

وبعد ذلك لم يفهم ما جرى، أحس بدوار وغثيان يمتلكانه.وعادت إلى مخيلته، الذكريات الجميلة التي جمعتهما جنبا إلى جنب في الأحراش والغابات يقاتلان الأعداء. وتذكر كيف كانا يتنافسان في مواجهة رموز الشر والعدوان.وكيف كان كل منهما يتمنى الشهادة، التي لم ينعم بها أي منهما.

كان إخوته الجدد كلما مر ذكر اسم صديقه المجـاهد، عوذوا بالله منه، ومن أفكاره الكافرة.وألحقوا به كل مآسي الأمة منذ نشأة الخليـقة. لم يكن زعبوط الذي يسكنه مقتنعا بما يدعيه هؤلاء القوم، لأنه أعرف بأخيه. ولكن الـرجل العصري الذي صاره، لم يكن يهتم لا كثيرا ولا قليلا بالصراع الدائر بينه وبينهم.بل كان أميل إليهم لأنهم أكثر دراية بما يجري في العالم الخارجي الذي زاره مرات معهم،وأعجب به أيما إعجاب.

وبينما هو في شروده إذ لمح ابنه يمر مسرعا، متوجها نحو الخارج.

ناداه.: هل سمعت الخبر؟

نظر الابن إلى أبيه بعينين تملأ هما الدموع، ولم يزد على أن رد.

- "ومتى كانت الأخبار تهمك؟ ألم تكن تتمنى تتنكر لأخيك هذا ؟ أوليس هذا ما كنت تتمناه وجماعتك؟"

أحس الأب بالأرض تبتلعه ابتلاعا، وتضغط على رئتيه، فتقطع أنفاسه، وعلى رأسه فتطقطق عظامه...ود أن يلحق بابنه العاق ويصفعه، أو يكسر عظامه،ويفهمه أنه قبل أن يبلغ سنه كان جنديا ثائرا، وأن الوطن يسكن أعماقه.ولكنه لما هم بملاحقة ابنه تذكر مقولة نقلها له ابنه ذات يوم عن أخيه المجاهد الذي توفي اليوم" إن الجهاد ليس وساما أبديا."

انهمرت الدموع غزير قوية من عينيه، بل أحس بها دماء تنزف من قلبه. بكى كما لم يبك في حياته من قبل..وهو يسير في الموكب الجنائزي الضخم، الذي جمع الأمة كلها بشيوخها وعجائزها وحتى أطفالها.وتساءل كيف أن مكانته الاجتماعية الراقية، والمريحة ماليا لم تمكنه من نيل حب ابنه واحترامه له. بينما ملايين المشيعين يرفعون أصواتهم، مهللين ومكبرين كما كان يحدث إبان الثورة عند دفن الشهداء وهم يرددون.

" كلنا فداك ياشهيد...لو نفع الفداء.".

فهم يوم ذاك سر استجابة ابنه لكل نداء يوجهه المجاهد الشهيد للشباب.

ود لو أن ابنه قسا عليه، ولم يرحمه..لعله كان قد أرجعه إلى غابات قريته، وإلى الأحضان الدافئة لأهله..التي كاد ينساها إلى الأبد...

لكن هل سيجد أهلا، وهل سيفتحون له صدورهم وبيوتهم كما كانوا يفعلون؟.وهل بقي منهم حي يرزق؟ هل بقي مكان شاغر في صف ابنه، وحتى ولو كان خلفيا، ليتموقع فيه؟وفو جيء بابنه عندما عرض عليه فكرة الذهاب إلى القرية لزيارة إحدى المجاهدات" عمتي الزهرة"، يخبره بأنـها توفيت منذ أكثر من شهرين.وإنه كان يلتقي بها في بيتها بالقرية، ويبيت عندها، وتسلق له بعض البيض، في كل عطلة مدرسية.وأنها كانت تحبه كثيرا لأنها ترى فيـه زعبوط الصغير.وعندما سأل ابنه فيما إذا كانت تذكره بخير.قال الابن لأبيه.

- سألتني عن أخبارك، قبل موتها بأيام، ثم دمعت عيناها وقالت لي.

" أبوك اصبر اصبر، وكي أتلاحت في الطاجين كفر"

قام الابن منصرفا..

 أطرق الأب مليا...

يذكر زعبوط جيدا...أنه كان فتى فرحا. فرحا، رغم الجوع، والحرب، والموت.

ولكنه اليوم..رغم المال والجاه...حزين.حزين..حزين.

 

 

محمد العربي الوالي




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home