قصة

 

هدية عيد

محمود الحروب



تجاوز منتصف الليل وهو متيقظ وحده..وحده فقط، وفي ركن قصي من الحجرة الوحيدة، والتي هي كل منزله!وعلى منضدة، تحاول شمعة إنارة المكان بضوئها الخافت. والصمت يلف كل الأشياء ، ما خلا ظلالها المتحركة على الجدران بنسق تام مع حركة ذبالة الشمعة..والسكون استبد هنا خلافا للجو العاصف الماطر في الخارج.وأمام الجدار الطويل الفارغ إلا من نافذة، اصطف ثمانية أولاد نيام، تتوسطهم الأم التي تجاهد في كتمان أوجاع حملها في أيامه الأخيرة.وبالقرب من المنضدة،انتصب صوان قديم للملابس ، تداعت ظرفاته ،لتكشف عن كومات الملابس المتبعثرة على الرفوف..وفي الجهة المقابلة وضع أص من البلاستيك ليتلقف قطرات الماء المتساقطة من الشق الذي أحدثه تداعي السقف،وبجانب الباب الذي توسط الحائط القائم لاختصار مساحة من الحجرة لأغراض المطبخ!جلس الأب مسندا كاهله،مادا ساقه المنتفخة المزروعة بشظايا رصاص "الدمدم"، الذي أصيب به قبل عام. كان بين الفينة والأخرى يضع عليها خرقة مغموسة بالماء البارد،لعله يطفئ شيئا من وجعه المديد ، وحينما تهدأ الحرارة المتدفقة منها كان يدخن سيجارة..وفي لحظات ما، كان يمد ناظريه ،يجول بهما أرجاء الحجرة كأنه يتفحص الأشياء التي لم يجر عليها أي تعديل منذ وضعت مكانها!حتى المنضدة يذكرها تماما منذ طفولته ، وهي في بيت العائلة،بالتحديد في حجرة الضيوف، حيث كان موضوعا عليها سلة من القصب فارغة من أي شيء!اعتملت في صدره "الآه" التي تعود على كتمانها ..لقد خال أمامه مسرحا خاليا إلا من الأشياء الصامتة ،والتي بين الفينة والأخرى ينطق صمتها حتى يخال له أنه يتردد على مسامعه. ندت منه التفاته إلى حركة أحدثتها زوجته في فراشها..وتراءت له بطنها المنتفخة ،كأنها لغم موقوت!!أغمض عينيه واسند رأسه كأن ذلك هو المناص من هم منتظر.

أراد أن يقطع حبل ناظرية بالأشياء المترامية أمامه, وفتح قفل الذاكرة المكتنزة بأشياء كانت عاقبتها واحدة ...

أنها الفشل كما يسميه, واحيانا كان يقنع نفسه بان كل الأقدار عملت لتكون ضده, وان كل شئ في النهاية فاجعة , ناسياً أنه كان يستسلم في كل معركة ضده, و أحيانا دون أدنى مقاومة, لطالما حلم وطمع منذ طفولته وهو ينتظر مستقبلا واعدا وان يرى نفسه مميزا من خلاله .. ويكون قد حقق كل ما حلم به وطمح فيه ... والآن بات عصيا عليه أن يتذكر اللحظة التي كانت فيها بداية الانزلاق والتراجع عن كل الآمال ... تلك اللحظة التي اخذ يتحول بعدها إلي إنسان أخذه الزمان في طياته حتى بدا يتلاشى ولم يتبقى منه إلا اسمه .. ! إنه يعترف الآن أنه عاجز عن محاسبة نفسه ... وما فائدة ذلك ؟ كان يود أن يحاسب نفسه لكنه مرارا كان يتساءل : ما فائدة ذلك ؟ وخصوصا بعد أن استدرج نفسه في كل ما هو به الآن ؟ سال نفسه , أهو صنيع يدي , و خطأ في حسابات قدرها عقلي ؟ أم هي حالة عامة ..؟ وضع تعيشه  الأغلبية ؟ .. أية أغلبية هذه ؟؟! أمور كثيرة اختلطت عليه حتى كادت تطير غراب رأسه .. لم يعرف ما الصحيح وما الخطأ... وماذا سيكون  لو لم يكن على هذه الحالة..   

ربما لو لم يتزوج لكانت الحالة افضل.. عض شفته السفلى, وتمتم .." بالتأكيد ستكون الحالة أفضل.."عاد وفتح عيونه على مسرح الأحداث الصامتة، وكأنه بذلك يريد تقديرا صحيحا للخطأ الذي اخطأه ..انه لا يتذكر حتى كيف كان هذا الزواج!!كل ما يذكره الآن أنه في لحظة ما، وفي غمرة الهزيج الذي ألم به وقتئذ، كان سعيدا..ابتسم ! وكان في ذلك يسخر من نفسه !أزال عن ساقه الخرقة .. غمسها بالماء جيدا..ثم أعادها ومسد عليها بهدوء ، أدام النظر ..وهتف "إن حياتي كلها كهذه الساق! وكل ما أطمح في إنجازه إنما هو تماما كما هذه الخرقة..!".

في هذه الأثناء اخترق وميض البرق الستارة الخفيفة المسدلة على النافذة..لحظات ، حتى تبعه هدير الرعد الصاعق الذي زلزل المكان،فاشتدت حدة الأمطار حتى غطت على الصوت الرتيب الذي تحدثه قطرات الماء المتساقطة في الأص..على صوت الرعد، استيقظ "يوسف"الابن السادس،والرهبة تتملكه، وكأن تلك هي اللحظة التي كان ينتظرها منذ الغروب..منذ أن توزع الصبية في الحارة لمراقبة لحظة قدوم العيد! كان يوسف يود لو يراه ليعرف بأي شكل يكون، ومن أي اتجاه سيأتي ! تفقد المكان بعيون تتدفق منها البراءة ..لا يدري ماذا يفعل ..قاوم النعاس كثيرا..لكن يبدو أن النوم غلبه، وجاء دون أن يرى ما يحلم به!!ناداه الأب المحدق في الساق، اقترب منه يوسف والتصق به ملتمسا الدفء ، قال الأب :" هل خفت يا بني..؟ لا تخف ..إنه الشتاء يا ولدي..إنه البرق والرعد!" فخفتت فرحة الولد، وهدأت نبضات قلبه ، وهجس بأن تكون اللحظة التي يرقبها قد مرت أثناء نومه ، فهمس لأبيه :" هل جاء العيد يا أبتي؟". حدق الأب في نظرات صغيره كمن يتذكر شيئا قد غاب عن ذهنه..داعب وجنتيه برؤوس أصابعه وغمغم :" ليس بعد يا بني ..في الصباح سيأتي.." دغدغت هذه الكلمات قلب يوسف، وعاد إلى مكانه مسلما نفسه لحلم جميل..فيه العيد الجميل بهداياه الجميلة..!! أما الأب فعاد إلى النظر للأشياء الصامتة ، وبالتحديد إلى البطن المنتفخة ! تناول علبة السجائر .. أشعل واحدة .. وراح ينفث دخانها في سماء الحجرة .. نظر إلى الخرقة التي ما زالت رطبة وابتسم..! وفي الهزيع الأخير من الليل..في لحظة كان فيها الأب يكرر شريط الذكريات..دوت في السماء مكبرات الصوت ، تعلن بأبواقها الصارخة حظر التجوال..! حيث الأمطار هدأت ، والعواصف تلاشت حتى أصبح النداء يصل كل الآذان ..التفت الأب نحو الباب، لملم نفسه، وقوى على النهوض والسير عنوة، حتى وقف خلف الكوة المسدودة بقطعة بلاستيك..أزاحها بأصابع مرتجفة في محاولة للتحديق في العتمة اللامتناهية ! قام يوسف المتأهب ، من مكانه ..ظانا أنها تلك اللحظة المرتقبة ، وقف إلى جانب أبيه ، مسترقا السمع لما يدور في الخارج..فقارن ما يسمعه بشيء مثيل له ، مطبوع في الذاكرة فأدرك أن آماله قد خابت، ويبدو أن خيبتها أعظم شأنا هذه المرة..تبددت من جسده حمية الانتظار ، وحل محلها الخوف الشديد..تقدم خطوة نحو أبيه وسأل:" ما الذي يريدونه..؟"

دون أن يلتفت رد الأب: " يبحثون عن العيد، سيقيدونه ويأخذونه يا يوسف..". تشبث يوسف بساق أبيه، محتضنا إياها بقوة ، وكانت تلك هي الساق الموجوعة فتألم الأب ألما سرى في كل جسده ، حتى أنه صرخ في ولده ودفعه عنه . وشاءت الأقدار أن تكون هذه اللحظة ، هي المرحلة الأخيرة في مخاض الأم ..حيث دوت صرختها المحيرة !!فالتفت الأب إليها ممتعضا! أما يوسف فقد ركن في مكان لم يطاله الضوء فيه ، وراح يبكي وينتحب!!  

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home