مقال

 

عطاء الفلسطيني ما بين الانتماء والواقع

نور الدين أبوعاصي



  عطاء الفلسطيني ما بين الانتماء والواقع

نور الدين حسن محمد أبو عاصي – فلسطين –

تختلف البنية السيكولوجية عند الإنسان الفلسطيني عن غيره من باقي شعوب الأرض اختلافاً ملحوظاً ، هذا الإخلاف شهدت عليه الوقائع وأصقلته  الأحداث وذلك من خلال تجارب تجارب شاقة ومريرة عاشها ولا يزال .

ولعل مرجع هذا الاختلاف إلى الظروف التي عاشها ومر بها حيث تنوع المواقع الجغرافية بعوامل التمزق والتهجير والشتات وتعدد المناخات السياسية وفقا لطبيعة الأنظمة الحاكمة التي عاش الفلسطيني تحت سقفها بغض النظر عن انتمائه لها أو عدمه ، كذلك تكرار الأحداث المأساوية التي مرّ بها تاريخ النضال الفلسطيني وتنوع المشارب الفكرية والأيديولوجية والمدارس السياسية .

 كل ذلك ساعد في تشكيلة وبناء الفلسطيني النفسية والذهنية في مكان تواجده بحيث أنه من الممكن لكل من يتتبع الأمور بنزاهة وشفافية أن يحدد وبوضوح التراكم الكمي والكيفي لمظاهر المأساة  بكل أوجهها وأطيافها من خلال معالم وبصمات التواجد الفلسطيني وتراثه الشعبي وألوانه الفكرية وتعدد الرؤى المرتبطة بتعدد نتائجها وإفرازاتها .

وعلى الرغم من شدة وقسوة التجارب التي مرّ بها الفلسطيني فقد ازداد تمرساً وتأصلا وانتماءاً من خلال حب الوطن والاعتزاز به وعشقه وديمومة الدفاع عنه والأمل في النصر والتحرير كما ازداد تجذراً كالأشجار اليانعة القوية التي تضرب بجذورها عميقاً في تراب الوطن بحيث لا يؤثر عليها رياح عاتية ولا عواصف هوجاء . فهو بصبر وبمثابرة يقاتل ويتعلم يربي ويُعلّم يزرع ويصنع بإرادة فولاذية وعزيمة لا تلين يحن إلى وطنه ويصبو نحو حريته على الرغم من ضعف إمكانياته وقلة حيلته لأنه يملك من وراء ذلك سيكولوجية منيعة وعصية أمام عبث العابثين وقهر المتآمرين يملك سيكولوجية من طبيعتها العطاء والفاعلية ومحتواها الرغبة التواقة في العيش بسعادة وبأمل لا يغيب من بين عينيه فمهما اشتد ظلام الليل حلكة وسواداً فإن وراءه انبثاق فجر جديد مشرق بالنور ومبهج بالضياء والحيوية .

إن هذا العطاء الفلسطيني الجبار يأتي من خلال نظرة شمولية واعية تعبر عن انتمائه وتجذره وهي شمولية الفهم والوعي والإدراك والقيام بالواجبات المناطة على كاهله خير قيام .

والفلسطيني اليوم على أرض وطنه في حاجة ماسة وضرورة عاجلة إلى كل مخلص وغيور من أبناء هذا الوطن لتقديم برامج خدماتية تعينه على  الصمود والتجذر والثبات فالمرحلة القادمة تحتاج إلى مستحقات يجب النظر إليها باهتمام فالأمن الشخصي والتعليم والصحة والبطالة والأمن الغذائي والسلم الاجتماعي كلها أمور تشغل بال المواطن .

الواقع محفوف بكثير من عوامل الفشل والإحباط والمواطن ينتظر التغيير بقلق وكأني أرى الفلسطيني المنتمي لقضيته يقف بين نارين : نار تدفعه للعطاء والإبداع ونار تقف عائقا امام عطائه وإبداعاته ولا ينحصر قصدي هنا في مجال دون آخر فلا فرق في العمل الذي يهدف بجملته الفلسطيني نفسه حياة وكرامة وخدمة وحرية ورفاهية وعلاجاً وتعليماً وغير ذلك .

إن سيكولوجية الفلسطيني لا تقل عطاءاً في أعماقها المنتجة والمبدعة عن سيكولوجية الألماني أو الياباني الذي نافس في إنتاجه واقتصاده ليس فقط الإنتاج والاقتصاد الأمريكي بل الإنتاج والاقتصاد العالمي ولكنه يحتاج إلى جهات فلسطينية حاضنة وراعية لكل الأدمغة المكتشفة والمخترعة والتي أصبحت مغمورة لا يعرفها ولا يسمع بها أحد ، فالمدرس في اليابان لا تسمح له حكومته عند بلوغ سن التقاعد أن ينزوي في بيته ينتظر الموت أو يقضي جل وقته بين كبار السن الذين نخر العجز عظامهم وأجلسهم الجهل على قارعة الطريق وقد أمسوا وكما يقول المثل الشعبي ( على الرف ) . بل تعتبره الحكومة اليابانية مرجعاً خصباً ومنهلاً عذباً يستقي منه العاملين الجدد كل معاني التوجيه والإرشاد في مجال التربية والتعليم إن كان مدرساً أو في مجال الصحة إن كان طبيباً أو في مجال الزراعة والصناعة والسياسة والقانون وكافة مجالات الدولة كل حسب مجاله وتخصصه ويوفرون له جميع الإمكانيات وأساليب العمل والإشراف لكي يفيد غيره من واقع خبراته الطويلة كما يهيئون له المناخ الصحي لكتابة مذكراته لتعتبر مرجعية مكتوبة من خلال مبنى يتم إعداده وتجهيزه بشكل خاص لكل أولئك أصحاب التجارب وهذا ما جعل أطفال اليابان أكثر تفوقاً من باقي أطفال العالم في التصنيع فشرائح الحاسوب وألعاب الأطفال وغيرها من صنع الطفل الياباني الذي لا يزال شعبه يعاني القصف النووي الأمريكي على بلاده علماً بأن الشعب الياباني استلم اليابان من الأمريكان بعد الحرب وهو يفتقر إلى أدنى الإمكانيات  التي تؤهله للزراعة والتصنيع بسبب ما ألحقته القنابل النووية من دمار لحق بالتربة .

وفي بريطانيا أقامت الحكومة مبنياً ضخماً على رقعة أرض تزيد مساحتها على عشرة آلاف دونماً وسط لندن جعلته الحكومة خاصاً بالمبدعين والمكتشفين والمخترعين لجميع مجالات العمل والإنتاج والحياة على الصعيدين النظري والتطبيقي وقد زودتهم بكل الإمكانيات وقدمت لهم كل التسهيلات وعوامل التشجيع .

وأكثر من ذلك فإن هناك دول أعدت حكوماتها مرا كز متخصصة في علم النفس هدفها الوحيد هو مراقبة ودراسة حركات وانفعالات وطرق التفكير لجميع العاملين في سلك الدولة وخاصة فيما يتعلق بالأمن القومي لتلك الدولة مثل مركز دانيال زيف للأبحاث في إسرائيل ووظيفته دراسة نفسية المفاوض الفلسطيني وتقديم النصائح للحكومة الإسرائيلية في هذا الشأن .

في كثير من دول العالم لا بد من أن يقضي كل مواطن ساعة على الأقل في اليوم في مجال القراءة في غرفة مكتبته التي يعتز بها ويطورها بنفسه ويخصص مبلغا من دخله ولو يسيراً لشراء الكتب .

المدرس في كثير من دول العالم الغربي لا يعمل أكثر من عشر سنوات وبعدها لا تُقبل له شهادة في محكمة بحكم انتهاء صلاحية استعماله وهذا واقع حقيقي لا أسرده هنا لغرض الطرف الكلامي .

الفلسطيني في وطنه يعيش بين حب العطاء المنتمي لشعبه من جهة وبين الواقع المأساوي من جهة أخرى .

إياك أخي أن تقارن بيننا وبين واقع دول العالم كبريطانيا وألمانيا واليابان فملايين الدولارات التي ذهبت هدراً كفيلة بأن نرتقي في جميع مجالات حياتنا .

 

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home