قصة

 

وما يزال النبض مستمرا

د/ثروت عكاشة السنوسي



صعدت إلى قمة التبة العالية .. أنتظرها كعادتي .. أمعنت النظر إلى أسفل ؛ تلك الكومة منزلنا ، وأشجار الأرز المحترقة تئن من حولي ، بينما تظهر طائراتهم تمتلك سماءنا ، وتبعث الأحزان ملء قلوبنا ، فنحن دائما نحترق ، وأسفل الحطام يرقد أطفالنا شهداء ..!

 

طال انتظاري ، لكنها لم تعد ، لن تسألني ولن أجيب .. عدت أبحث عنها بين كفيّ ، احتضن وجهها الملائكي ، فيتغطى بحمرة الخجل ،ترفع عينيها تتأملني ، ثم تسبلهما مطرقة إلى أسفل ، بينما تميل الشمس للغروب..

 

ترحل فيرقص قلبينا حينما يهل القمر بوجهه المستنير .. ارفع وجهها الصغير ، أغوص في عينيها ، تتراقص شفتاها ، بينما يداها ترتعدان لهفةً واشتياقاً ..

 

أقترب ، تدفعني برفق ، أعاود الكرة  ، فتبتعد ، أطاردها ، فتتخاذل .. أمسك بها، أضمها بين ذراعيّ ، تلقي برأسها على صدري في استحياء ، تطلب المزيد ،  بينما عصافير الزينة الطليقة ترفرف راقصة فوق رءوسنا على ذات النغم ..

 

 نذوب معا حين تسري دغدغة الحب في أوصالنا دافئة ، تسبح مع اللذة التي تسكننا ، فتثمر حبات اللؤلؤ الممزوجة بجينات السعادة ، تعلن أن هناك توأمان للعهد الجديد..

 

بين سحر الأمسية وفتنة الصباح ، تهب الريح العاتية ، كي تهدم بيتنا ، وتقتلع أشجار الأرز المثمرة ، تدفن الحبات في بطن الرمال ..

 

 صرنا مكبلين بالأحجار ، والعناقيد الغاضبة تخترقنا وقلوب الصغار بلا رحمة فاندثر الجميع تحت الركام وحوائط المبكى ، تعانقت جدراننا كلها في ثورة الصاروخ فوق رءوسنا .. ماتوا وبقيت ..!!

 

لم استطع شيئا .. تركتهم يُقتَلُون ، ودموعي بقيت تؤنس وحدتي ، وتحمل أشياءهم ، تغلق عيناي ، وتبحث عنهم في كل مكان ، ثم تنهمر من جديد ..

 

هناك أنينٌ دامعٌ تحت الأنقاض .. ربما الصغار أحياء وزوجتي تناديني تطلب الإنقاذ .. الصوت يختلط بشقشقة مستغيثة من العصافير المحترقة ، ربما هي أيضا ما زا لت تعيش وتستغيث فلا مجيب..!

 

يبدو أن زوجتي أحاطت طفليّ بعيدا عن الموت .. أتراهم أحياء ..؟

 

أسمع ضوضاءهم تأتي إلىّ صاخبةً ، فأطالبهم بالهدوء .. أمُّهُم لا تزال نائمة ، لكنهم أبدا لا يستجيبون .. أجري خلفهم ، أداعبهم بين أشجار الأرز فيختفون .. ألتفت هنا وهناك ، أجثو ، أحفر الركام بأظافري.. لا شئ سوى صرخاتهم تأتيني بعيدةً جداً يستغيثون..

 

يقاومني الهدد ، بينما تعاود أجسادهم الغضة تصرخ وتستجير ، وأنا أسمع ولا أرى ..

 

أخذت أهرول فوق الأنقاض ، لكني أسارع بالابتعاد ، كي لا أزيد الحمل على جسد الصغار فيموتون ..

 

أظلمت الدنيا كلها ، وعاد الدخان كثيفاً يمتزج بدماء الصغار، ثم يغرق في بحر من السكون ، ويصاب الجميع بالصمم ..

 

أغمضت عينيّ ثورة الريح المتربة ، بينما رائحة الصغار تفوح في أنفي .. تستلهمني الصبر رويدا ، ويديّ زوجتي تبحث عنّي فلا تجدني وتناديني فلا أجيب ..

 

 أشعر بظلمتي ورائحة الريش المحترق مع أشجار الأرز تمتزجان بعد الارتواء بدماء أسرتي .. همساتهم المختنقة  تستحثني للثأر ، فيعلو صوتي يحمل لعناتي إلى أرجاء الكون كله ..

 

تعود الريح الجنوبية تحمل غضبتي .. تتسلقني في قلب الظلام ، تهز عروشهم كي تصحو مذعورة ؛ تبحث معي عن زوجتي والصغار ..

 

ينظرون إلى كراسيهم ، يتململون ضيقا  ويهزون رءوسهم عجبا .. جميلة وهي تكتسي بدماء أطفالي ودافئة بأنفاس زوجتي ، جلسوا عليها وتركوني حائراً ، فزاغت إلى أسفل واهتزت بعنف ..  حاولوا الهرب ، لكنهم بقبضتي .. يسكنون شراييني الذابلة .. يستبدلونها بملابسهم الحريرية ، لكنهم  يمزقون ما تبقى من جلدي المنحوت بأظافرهم أعلى درجات المجد.. فقط يتدافعوني  إلى أسفل والضيق يتملكهم من رائحة عرَقي  الذائبة فيَّ  باحتراق أبنائي وموتهم  بين النار والهدد ..

 

أشعر بالحنين يقتلني ، والألم يعتصرني ، فتهتز بقاياي  ..

 

هممت بمفردي لنجدة صغاري وزوجتي الثائرة لتأخري عليهم .. استعدتني سريعا ، حملت السلاح مجدداً ، وصعدت إلى قمتي أقاتل وحدي .. كلما قاتلت انتصرت ، أعود سريعا إلى الأنقاض .. أسمع ضحكات الصغار وثناء زوجتي ..

 

كلنا في سعادةٍ غامرة ، انظر إلى قرص القمر .. أراه مبتسما ، بينما تبدأ أشجار الأرز في الاخضرار والنمو من جديد ..!!

 

***

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home