مقال

 

تأملات في ثالوث : الإنترنيت ، التعليم والقيم .

حميد هيمة



 

 

  

 

تحاول هذه الورقة الاقتراب من العلاقة الممكنة ، في وضعنا الراهن ، من ثالوث : الإنترنيت ، التعليم و القيم . كما تحاول رسم ممكنات الانفلات من الضغط العولمي على صعيد ثورة المعلوميات. بل وطرح آليات لتوظيف الثورة المعلوماتية ، من موقع إيجابي  ، في تحسين وضع التعليم وتجويده .

 

 

  إن إنشاء مواقع ومدونات لمادة الاجتماعيات – كنموذج للمواد الحاملة للقيم - بمواصفات  تقنية معينة وأهداف تربوية وتعليمية محددة ، ليس ترفا إلكترونيا يروم مسايرة / اللحاق بموجة  المعلوميات .   وليس ، أيضا ، استجابة لرغبات نفسية عابرة . بل إن هذه المبادرة ، أي إنشاء مدونات ومواقع إلكترونية ، تحتكم لمرجعية تعليمية ثابتة ، وهي :أولا ، تنويع  الخيارات التعلمية  أمام التلاميذ ؛ بدفعهم إلى ممارسة أنشطة تعلمية من خارج أسوار المؤسسات التعليمية . وبالتالي ، ثانيا ، تقليص أوقات التلاميذ المخصصة لأنشطة غير ذات صلة بالتعليم . وثالثا ،  الاجتهاد من أجل كسب رهان تحديث تدريس المادة  وتجويد محتوياتها ؛ من خلال إعطاء الفرصة لأساتذة، من نفس التخصص ، في مناطق أخرى لمقارنة محتويات هذه الدروس  مع إنتاجهم الخاص و في ضوء تجربتهم المهنية . وهذا بالضبط ما تشير إليه “ التوجيهات التربوية لمادة الإجتماعيات –مارس 2005- “ في الفقرة الثانية ، بقولها : “ ربط العلاقات وتبادل الخبرات مع زملاء من نفس التخصص...“  .

 

علاوة على كل ما سبقت الإشارة إليه ، في باب  دواعي إنشاء مدونات ومواقع خاصة بالمواد الحاملة للقيم ،  نضيف على  أن هذه المبادرات مؤطرة بسياق تربوي  عام يحض ، من خلال وثائق  مرجعية متعددة ، على ضرورة استيعاب المواد الدراسية للتطورات الإيجابية في مجال المعلوميات . في هذا الصدد ، تشدد التوجيهات التربوية ، الخاصة بمادة الإجتماعيات ، على ملحاحية توظيف الإنترنيت “´نظرا لما يوفره من وسائل تسهل تحقيق الأهداف وتنمية الكفايات المتوخاة من النظام التعليمي “ –ص24-. وتستطرد ، ذات الوثيقة ، في توصيف وتفسير إيجابيات القيمة المضافة من استخدام الانترنيت في تدريس التاريخ والجغرافيا. فهو ، أي الإنترنيت ، يسمح للتلاميذ بالانخراط في عمل تفاعلي يسمح لهم ببناء ونسج علاقات مع تلاميذ آخرين في أفق تبادل التجارب والمعلومات ...الخ. كما أنه يوفر نافذة للمادة المعرفية يمكن أن تشكل رافدا لتجديد وتعزيز بنك معلومات الأستاذ.

 

إن بناء تعلمات غير صفية وإعداد مختلف الواجبات المدرسية في البيت ، تقتضي التوفر على  مصادر ومراجع يوفرها الإنترنيت بسلاسة  ودون عناء كبير . وهذا التنوع والكم في الوثائق يدفع التلميذ  إلى ضرورة اختيار المناسبة منها ؛ باعتماد المقارنة والتمحيص  والنقد.

وبذالك ، فإن توظيف الانترنيت يسهم في بناء كفايات متعددة : معرفية ، منهجية ، تكنولوجية ...الخ.

 

 والجدير ،هنا، أن مجال المعلوميات ، الذي شهد  ثورة غير مسبوقة  تمخض/ ترتب عنها ، أي ثورة المعلوميات ، نتائج انعكاسات قيمية وثقافية ...الخ.  تهدد النسق الثقافي والقيمي السائد بالاندثار ؛ أو تحكم عليه ، في أحسن حال ، بالتبعية . وهو ما  يضرب في العمق  أساس وجود المدرسة العمومية ، الموكول إليها رسميا ، من خلال الميثاق الوطني للتربية والتكوين ، في باب المرتكزات  الثابتة  - المادة الثالثة  ما يلي :“ يستهدف- النظام التربوي- حفظ هذا التراث وتجديده ، ويقصد التراث الحضاري والثقافي للبلاد “. وهنا نطرح السؤال اللينيني : ما العمل لجعل المدرسة العمومية في الصفوف الأمامية لمواجهة تنميط القيم : عولمة قيم  السوق والاستهلاك والأنانية ...؟

 

 

وفي تقديري الشخصي ، فإن التصدي لذالك يستوجب فتح نقاش عمومي على أرضية إعادة الإعتبار للمدرسة العمومية وأدوارها . كما  يقتضي وجوبا إعادة صياغة تمثلاتنا  القبلية على مايسمى بالمواد “ الأدبية“ ؛ لأنها ، كما أريد لنا أن نفهم ، مواد لا تستجيب لمتطلبات سوق الشغل . لكن ، ماذا لو قلبنا  السؤال ، ربما حتى يسير على رجليه بدل رأسه ، أ ليس سوق الشغل المحلي هو العاجز عن استيعاب خريجي الجامعات ؟ ومشروعية هذا السؤال تتأسس على طبيعة البنيات الطبقية الما قبل الكولونيالية ، والبرجوازية المغربية  تحديدا ، التي لم تستطع تحقيق استقلالها  لا عن السلطة الحاكمة ، ولا  عن البرجوازية الفرنسية : إنها بورجوازية (المغربية ) هجينة ومترددة ، تمتلك الرأسمال ، بصرف النظر عن مصادره وطرق مراكمته ، لكنها ، في المقابل ، تفتقد للجرأة و روح المغامرة . وهذا ما يفسر انسداد سوق الشغل المحلي . فضلا عن العامل الموضوعي المتمثل في طبيعة ” التنمية“ و “ التطور“ ، الذي يتم تسويقه  من لدن النظام الرأسمالي العالمي ؛ والذي لا يعمل إلا  على عولمة البطالة والحروب . وبكلمة واحدة  إفقار الفقير و إغناء الغني بكل الوسائل .

والمؤسف أن هناك رؤى تحاول القفز على جوهر الإشكالية ، تحث مسوغات مختلفة : نشير فقط إلى قضية خوصصة التعليم ، وبالتالي جعل المعرفة تحت رحمة تجار السوق “الوطني “ و الدولي .

 فكيف يمكن تسليع المعرفة والتعليم ؟ أليس من شأن ذالك حرمان أبناء الفئات الاجتماعية المسحوقة من التعليم ؟ ثم هل انتهى دور المدرسة كقناة للترقي الاجتماعي من جهة ،ومن جهة ثانية  صيانة التراث الحضاري والثقافي وتحديثه  ؟ ومتى كانت المدرسة متخصصة في إنتاج روبوات بشرية سيقذف بها  لاحقا إلى المعامل إن وجدت أصلا ؟ 

ومن الثابت ، أن هناك أسئلة أخرى عميقة يمكن أن تتفسخ – تتناسل عن الإشكال المركزي للمسألة التعليمية بالمغرب ، لكننا سنحجم عن إثارتها  وسنؤجل النظر فيها إلى فرصة أخرى.

وإذا كنت لا أملك إجابات قطعية حول الأسئلة المثارة أعلاه ، فإنني ، على الأقل ، أمتلك تصور أولي عن العلاقات المفترضة ، في الشرط الراهن ومن موقع –ي- الآني ، بين ثالوث  : الإنترنيت ( كآلية لتسييد قيم  النظام العولمي )  والتعليم (مادة الاجتماعيات كنموذج للمواد الحاملة للقيم: اللغات ، الفلسفة...الخ) ثم النسق الثقافي ( كتعبير عن الذات الحضارية )، مفاده : أنه في ظل الهجمة النيوليبرالية  ؛ التي تتوفر على ميكانيزمات هائلة لتمرير قيمها ولتحقيق مراميها العامة، و في ظل شرطنا الراهن ؛ المتسم بالضعف والقريب من وضع الانهيار الشامل نتيجة حالة الاستسلام .في ظل كل ذالك ، يمكن للمواد الحاملة للقيم ، الجاري تبخسيها الآن ، أن تلعب دورا محوريا  في صد الاختراقات الثقافية السلبية ، وأن تساعد على  تأهيل قيمنا الثقافية  في أفق التفاعل الإيجابي و الذكي مع كل الثقافات الإنسانية  . والملفت أن هذا القلق عكسه “ الكتاب الأبيض “ ،بشكل واعي ، حينما أشار إلى الدور التكويني و التثقيفي  الذي تلعبه المواد “ الأدبية “ : في صناعة  صنف من الأطر المبدعين والمؤهلين لأعمال ومهن تشكل مكونا أساسيا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي للمجتمع المغربي(الأستاذ، الأديب، الشاعر، القاضي، المحامي، المسير، المثقف، الكاتب، الإعلامي، الصحفي، الخ)“.

وإذا كان لزاما أن نقدم مرافعة تنتصر للمواد الأدبية في وجه كل المشككين، على اختلاف خلفياتهم المضمرة أو المعلنة ، فإننا لن نجد أحسن مما قدمه “ الكتاب الأبيض “ ، في معرض دفاعه عن المواد الادبية ، ومنها :  الأدب ، الفلسفة ، التاريخ ، الجغرافيا ...الخ.

“- فالأدب  ينمي، من خلال علوم اللغة التي يتضمنها، القدرات الخطابية والتواصلية، وينمى من خلال المضامين الإبداعية النثرية والشعرية الحس أو الذوق الجمالي ويطبع الشخصية بطابع اللطف والتعامل المتحضر والراقي؛

-  الفلسفة تنمي القدرة على التفكير الشمولي المستقل، وتحليل الواقع المعيش بالمماثلة مع تحليلات الفلاسفة لواقعهم عبر تاريخ الفلسفة، كما تعلم التفلسف عن طريق الاتصال المباشر بإنتاجات الفلاسفة الكبار ومعايشة التجارب المذهبية التي قام بها أولئك الفلاسفة؛

-  التاريخ يصون وينمي ذاكرة الإنسانية التي تختزن تجارب الشعوب والأمم والحضارات، ويتيح إدراك وفهم البشرية وصيرورتها عبر الزمن إلى نقطة الحاضر، وينمى الوعي بالزمن، ويعلم التفكير في الزمن كمعنى لوجود الإنسان وكحركة وسيرورة يعطى لهما اتجاه، ويعلم الحس النسبي وحس التوقع والتبصر وروح التسامح والتواضع والانفتاح على الأخر؛

-      الجغرافيا، باعتبارها موقعة الأحداث في المكان وفهمها أو إدراك التنظيم الفضائي لحياة الإنسانية على سطح الأرض، تنمي القدرة على التوجه ذهنيا في المدن وعلى تحديد مواقع الأحداث وتوزيع الثروات الطبيعية وأنظمة الإنتاج والمبادلات التجارية، وتمكن من إدراك التشابهات والاختلافات بين التنظيمات المدنية “ مقتطف من الكتاب الأبيض .

أما بعد ،

فإنه يلزم ، من الآن فصاعدا ، إعادة الاعتبار ، من الموقع الرسمي والشعبي ، لهذه المواد . والاجتهاد من أجل تجفيف تمثلاتنا السلبية عن المواد المشار إليها أعلاه وتصحيحها بما ينسجم مع شروط ورهانات المرحلة. كما يقتضي ، أيضا ، التخلص من النظرة الانحطاطية التي كان ( ولا يزال )  ينظر بها إلى الآداب..“ – الكتاب الأبيض -

أما كيف يمكن تحقيق ذالك ؟ فالجواب يبقى متوقف بمدى اقتناعنا بهذا التصور ، ومشروط بقدرتنا  على  التفكير والتأمل ، بشكل جماعي ، في مثل هكذا أسئلة. كما يقتضي تطليق  الاستسلام والقدرية  و عدم تبخيس مجهود الآخرين في التفكير ...اخ.

 فهل نحن فاعلون ؟

 

 

في أبي الجعد ، إقليم خريبكة ، جهة الشاوية ورديغة-المغرب  2007

  

 

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home