القلم العلمي

 

حديث عن الحرية والمجتمع المدني

المهدي عثمان




في البدء كانت الكلمة ... كان الكلام ... وكان اللسان ...
واللسان ليس كما شاع تعريفه بيننا على أنه تلك القطعة من اللحم الزائدة التي تلغّ في الأفواه.
فاللسان هو مجموع العلامات والروابط المكوّنة للكلام . فهو متعال عن الأفراد لأنه من إنتاج المجتمع . في حين أنّ الكلام هوّ الاستعمال الفردي للسان والمتمثّل في اختيار الفرد لمجموعة من العناصر، وربطها وفق علامات فكريّة واجتماعيّة ونفسيّة .
فإذا سلّمنا بالأهميّة الكبرى التي للدراسات اللسانيّة المعاصرة في الكشف عن طبيعة اللغة واللسان، وتعيين وظائفهما بما جعل هذا التوجّه الجديد مؤشرا على حدوث ثورة كوبارنيكيّة في معالجة مسألة اللغة ... فإنه لا يترتّب عن هذا التسليم الإقرار بأنّ اللسانيات ( علم اللغة ) قد تمكّنت فعلا من اسْتنفاذ ما يجب أنْ يقال عن هذا الذي أعتبر به الإنسان إنسانا، منذ أنْ أعلن فلاسفة الإغريق عن حقيقة الإنسان باعتباره كائن اللوغوس ( كائن عاقل ) . بمعنى أنّ الإنسان هوّ الكائن الوحيد المتمتّع بصفته تلك. حتّى وإنْ أثبتت اللسانيات أنّ بعض الحيوانات التي تعيش في مجموعات لها لغتها الخاصة ( النمل .. النحل.. )
ولعلّ المنعطف الذي شكّلته البحوث اللسانيّة السوساريّة وما بعد السوساريّة، والذي سمح لها بإنتاج قول مخصّص على الألسن البشريّة، قد كان في نفس الوقت منطلقا لمحاولة البلوغ بهذا القول إلى مستوى الحقيقة العلميّة .
وباتّخاذ موقف نقديّ إزاء بعض مبادئه النظريّة، وصياغته الإبستمولوجيّة إلى ما صاحبه من صمت وما لازمه من آليات إقصاء واسْتبعاد وتهميش .
وإذا مثّلت اللسانيات دعامة من دعائم الإنثروبولوجيا الجديدة، فإنّ المشروع الأنثروبولوجي بما هوّ اسْتنطاق للواقع الإنساني واسْتشراف لمعالم رؤية جديدة للإنسان، فإنه مرتبط بالمساءلة الفلسفيّة التي انطلقتْ مع اللحظة الأفلاطونيّة في محاورة " كراثيل " .
وتواصلتْ حاضرة حضورا ملحّا فــي كتابات " هيدغيــر " الفلسفيّة وبحوث
" فتجنشتاين "، وتحاليل فلاسفة اللغة. وقد تسلّحوا بعلم المنطق المعاصر في محاولة اقتحام حصون اللغة الحصينة .
كما تَبيّن أنّ موضوع اللغة لا يختصّ به اللسانيّ ولا المنطقيّ ولا الفيلسوف... بل تزايد الوعي بأهمّية هذا الموضوع وبضرورة معرفته معرفة دقيقة، والتي تعمّق الإحساس بأنّ الفلسفة كرؤية متجدّدة للعالم لها شرعيّتها في الكشف عن مفاجأة اللغة، وفي إقامة ضرب مـن ضروب الجدليّة بين ما تُقيمه الدراسات الموضوعيّة ( الألسنيّة ) وما بإمكان الفلاسفة الاهتداء إليه، بالبحث في الكلمات وبالكلمات .
... هذا بغرض الكشف عن علاقة اللغة بالذات وعلاقة الذات بالآخر وبالعالم .
ولاحظوا كيف أنّ اللسانيات والفلاسفة وحتّى الكتاب والشعراء، ركّزوا على اللغة أكثر من " اللسان "، باعتبار أنّ اللسان هوّ صناعة منظومة اجتماعية شاسعة وممتدّة في المكان والزمان .
أمّا الكلام فهو الاستعمال الفردي للسان.. استعمال تحضر فيه الذات المتكلّمة وذات / ذوات المخاطب والعالم المادي والرمزي .
فالحديث عن اللسان هنا، حديث عن العلاقات المنطقيّة والاعتباطية التي تربط الدوال بالمدلولات . كما يتعلّق الأمر بالعمر الكرونولوجي للسان والظواهر الاجتماعية والسياسيّة المؤثّرة في اللغة واللسان .
ومن ضمن هذه الظواهر الاجتماعية والسياسيّة، مفهوم " الحريّة ".
فالكلام باعتباره الاستعمال الفرديّ للسان، يحتاج إلى هامش من الاستقلالية والحريّة، والتي تسْمح له بالتعبير عن ذاته المتكلّمة كما تريد وكيفما تريد وأينما تريد. فلا يمكن ـ حتما ـ الحديث عن تعبير حقيقي عن الذات المتكلّمة، إلا إذا تحقّقت لها تلك الحريّة المطلقة لتقول ما تشاء .
لكنّ مفهوم الحريّة مفهوم من الصعب تحديده، وإنْ توفّرت النوايا الحسنة، باعتباره من المفاهيم " القيميّة " التي تتوفّر على كمّ هائل من الزئبقيّة والمراوغة .
لهذا نسْأل، هل من الضروري أنْ نضع تعريفا للمفاهيم وللقيم مرّة واحدة وإلى الأبد ؟
ومن له كامل الأحقّيّة والمشروعيّة ليضع هذا التعريف ؟
ثمّ ما هيّ الشروط الواجب توفّرها في الشخص أو الهيئة أو اللجنة التي تقوم بهذا العمل ؟
وإنْ تمّ الاتفاق على تعريف موحّد، هل سيكون حائزا على أغلبيّة الأصوات ؟ وهذه الأصوات التي تبنّتْ هذا التعريف، هل ستبْقى محافظة على نفس موقفها ؟
    إذن، في تناولنا لهذه الإشكاليات، من الضروريّ وضع مقولة " توماس هوبز " على طاولة التشريح :
" صحيح أنّ كلّ فرد يتمتّع خارج المجتمع المدني بحريّة تامة غيْر منقوصة، ولكنّها حريّة غير مثمرة ".(1)
بمعنى ؟
بمعنى لا بدّ أنْ تتنزّل الحريّة " الحقّة " ضمن المجتمع المدني، وإلا كانت هذه الحريّة هيّ الشرّ المتأصّل في الإنسان والرغبة في الهيمنة على الآخر .
إذن تمّ الاتفاق في أدبيات " هوبز " على أنّ الحريّة يجب أنْ تُقنّن وتوضع لها الشروط المثلى لننعم بحكمتها .هذه الشروط هيّ التي يفرضها ما يسمّى المجتمع المدني .
اتضح إذنْ في ملامسة أولى لخيوط الأفكار أنّ المجتمع المدني هوّ الذي يتمتّع بكامل الحريّة ليضع تعريفا " للحريّة ".
فما المجتمع المدني ؟
من / ما هي الأطراف الفاعلة فيه، والتي لها كامل القدرة على التعامل مع مفهوم الحريّة ؟
وهنا نلتقي مع الإشكال الذي طرحناه سابقا :
من له كامل الأحقيّة ليضع تعريفا للحريّة ؟
    إنّ المجتمع المدني مفهوم اتّضحتْ معالمه وخطوطه الكبرى والدقيقة مع الفيلسوف الإيطالي " أنطونيو غرامشي ". بعد أنْ تعرّض له بالطرح كلّ من الفيزيزقراطيين خلال القرن 18 بفرنسا، وعالجه هيجل وماركس . كما واصل الحديث عن هذا المفهوم العديد من المفكّرين والفلاسفة، لعلّ أهمّهم المفكّر الاجتماعي  السياسي الألماني " ماكس ويبرو " . والفيلسوف الأمريكي " جون روس " . 
فغرامشي، هوّ الذي بيّن معالم المجتمع المدني باعتباره المضمون الأخلاقي والأدبي والفكري للدولة .
وأوضح غرامشي أنّ الدولة تُقْدم عل تأسيس هياكل ومؤسسات متخصّصة، خاصة في مجاليْ المؤسسات التعليميّة والدينيّة بغرض دعم سلطتها ونفوذها وبسط هيمنتها التي هيّ بالضرورة هيمنة الطبقة الحاكمة أو المسيطرة على مدّخرات البلاد .
" لقد أصبح المجتمع المدنـــي عنده يعني قبل كلّ شيء ما فــــي البنية الفوقيّة مـــــن  مؤسسات فكريّة إيديولوجية يتمّ إنشاؤهــا واسْتعمالها لنشر الهيمنة الإيديولوجيّة "(2)
يُضاف إلى ذلك أنّ الدولة تسْتعين " بميكانيزمات " أخرى لتُثبّت تلك الهيمنة، كمؤسسة الشرطة والجيش والمخابرات وحتّى الهياكل الحزبيّة التي تتبنّى دور أجهزة الشرطة . هذا في الحالة التي يختلط في نفس الدولة المدني بالسياسي . بمعنى " المطابقة بين الحزب والدولة "(3).
هذه المطابقة تحصل دائما في الدول الأكثر تخلّفا والأقلّ ديمقراطيّة. والتي عادة ما يسيطر فيـها حزب واحـد على كلّ شؤون الحياة السياسيّة. ومـا عداه مـن أحزاب
" معارضة " أو هكذا تسمّى، ليست إلا ديكورا لتجميل المشهد السياسي. أيْ للاستهلاك الداخلي وتلميع صورة الدولة خارجيا.
" وفي هذه الحالة يتكلّم الحزب كما يتكلّم الأب المتسلّط باسم أبنائه، مع افتراض أنهم يفكّرون كما يفكّر، وبافتراض أنّ رأيهم المخالف هوّ بالضرورة مَسّ بشرعيّة سلطته " (4)
إنّ ما يحكم المجتمع المدني، هي المفاهيم التالية:
القانون + دولة
" فدولة القانون " تتشكّل عندما يكون القانون هوّ سيّد الأشياء. وأنْ لا شيء يمكن أنْ يعلو عليه.
وإنْ كنا نلاحظ الكثير من الخروقات في الدول المتخلّفة، خاصة من قبل أصحاب العائلة المالكة وأصحاب النفوذ المالي والسياسي .. وهم الذين يضغطون بطرق مختلفة لتغيير القانون أو تحويره أو تعديله أو حتّى إلغائه خدمة لمصالحهم.
وهذا يعني أنّ هذه المجتمعات مقنّنة ( يحكمها القانون )، ولكن هذا القانون يعدّ امْتدادا للصراع السياسي بين الطبقات أو بين الأحزاب.
عكس المجتمع المدني الذي يكون فيه القانون خاضعا لوفاق جماعيّ .
" فهذه المجتمعات المدنيّة تتميّز بأنّ لها أسسا ثقافيّة وحضاريّة واجتماعيّة وسياسيّة متّفق عليها ومقنّنة، ويعمل كلّ من الأطراف المعنيّة على احترامها
(... ) في حين أنّ في المجتمعات السياسيّة، القانون وراءه رجل الشرطة. وهذا ما يسمّيه بعض المفكّرين القانونيين "(5).
     هنا تحديدا يجب الحديث عن مفهوم " الاستقلالية "، باعتباره المفهوم الأهمّ / الأولي نحو الحديث عن مجتمع مدني. إننا لا يمكننا الحديث عن مجتمع مدني دون الإشارة إلى ضرورة اسْتقلال الفرد عن المجتمع، واسْتقلاله أيضا عن الدولة.
فالفرد هوّ الركن الأول لتأسيس دولة ما . وهو كذلك الكائن الموجود السابق على القوانين والتشريعات .
لذلك وحتما، يجب أنْ تُسنّ القوانين لخدمته. ثمّ أنّ هذا الفرد لا بدّ أنْ يتّصف بالإرادة والحريّة، ويدافع عن قانون يوفّر له حريّة التفكير والاجتماع والتحزّب، ويحمي حرمته الجسديّة ومسكنه وأسرته ومراسلاته و...
هذا دون أنْ ينصهر الفرد انصهارا كليّا في المجتمع، فيفقد خصوصياته وهويّته وشخصيّته.وإنها ينخرط في المجتمع كجزء من آلة. يلتزم وفق عقد أخلاقيّ أنْ يساهم في " تأسيس الجماعة المدنيّة وتأمينها "(6).
بالمثل يجب أنْ يحافظ الفرد على مسافة ما/ اسْتقلاليّة من الدولة باعتبارها مجموعة من المؤسسات التي تدعم سلطتها ونفوذها.
فالدولة إذا عمدتْ إلى سحق الفرد ـ وبالتالي المجتمع ـ تحت أجهزتها القمعيّة، فإنها ساهمت من حيْث لا تدري في الإخلال باسْتقلاليتها.
كيف ؟
من الطبيعي أنْ يقبل الأفراد هذا الوضع اللاديمقراطي لمدّة ما قدْ تطيلها قوّة أجهزة الأمن والرقابة . ولكن المدّة قد تنتهي وينتهي معها صبر المواطن على الدولة .
فيتظلّم ويشتكي للمنظّمات الدوليّة والحقوقيّة منها . وقد تتضاعف بالموازاة ولادة خلايا وتنظيمات إرهابيّة ذات بعد دينيّ أو طائفيّ. هذا طالما أنّ الحركات النقابيّة والحقوقيّة والتقدّميّة، في الداخل لا تجد متنفّسا للعمل والاحتجاج بفعل القمع الداخلي والحصار والتصفية.
فالفرد الذي تصبح حقوقه مهمّشة وغيْر مضمونة وملغاة، في ظلّ جهاز قانونيّ متَلاعَب بشرْعيّته ... هذا الفرد يعقد علاقات " تضامن " غيْر مقنّنة مسْبقا
( اعتباطيّة ) مع أفراد آخرين، بغرض التصدّي لهذا الوضع عبْر العصيان ومن ثمّ " الثورة " التي تولد كحالة " تضامن " مقنّنة وغيْر اعتباطيّة. " فثورة ما ممكنة، عندما يُصاب الوضع القانوني بأزمة تسْمح للوضع اللاقانوني بالظهور والاشتغال " كما يبيّن ذلك فتحي المسكيني .
     إذن، نؤكد ثانية أنّ " الاستقلالية " يجب أنْ تتوفّر في علاقة الفرد بالمجتمع وبالدولة .
لأنّ هذا الهامش من الاستقلالية قد يسمح لكلّ طرف من الأطراف الثلاثة أنْ تؤدّي واجبها وفق القانون .وتقوم بواجباتها ـ بالمثل ـ وفق القانون .

     فالمجتمع المدني إذن، وحسب الأستاذ الصادق بالعيد " هوّ مجتمع يعيش فيه أعضاء في مسالمة في ما بينهم، والمبدأ الثاني هوّ أنّ المجتمع المدني يرتكز على الوفاق الاجتماعي وفي آن واحد على مبدأ الاتزان و (مع) هذا المجتمع... " (7)هذا المجتمع السياسي يجب أنْ يكون في خدمة المجتمع المدني، فيساعد على فصل السلطات الثلاث ( التشريعيّة ـ التنفيذيّة ـ القضائيّة ) وفصل الدولة عن الحزب الحاكم.
ويسْهل بالمثل تطبيق القانون الذي هوّ قانون مرسوم حسب " وفاق جماعيّ ".
بتفكيكنا لمفهوم المجتمع المدني، نعود لنسأل:
من / ما هيّ الأطراف الفاعلة في المجتمع المدني، والتي لها كامل القدرة والمشروعيّة لتضع مفهوما للحريّة ؟
إنّ طرحنا لهذا الإشكال، يحيل إلى مزالق خطيرة أخرى، لعلّ أهمّها إقرارنا أنّ مفهوم الحريّة مفهوم لم يتحدّد بعد . أو هو مفهوم متعدّد التعريفات . أو هوّ مفهوم نحتاج إلى تعديله كلّ مرّة.
فهل هذه الفرضيات صحيحة بحيث تقف ضدّ ثبوتيّة ما اعتنقْناها، مقرّينا بأنّ مفهوم الحريّة وقع تحديده، وأنّه ثابت لا يتغيّر .
إنّ الأطراف الفاعلة في المجتمع المدني، والتي لها كامل الأحقيّة في تحديد مفهوم الحريّة، هوّ الفرد نفسه.
وبالعودة إلى مقولة " هوبز " مرّة أخرى: " صحيح أنّ كلّ فرد يتمتّع خارج المجتمع المدني بحريّة تامة غيْر منقوصة، ولكنها حريّة غيْر مثمرة " ... بالعودة إلى هذه المقولة، يتأكّد مما لا يدع مجالا للشكّ أنّ " الحريّة التامة ( و ) غيْر المنقوصة " يتمتّع بها الفرد خارج أطر وقوانين المجتمع المدني . بمعنى أنّ الحريّة داخل منظومة المجتمع المدني، هيّ حريّة غيْر تامة ومنقوصة.
فما الذي يجعل هذه الحريّة كذلك ؟
رغم أنّ العاميّ يعتقد أنّ الحريّة ستزداد اكتمالا بوجودها ضمن المجتمع المدني.
إنّ المجتمع المدني، يفترض وجود ما أسْميْناه " بالاستقلالية ". هذه الاستقلالية تفرض مسافة ما بين المواطن والمجتمع والدولة.وهذه المسافة، ما يجعل منها كذلك ويُبْقيها عل حالتها الطبيعيّة تلك، هو القانون.
القانون المكتوب ( الوضعي أو الإلهي ) والقانون الأخلاقي ( يعني وقع الاتفاق عليه اجتماعيا، دون أنْ يُدوّن ).
فالقانون المكتوب أو الأخلاقي، هو الذي يحدد تلك المسافة وشروطها ودوامها. وهي مسافة تختلف من مجتمع إلى آخر ومن طبيعة إلى أخرى ومن زمن إلى زمن آخر..
فالمسافة التي تفصل تعامل المرأة مع الرجل في المجتمع الإسلامي ( الافتراضي أو الذي اُصطلح عليه كذلك ) مغايرة تماما للمسافة التي تفصل بينهما في مجتمع أوروبي.
أما طبقيّا، فنفس العلاقة مختلفة بينهما عند الفلاحين في الجنوب الزراعي أو الصحراوي، كما تختلف بين المواطن من طبقة دنيا ( الفلاح والعامل ) ونظيره الرأسمالي.
بالمثل تختلف هذه المسافة وتتغيّر بعبورنا في الزمن ( القرن الأول مثلا، والقرن 18، والقرن الحالي، و... ) فالعلاقة داخل روسيا القيْصريّة ـ مثلا ـ ليْست هيّ نفسها داخل الإتحاد السوفياتي، ولا هي نفسها الآن .
والمثال ينطبق على كلّ الدول تقريبا.
إذن، داخل كلّ شكل من أشكال النظم السياسيّة، تقع صياغة قوانين وتعديل أخرى وحذف بعضها لتتلاءم مع الوضع الراهن، أو بالأحرى لتخدم مصلحة الطبقة المسيْطِرة . مثلما يحصل الآن مع القوانين الخادمة لمصلحة الرأسماليّة .
وطالما أنّ حتْميّة الصراع، تفرض وجود طبقات أخرى خارج النسق السياسي الحاكم مهمّشة أو مبعدة، فإنّ هذه الأخيرة يفترض بها أنِْ تسْتجمع قواها لتدخل في صراع مع الطبقة المهيْمنة . بل هكذا تتوقّع الطبقة المسيْطرة على الدولة والمجتمع. 
إنّ هذا الافتراض أو التوقّع، يجعل من الطبقة الحاكمة ( الرأسماليّة حاليا ) تسنّ قوانين تخدم مصلحتها وتقف ضدّ مصلحة الطبقات والفئات الأخرى.ولو أدّى بها الأمر إلى الانقلاب على المبادئ والقيم التي قامت عليها، وقامت عليها المنظمات الإنسانيّة الأمميّة .من ذلك قامت عديد الحكومات العربيّة، بإصدار قوانين بالقوّة أو بالتحايل على القوانين، ضدّ الحركات الإسلاميّة السياسيّة. حتّى التي وصلتْ إلى السلطة بالطرق الديمقراطيّة المتعارف عليها .
بالمثل سعتْ بعض الأنظمة ذات التوجّه الإسلامي ( إيران مثلا ... ) باستصدار القوانين التي تحول دون ظهور أحزاب علمانيّة أو لائكيّة .
نخلص إلى القول، أنّ هامش الحريّة يزداد أو يتقلّص حسب الطبقة الماسكة بدواليب الدولة.
وإذا ثبت أنّ هذه الطبقة تمثّل الأغلبيّة، فإنّ القوانين التي سنّتْها تحافظ على نسبة من الشرعيّة، وأنّ الحريّة المتوفّرة وفْق هذا النظام وهذه القوانين، حريّة يمكن أنْ نقول عنها حسب هوبز،  " حريّة مثمرة ".
أمّا إذا ثبتَ العكس، أيْ أنّ الطبقة الحاكمة لا تمثّل الأغلبيّة أو فقدتْ مناصريها، مثلما هو الآن في الشأن العربيّ، فإنّ القوانين الجاري بها العمل، ليستْ شيئا آخر غيْر المحافظة على السّائد. هذا السائد ليبْقى، لا بدّ من تقليص هامش الحريّة لدى المثقف والفنان وحتّى المواطن العادي. وهذا ضدّ القول السائد، أنّ للحريّة مفهومها الخالد والأزلي والممتدّ في الزمان والجغرافيا .
فكيف نعرف هامش الحريّة مثلا ـ وفق هذه الثبوتيّة ـ عند مواطن لا يُسْمَح له بتمْجيد الليبراليّة، وهو في مجتمع إسلامي ؟ في حين لا يُسْمَح للآخر بتمجيد الفكر الديني والدعوة لولاية الفقيه، وهو في مجتمع علماني .
بالمثل لا يُسْمح للمواطن في المجتمع الاشتراكي ( السوفياتي مثلا والكوبي .. ) بالتباهي بالرأسماليّة، في حين يُقمَع غيره عندما يمدح الشيوعيّة.
فأيهم الحرّ من وجهة نظر القيم الإنسانيّة المطبّقة حاليا ؟
طبعا الإجابة واضحة . غير أنني أناقضها، وأعتبر أنّ كلّ فرد من أولئك هو حرّ وفق منظومة اجتماعيّة وسياسيّة محدّدة، خلقت نسقها الخاص وسنّتْ قوانينها.
إذا كانت الديمقراطيّة تعني في شكل من أشكالها، وصول حزب أو طبقة إلى السلطة بالانتخاب الحرّ، فإنّ هذا الشكل من الديمقراطيّة أوصل الأحزاب ذات التوجّه الرأسمالي إلى سدّة الحكم في أغلب أنحاء العالم.
وهذا الامتياز مكّن هذه الطبقات من سنّ القوانين وتأسيس المؤسسات التي تجعل الفرد داخل دولة ما يُمارس ما يسمّى " بالحريّة " داخل ذلك النسق السياسي.
نفس الشكل الديمقراطي الذي تتباهى به الأنظمة الرأسماليّة أرسته أنظمة أخرى. على غرار إيران وفلسطين والجزائر . فأوصل الحركات السلفيّة إلى الحكم بنفس الشكل الانتخابي المعترف به دوليا .
إذن، لماذا نصبغ صفة " الديمقراطيّ " على الحزب العلماني أو اللائكي أو المسيحي. في حين نسحب تلك الصفة من الأحزاب ذات التوجه السلفي ؟
سؤال لا أعتقد أنّ الإجابة عنه من السهولة بحيث يمكن تفكيكه لإشفاء غليلنا .
مع ذلك يمكن أنْ نفهم هذا التحامل الدولي على تلك الحركات وتلك الدول.
نحن هنا لا ندافع عنها أو نشرّع لها، إلا أننا وفق السياق الديمقراطي المتعارف عليه لدى الأنظمة الليبراليّة، أمكن لتلك الحركات أنْ تفتكّ شرعيّة ما، بالاعتماد على القاعدة الجماهيريّة... العنصر الأهمّ لتوجيه مؤشرات صندوق الاقتراع .
فهل " الحريّة " داخل النسق السياسي " الإسلامي " ليست هيّ نفسها خارجه ؟
وهل " الحريّة "داخل النسق السياسي الشيوعي سابقا، ليست هي نفسها خارجه ؟
بالطبع ليست هي نفسها، لكن أيّ هذه الأشكال من " الحريّة " هي الأفضل ؟
من السهل أنْ أجزم أنّ الحريّة داخل الشكل الليبرالي / البرجوازي هي الأفضل.
في الوقت الذي يقرّ آخر أنّ الحريّة داخل الشكل الإسلامي للحكم هي الأفضل. وثالث يدافع عن حريّة داخل الشكل " الشيوعي " للسلطة.
مع العلم أنّ الفرد داخل تلك الدول هو الذي أوصل تلك الأحزاب إلى السلطة. البعض سيتحدّث عن مؤامرة أو اسْتبداد أو اسْتغفال للشعب. وأنا أتحدّث عن مؤامرات أخطر واسْتغفال أشدّ تقع داخل الأنظمة التي تدعي أنها من يطبّق المفهوم الحقيقي للديمقراطيّة.
لا بدّ إذن من إخضاع الأشكال المختلفة للحريّة إلى مبدأ " الاستقلالية ". بمعنى هل يتمتّع الفرد داخل تلك الأنظمة ( الليبرالية ـ الشيوعيّة ـ السلفيّة ) باسْتقلاليّة ما تجعله يترك مسافة بينه وبين المجتمع من جهة، وبين الدولة من جهة أخرى ؟
إنّ هذه الأنماط الثلاثة من الحكم ظلّت في صراع منذ 1917 بانتصار الثورة البلشفية التي تزامنت مع وجود شبه رسمي للنظام السياسي الليبرالي، وهو صراع قوامه " الطبقيّة ".
في حين كانت التنظيمات السياسيّة الدينيّة لا تزال غيْر معلنة أو ليس لها ذات الوجود المؤثّر.رغم وجود الخلافة العثمانيّة ذات المعالم الدينيّة. مع ذلك ليست دولة دينيّة .
لذلك فالحركات اليساريّة حين تمارس " عنفا " ما ضدّ الدولة، إنما تسعى لآفتكاك شرعيّة ما أو حقّ ما تعتبره هوّ الحقيقة .وأنّ ما تمارسه الدولة تلك، ليس شيئا آخر غيْر الاستبداد والقمع ضدّ  رعاياها .
بالمثل ما تفعله حركة دينيّة داخل دولة ما وضدّها، إنما هو " حرب مقدّسة " و
" جهاد " يراد به ومن خلاله امتلاك حقيقة ما.
ونفس الشيء لمّا تعمد دولة ما إلى تصفية معرضيها من الإسلاميين أو من الشيوعيين أو من العلمانيين بتعلّة " الإرهاب " أو " الانفصاليين " أو " المرتدّين" و" الكفرة " .
ولن أذهب مع فتحي المسكيني بالقول " أنّ خطر الأصوليّة هو في أنها تُنازع الدولة القانونيّة من خارج أرضيّتها الخاصة "
صحيح أنّ خطاب الأصوليّة متعال وغيْر منطقي، مستمَدّ من مرجعيّة غيْبيّة لاهوتيّة، وأنّ الخطاب العلماني يسْتمدّ أصوله من العقل " العلمي " الواقعي .ّ
إلا أنّ المؤاخذة تعود على " دولة القانون "، تلك التي لم تستطع إلى الآن فتح أفق الحوار مع التيارات الدينيّة، باعتبار أنّ هذه الدولة لم تعد " دولة الحقّ "التي تمنح للمواطن كلّ أشكال الحقّ الطبيعي، وتحدّد بدقّة حكم الدولة.
فالحقّ الطبيعي المؤسس لدولة الحقّ، هوّ الذي يمنح إمكانيّة ما لفتح حوار مع كلّ فرد داخل الدولة، مهما كانت إيديولوجيته وقناعاته .
وهذا تحديدا ما سبق وأنْ أشرنا إليه تحت مفهوم " الاستقلالية ". هنا استقلاليّة الفرد عن الدولة .
هذه الاستقلاليّة ـ التي لم تتوفّر عليها الأنظمة العربيّة الآن ـ هي التي ساهمت وستساهم في خلط الأدوار وضياع " الحقّ " وارتباك مفهوم الدولة. وبالتالي هشاشة القانون وتضاعف " الاجتهاد " ( وفق المعجم القانوني وليس وفق المعجم الديني ) لتعريف مفهوم الحريّة .
هذه الاجتهادات المختلفة التي تكون قانونيّة حينا وأخلاقيّة أخرى وثقافيّة ثالثة، تجعل من الممكن ظهور نواة للعنف الفكري، ومن ثمّ العنف المادي .
هذا العنف الذي يتطوّر نحو مفهوم الإرهاب .
فالعنف الذي يراد به افتكاك مكاسب معيّنة، قد يتطوّر نحو إرهاب، يراد به تدمير الدولة... أي تغيير طبيعة الحقّ الذي يحدّد وجود الأفراد داخل الدولة، وبالتالي تغيير مفهوم القانون أو ضربه.
     إنّ القول أنّ الحريّة مفهوم تمّ تحديده نهائيا، إنما هي محاولة سافرة ومشبوهة، يراد بها ترسيخ قيم ومفاهيم رأسماليّة ذات أهداف يراد بها السيطرة والهيمنة على العالم. وهذا ما تمّ الترويج له عبر الكتابات الأخيرة لفوكياما و همنغتون وتمّ تدعيمه عبر الأدبيات التي تمرّر مفهوم " العولمة " باعتبارهــــا  " إقصاء للخصوصيّ " (8)
إنّ الشكل التوحيدي للمفاهيم ( الإرهاب ـ العولمة ـ الحريّة ـ الديمقراطيّة ...) ضيّق على المثقف إمكانيات المناورة والصراع . خاصة أنّ هذه المفاهيم جاءت مسْقطة، ولم نساهم في تقديم الأفكار والمقترحات التي من شأنها أنْ تقرّب هذه المفاهيم أكثر إلى واقعنا.
فهل يمكن للمثقف الآن أنْ يطرح بديلا لمفهوم الحريّة السائد ؟ أم أنّ محاولاته قد تصطدم بمفاهيم أخرى تحدد مجالات القول ودواعيه ؟ وهل أنّ اللسان العربيّ قادر الآن على صياغة تلك المفاهيم ؟
أسئلة لا أعتقد أنّ الإجابة عنها من السهولة بحيث يمكن إضافتها لهذا المقال، غير أنه من الضروريّ الإشارة إلى أنّنا حرّكنا المياه الراكدة لمفهوم الحريّة باعتباره ـ حسبما يشاع ـ ذلك المفهوم الذي لا يتغيّر.
 

 

 

 

 

 

الهوامش :
1 ـ عبد الرحمان التليلي، " الحق كإقصاء للعنف"، علم الفكر، المجلّد 31ـ العدد 4 ـ أفريل 2003، ص 70 .
2 ـ الطاهر لبيب، المجتمع المدني ( مجموعة من الكتاب )، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان/ فرع حمام الأنف، دار صامد للنشر والتوزيع، ص 9.
3 ـ نفس المصدر السابق، ص 10 .
4 ـ نفس المصدر السابق، ص 10 .
5 ـ الصادق بالعيد، المجتمع المدني (مجموعة من الكتاب)، الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان / فرع حمام الأنف، دار صامد للنشر والتوزيع، ص 26. 
6 ـ عبد العزيز لبيب، المجتمع المدني( مجموعة من الكتاب )، الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان/ فرع حمام الأنف، دار صامد للنشر والتوزيع، ص 35.
7 ـ الصادق بالعيد، نفس المصدر السابق، ص 20 .
8 ـ صادق جلال العظم، " ما العولمة "،دار الفكر المعاصر، ط 2 ـ 2002 ، ص 86 .


 




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home