القلم السياسي

 

دولة وقدس ولاجئون وكفاح مسلح (ج2)

حسام أبو حامد



"ثورة المستحيل"

 

صدرت عن المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته الرابعة عام 1968 م، جملة من القرارات والتوصيات كان أبرزها، رفض قرار الأمم المتحدة 242 الصادر في تشرين الثاني 1967 م وكافة أشكال التسوية مع إسرائيل، كما أكد المجلس على التمسك بخيار الكفاح المسلح لتحرير كامل التراب الفلسطيني، ودعا المجلس إلى تشكيل قيادة عسكرية مشتركة تحت مسمى (قيادة الفدائيين العليا). بالنسبة للتسوية وقبول قرارات الأمم المتحدة لاسيما 242  فإنها ستندرج طويلاً في عداد المحرمات الوطنية. أما فيما يتعلق بالقيادة العسكرية المشتركة فلن تطبق عملياً ليستعاض عنها بنوع من التنسيق الهش المعرض للانهيار، لاسيما في ظل التناقضات بين الحركات والفصائل الفلسطينية والتي كان أبرزها التناقض بين حركتي "فتح"  والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ثاني أكبر الفصائل الفلسطينية.

 

        كانت "فتح" قد قدمت نفسها كحركة لا كحزب سياسي، وتسلحت بفلسفة تجريبية لا عقائدية. ومع هذا الحياد العقائدي لم تقدم "فتح" مضموناً اجتماعيا واضحاً للثورة الفلسطينية بل اختزلته في شعار" الأرض لمن يحررها". وبالرغم من توجهاتها الإسلامية حمل خطابها العديد من مفردات توصف عادة بالتقدمية. ورأت "فتح" أنه ليس هناك من يمين ويسار في المعادلة الوطنية طالما أن ممارسة النضال الوطني المتمثل في الكفاح المسلح غير معنية بهذا الفارق. وكانت هذه المرونة العقائدية كافية لتحيّر خصوم الحركة قبل أن تحير كوادرها، فوصفها البعض بأنها جماعة من اليساريين المتطرفين في مرحلة البدايات، وفي مصر نعتت بالإخوان المسلمين، وصنفت أردنياً في خانة "العملاء الناصريين". و لقيت حركة "فتح" رواجاً واسعاً بين الطبقات الفلسطينية الأكثر فقراً والتي غلب عليها طابع التدين، لكن هذا لم يمنع من احتضانها لشرائح واسعة من الكوادر ذوي التوجهات العلمانية واليسارية والقومية. واقتنعت حركة "فتح" أن التناقض الرئيس عملياً هو مع العدو الصهيوني وينبغي تأجيل التناقضات الثانوية إلى مرحلة لاحقة، فاختارت سياسة عدم التدخل في الشؤون العربية. واعتبرت أن تحرير فلسطين مسالة فلسطينية بامتياز، وأن الكفاح المسلح مبدأ استراتيجي لا مجرد مبادرة تكتيكية.

 

 أثرت مواقف "فتح" وتوجهاتها في مواقف الكثير من الحركات الفلسطينية الأخرى، فبعد أن كانت حركة القوميين العرب ترفض أسلوب الكفاح المسلح، اضطرت لاحقاً إلى تشكيل تنظيم مسلح عرف باسم "أبطال العودة" بعدما راحت كوادر حركة القوميين العرب نفسها تلتحق بقوات "العاصفة" الجناح المسلح لحركة "فتح". وسيشكل تنظيم "أبطال العودة" مع مجموعات أخرى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والتي ستمثل في حينه اليسار الفلسطيني. لم يكن برنامج الجبهة الشعبية يطمح إلى تحرير فلسطين وحسب، بل تقدم خطوة أخرى على هذا الصعيد حين ربط تحرير فلسطين بتحرير المجتمع العربي برمته. فجمعت الجبهة الشعبية، وهي التي انبثقت أصلاً عن حركة القوميين العرب، بين الأيدولوجيا الماركسية والقومية العربية. ورأت أن الكفاح ضد إسرائيل يستوجب الكفاح ضد الثورة المضادة. كما تشددت في رفضها لأي مسار أو تسوية سياسية باعتبارها انحرافاً عن خط الكفاح المسلح. وامتازت كوادرها بالانتماء إلى الطبقتين الوسطى والبرجوازية وكانت طروحاتها جذابة بالنسبة لعديد من المثقفين الفلسطينيين والعرب. وكان للإيديولوجيا التي تبنتها الجبهة الشعبية وللعنف الثوري الذي اختارته في عملها المقاوم دور في الحذر والريبة بل في العداء الذي تعاملت من خلاله بعض الأنظمة العربية مع الحركة، فقد شعرت هذه الدول أنها قادرة على التعامل مع "الاعتدال الفتحاوي" أكثر من رغبتها في تقبل ما اعتقدت أنه "تطرفاً" في عقيدة الجبهة الشعبية.

 

أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة، والتي انشقت عن الجبهة الشعبية، فقد ربطت الكفاح المسلح الفلسطيني وأسلوب حرب العصابات بجهد الجيوش النظامية العربية، وركزت على النواحي الفنية والتقنية في عملياتها وعدم التسرع في القيام بأي عمل فدائي قبل الإعداد الجيد له، فتميزت عملياتها بالنوعية العالية، لكن ذلك أوقعها أحيانا في التردد في خوض المواجهة والذي أثر على شعبيتها فترة من الزمن، كما حدث مع مجموعاتها الأولى في معركة "الكرامة" حين انسحبت من المخيم وتركت "فتح" تخوض وحيدة ما اعتبره أحمد جبريل حينها مغامرة غير محسوبة. رفضت القيادة العامة مبادرات التسوية وقادت إلى جانب الجبهة الشعبية ما عرف باسم "جبهة الرفض". وأعلن ميثاقها احترام القوانين والأنظمة الموضوعة في كل بلد عربي لكن ذلك بقي مشروطاً بألا يتعارض مع دور الجبهة في الكفاح المسلح، ورأت أن أي نظام عربي يحاول الحد من قدراتها ويمنعها من أداء مهمتها يعد في مصاف أعداء الثورة، فالتقت هنا مع الجبهة الشعبية في مفهومها حول الثورة المضادة.

 

الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والتي انشقت أيضاً عن الجبهة الشعبية، مثلت أحد مؤسسي ما عرف بالمعسكر البراغماتي في تاريخ الثورة الفلسطينية لكن دون القدرة على قيادة هذا المعسكر. وبالرغم من تمسكها بالكفاح المسلح وممارستها له فإنها انتقدت اعتباره أسلوباً وحيداً في النضال الوطني بدلاً من جعله أسلوباً رئيسياً، وشددت على ضرورة التوازي بين العمل الدبلوماسي والعمل العسكري، فانتقدت أسلوب خطف الطائرات وغيرها من العمليات الفدائية ضد أهداف إسرائيلية خارج الأراضي المحتلة والتي رأت أنها لا تحقق من المكاسب سوى أنها تتيح للدعاية الصهيونية تصوير الفدائيين وكأنهم جماعة من المجرمين. ودعت إلى تكوين جبهة أردنية فلسطينية تقدمية في وجه الصهيونية والرجعية العربية.

 

رأت "فتح" في سياسة عدم التدخل في شون الدول العربية تكتيكاً يراد منه عدم إعطاء الأنظمة العربية مبرراً إضافياً لضرب الثورة، و طالب هذا التكتيك بالمقابل بعدم تدخل الدول العربية في الشأن الفلسطيني. وكان الحفاظ على هذه المعادلة شبه مستحيل. و لم يستطع "الاعتدال الفتحاوي" أن يسيطر على الموقف بل إن الذي انتصر فلسطينياً في "أيلول " كان نظرية اليسار الفلسطيني ومفهومه حول الثورة المضادة. بينما ساد عربياً منطق التهديدات "الكيسنجرية" بتصفية أي نظام عربي يتساهل في تصفية الثورة الفلسطينية. وكان على منظمة التحرير و قواتها أن تخوض أول مواجهة عسكرية مع نظام عربي بعد تردد حال دون الاستعداد الكافي للمعركة. وكان عليها أن تخرج من الأردن بعد وساطة مصرية وعربية لتحط بكامل ثقلها العسكري والمؤسساتي في لبنان.

 

كانت أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان هي الأسوأ بفضل القيود الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي فرضتها القوانين اللبنانية عليهم. كما تشددت الحكومة اللبنانية حيال التواجد العسكري الفلسطيني على أراضيها فأصدرت على سبيل المثال قراراً منذ مطلع الستينيات يحظر على الفلسطينيين السفر إلى خارج الأراضي اللبنانية للتدرب على القتال ثم العودة إليه. لكن هذه الإجراءات لم تحل دون تواجد عسكري فلسطيني. وكانت الجماهير اللبنانية لاسيما في الجنوب أشبه بحاضنة اجتماعية للمقاومة الفلسطينية. لكن ماذا عن الحاضنة السياسية؟

 

 

بدأ التوتر في العلاقات اللبنانية الفلسطينية يتخذ منحى متصاعداً منذ العام 1969 م. وبدا أن محاولات تصفية الثورة الفلسطينية تسير في لبنان بالتوازي مع محاولات التصفية التي تجري في الأردن. ففي أواخر نيسان بدأت السلطات اللبنانية بمحاولات تصفية لقواعد الفدائيين في لبنان بل وللبنانيين الداعمين للمقاومة، فحاصرت قرى عيترون وعيناتا وبيت ليف والخيام واعتقلت شبابها من مناصري العمل الفدائي، إندلعت على إثرها مظاهرة كبرى واجهتها السلطات اللبنانية بالرصاص وسقط خلالها 11 شخصاً وعدد كبير من الجرحى، الأمر الذي أدى إلى تأزم الوضع الداخلي اللبناني وخلافات حادة داخل الحكومة اللبنانية. وفي 3 تشرين الثاني 1969 م وقع أميل بستاني قائد الجيش اللبناني وياسر عرفات في القاهرة اتفاقية حصل الفلسطينيون بموجبها على حق المقاومة وممارسة النشاط العسكري انطلاقا من الأراضي اللبنانية وبتنسيق مع الجيش اللبناني، لاسيما في منطقة العرقوب أو ما عرف إسرائيلياً ولبنانياً فيما بعد بـ "فتح لاند". واعتبرت هذه الاتفاقية الصيغة القانونية الوحيدة لتنظيم العلاقات اللبنانية الفلسطينية، لكن ذلك لم يمنع الاحتكام لصيغة أخرى.

 

أخطأت منظمة التحرير حين راهنت على اتفاق القاهرة وعلقت عليه الأمل بأن يجعل من لبنان قاعدة آمنة للكفاح الفلسطيني المسلح. بل كان عليها أن تدرك أنه ولد ميتاً، إذ أن هذا الاتفاق تم تحت ضغط عربي لاسيما مصري وسوري على الرئيس شارل الحلو، فعلى سبيل المثال أغلقت سوريا في حينه الحدود مع لبنان واشترطت قبل إعادة فتحها التوقيع على اتفاق القاهرة. كما أن الاتفاق أريد له أن يكون سرياً ولم يعرض على المجلس النيابي اللبناني بل كان موضع خلاف حاد بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، ولم يحظ لاحقاً بأي إجماع لبناني. لذلك تعامل عديد من الفرقاء السياسيين اللبنانيين مع هذا الاتفاق في ظل التطورات اللاحقة كأمر واقع ينبغي التخلص منه بعد أن فرض بفضل الضغط العربي وقوة السلاح الفلسطيني على دولة لبنانية ضعيفة.

 

منذ ذلك الحين ﹸشرع في صياغة ما اعتبر لاحقاً مسلمة لبنانية راهنت على ذاكرة مثقوبة، مفادها أن سبب ما تعرض له لبنان من تدمير إسرائيلي كان منظمة التحرير الفلسطينية و جزر الدولة الفلسطينية داخل الدولة اللبنانية. وفي الواقع لم يكن لبنان بعيداً عن الأطماع التوسعية الصهيونية، فعلى إثر حرب العام 1948 م احتلت القوات الإسرائيلية ما عرف بالقرى اللبنانية السبع. ووقع لبنان وإسرائيل في 23 آذار 1949 م اتفاقية الهدنة. وبعد انتصارها في العام 1967 م احتلت إسرائيل 11 قرية في خراج مزارع شبعا ومساحات من الهضبة الغربية والجنوبية لجبل الشيخ في الجزء اللبناني منه. وبعد إلغاء اتفاقيات الهدنة الموقعة من قبل إسرائيل مع كل من الأردن وسوريا ومصر، ألغت إسرائيل اتفاقية الهدنة مع لبنان من جانب واحد. وبالعودة إلى العام 1954 م فإن بن غوريون كان قد طلب من أركان حكومته تحريك الأوضاع في لبنان، والبحث عن ضابط لبناني مسيحي على استعداد للقيام بدور المنقذ للمسيحيين بهدف إقامة دولة مسيحية حليفة بعد أن تحتل إسرائيل منطقة الجنوب اللبناني وحتى الليطاني. لكن أوضاع المنطقة لاسيما حرب 1956 م حالت في حينه دون وضع المخطط حيز التنفيذ. وقد شهدت الفترة الممتدة مابين عامي 1949 م و1964 م أكثر من (140) اعتداء إسرائيلياً على الأراضي اللبنانية. وطيلة هذه المدة لا يمكن الحديث عن أي ثقل عسكري فلسطيني حقيقي في لبنان.

 

        بدا أن ما طرح على أركان الحكومة في عهد بن غوريون واقعياً من ناحية التناقضات اللبنانية ومن حيث مواقف بعض المسيحيين اللبنانيين التاريخية الخارجة عن مواقف الأكثرية الوطنية اللبنانية من مسيحيين ومسلمين. ففي العام 1937 م اجتمع الرئيس اللبناني إميل إده في باريس بزعيم الحركة الصهيونية حاييم وايزمن ليعرب له عن ارتياحه لتقرير اللجنة الملكية البريطانية الذي أعلن في حزيران 1937. وفي آب 1947 قدم مطران بيروت الماروني أغناطيوس مبارك إلى لجنة الانسكوب (UNSCOP) مذكرة أيد فيها إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وهو الموقف الذي تناقض مع موقف لبنان الرسمي الذي تلا وزير خارجيته مذكرة الدول العربية أمام الانسكوب والتي رفضت قرارا التقسيم.

 

مناخ سياسي محكوم بحسابات مذهبية وطائفية في ظل صراع دائم على السلطة، ودولة لبنانية ضعيفة حافظت دون أن تشعر على ضعفها حين رأت أن قوتها في ضعفها فاعتادت مبكراً أن تحل أزماتها الداخلية بالاستقواء بدول أخرى، ولجوء فلسطيني صور على أنه يهدد خطراً ديمغرافياً واستيطانياً على توازن طائفي لبناني هش، وثورة فلسطينية منهكة بعد أيلول وفاقدة لرؤية نضالية استراتيجية واضحة انتهجت خط الكفاح المسلح أسلوباً وحيداً في وجه عدو لا أخلاقي اعتاد الخروج عن أي شرعية. ومصالح دول إقليمية ودولية متناقضة امتدت إلى الساحة اللبنانية، وقوى لبنانية أرادت إلى جانب موقفها القومي الداعم للقضية الفلسطينية الاستقواء بمنظمة التحرير لتحسم أمرها في اللعبة اللبنانية الداخلية. كل تلك العوامل كانت كافية لتفجر الوضع اللبناني.  

 

بدأ لبنان يتنصل سريعاً من بنود اتفاقية القاهرة. ففي عام 1970 اشتبك الجيش اللبناني مع دورية للفدائيين الفلسطينيين بالقرب من الحدود، على إثر ذلك  سارعت منظمة التحرير إلى إصدار بيان أكدت فيه على أن وجود العمل الفدائي على أرض عربية لا يشكل جيشاً غازياً وليست له أطماع بأي سلطة في أي بلد عربي. اضطرت المنظمة لاحقاً إلى الموافقة على سلسلة من المطالب اللبنانية بعد عملية عسكرية نفذتها المقاومة في 22/5/1970 م ضد حافلة إسرائيلية تقل تلاميذ مدرسة راح ضحيتها 12 تلميذاً، قامت إسرائيل على إثرها بقصف مدفعي عنيف لعديد من القرى اللبنانية أدى على سقوط عشرات القتلى والجرحى. شملت المطالب اللبنانية منع الفدائيين من إطلاق القذائف ضد أهداف إسرائيلية انطلاقاً من لبنان، ومن وضع الألغام على طول خط الهدنة مع إسرائيل، كما شملت منع المسلحين الفلسطينيين من التجول وهم يحملون أسلحتهم. وهكذا كان على المنظمة بعد كل عمل عسكري أن تقدم إلى اللبنانيين ما اعتبر فلسطينياً بمثابة تنازلات عن اتفاق القاهرة، لاسيما حين تكون الأهداف التي يوجه إليها العمل العسكري الفلسطيني غير مدروسة ومنتقدة من الرأي العام الدولي وخصوصاً تلك التي تنال المدنيين الإسرائيليين. وفي الوقت نفسه لم يكن بإمكان المقاومة الالتزام بما ألزمت نفسها به أمام الطرف اللبناني المتنصل أساساً من اتفاقية القاهرة لأن ذلك كان يعني التنازل عن الكفاح المسلح. وفي الوقت الذي أكدت فيه المنظمة على أنها لا تريد أن تكون طرفاً في المشاكل الداخلية اللبنانية فإنها في الواقع كانت بالنسبة لبعض اللبنانيين كل المشكلة. وهنا لم يعد الفارق بين حياد عقائدي لـ "فتح" أو نظرية للثورة المضادة نظّر لها اليسار الفلسطيني أمراً مؤثراً في مسار الأحداث اللاحقة. إذ بدأت الرياح تهب على لبنان بما لا تشتهيه منظمة التحرير الباحثة عن شواطئ آمنة. بل أثرت هذه الرياح على تماسك كبرى فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية. فبعد اتفاق بين السلطة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية في 28/9/1972 م تقرر بموجبه سحب الفدائيين من المدن والقرى في جنوب لبنان، اندلعت مواجهات في البقاع بين وحدات تابعة لحركة "فتح" يقودها أبو يوسف القائد الذي انشق محتجاً على الاتفاق وواصفاً إياه بالتنازل وبين قوات أبو الزعيم القائد العسكري لـ"فتح". سويت المسالة أخيراً بوساطة جزائرية تم بموجبها ترحيل أبي القائد إلى الجزائر ونقل أبي الزعيم من منطقة البقاع. وكان ذلك بمثابة أولى الانشقاقات المسلحة في صفوف الحركة والذي لن يكون اخرها.

 

الغي اتفاق القاهرة بشكل رسمي ومن طرف واحد في 22/5/1987 م خلال جلسة للبرلمان اللبناني رأسها حسين الحسيني وبإجماع 45 نائباً. لكنه منذ توقيعه وحتى تاريخ إلغائه ظل عملياً حبيس الأدراج، وكان اللبنانيون والفلسطينيون مضطرون وفي أكثر من مناسبة إلى إبرام اتفاقات وتفاهمات أخرى في ظل توتر دائم لهذه العلاقات. وستسود العلاقة الصدامية مع الجيش اللبناني خصوصاً منذ أن أصبح لبنان القاعدة الوحيدة للمقاومة الفلسطينية والتي تتيح تنفيذ عمليات فدائية ضد أهداف إسرائيلية. وسيأخذ هذا الصدام وتيرة متسارعة بعد قصف إسرائيل لحاصبيا ودير العشائر في 1972 رداً على عمليات المقاومة الفلسطينية. منذ ذلك التاريخ سيتأكد أكثر فأكثر أن أطرافاً لبنانية قد اتخذت قراراً بأنها غير مستعدة لأن تتكفل وحدها بالقضاء على الوجود الفلسطيني في لبنان. ففي الشهر الرابع من العام 1973 اغتالت وحدة كوماندوس إسرائيلية عدداً من قادة "فتح" ومنظمة التحرير وهم كمال ناصر وكمال عدوان ومحمد يوسف النجار، وأثبتت التحقيقات حينها أن لبعض قيادات الجيش اللبناني علاقة بالعملية. 

 

منذ العام 1973 مروراً بعين الرمانة والاجتياحات الإسرائيلية للبنان والتي كان اخرها في تلك الحقبة اجتياح العام 1982، لم يكن أمام الثورة الفلسطينية أو "ثورة المستحيل" ،كما كان يحلو لقادة "فتح" وصفها، سوى الصمود ومحاولة الحفاظ على لبنان باعتباره آخر القواعد الممكنة. وبدأ الراحل ياسر عرفات يدرك بعد حرب العام 1973 م ومشاريع السلام التي بدأت تهب رياحها على المنطقة أنه بحاجة إلى اختراق سياسي ما. وأن المعادلة لم تعد لبنانية فلسطينية وحسب. و كان معنى ذلك أنه مقدم على خرق ما أعتبر طوال الفترة الماضية بمثابة "تابو" فلسطيني مقدس.

 

كانت أي تسويات سياسية كما قدمنا تعد من المحرمات. وكان الخوض فيها يعرض صاحبه للإدانة واتهامه بالعمالة والخيانة للقضية الوطنية. وكان من الصعب على المواطن العربي والفلسطيني الغاضب و المستغضب إعلامياً وتعبوياً أن يتصور أياً من قادته يصافح أي مسئول إسرائيلي أو على الأقل يظهر بجانبه في صورة ما تتناقلها وسائل الإعلام، بل كانت صور قادة العدو بحد ذاتها غير مستساغة وكانت كثير من الصحف ووسائل الإعلام العربية المقروءة والمرئية تتحاشى في السابق نشرها. و نتيجة لعسكرة النضال الفلسطيني بدا الكفاح المسلح والعمل السياسي كطرفي نقيض في المعادلة الوطنية. ولم يكن العمل السياسي   و الدبلوماسي يقدم تلك النتائج السريعة التي كانت فصائل الثورة الفلسطينية بحاجة إلى تقديمها للجماهير الفلسطينية الحالمة بالعودة والتحرير. فمن طبيعة العمل السياسي أن نتائجه غير مباشرة وتحتاج إلى عملية تراكمية و نفس طويل لم يتوفر للجموع الغفيرة المخنوقة أصلاً في سراديب اللجوء والشتات والباحثة عن حل سريع لهذه المعاناة، كما لم يتوفر للقيادات الفلسطينية التي شعرت مع هذا الالتفاف الجماهيري الواسع بحالة من النرجسية حالت بينها وبين قراءة الواقع وما يستلزمه الكفاح المسلح من توفر حاضنة سياسية اجتماعية تكون بمثابة القاعدة الآمنة له. فعجزت بالتالي عن خلق وتطوير أساليب مناسبة للنضال الوطني تستطيع الجمع بين العمل السياسي الشعبي والتنظيمي من جهة وبين الكفاح المسلح من جهة أخرى.

 

والواقع أن الكفاح المسلح الذي ساد من حيث هو قاسم مشترك  بين كل الفصائل الفلسطينية، لم يكن بعيداً عن المزايدات الفصائلية، بل كان الالتصاق بالبندقية يعني رصيدا أكبر من الشعبية والجماهيرية. هكذا حكمت فصائل الثورة الفلسطينية على نفسها مبكراً بالسير وراء الحالات الشعورية و اللاشعورية للشارع الفلسطيني بحجة التعبير عن تطلعات هذا الشارع، وحرمت نفسها من فرصتها في قيادة حقيقية لهذا الشارع والتحكم بإيقاعه للارتقاء به من مستوى رد الفعل إلى الفعل، بل يمكن القول أن الحالة العاطفية والشعورية للجماهير وضغط الواقع المباشر والظروف الموضوعية هي التي قادت فصائل الثورة الفلسطينية وتحكمت في توجهاتها ومواقفها خلال العديد من المراحل التاريخية، بل كانت قدرة هذه الفصائل محدودة في فرض واقعها والتحكم به. وإذا كانت الفروق الأيديولوجية بين الفصائل قد ذابت في الكفاح المسلح فإن العملية السياسية التي ستنطلق لاحقاً سوف تحدث شرخاً كبيراً في الصف الفلسطيني وستعمق التناقضات بين تنظيماته المختلفة.

 

تأكدت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وربما متأخرة أن لبنان لم يكن يوماً ولن يكون مستقبلاً تلك القاعدة الآمنة للثورة الفلسطينية، وأن القاعدة النضالية الآمنة هي تلك التي يتوفر لها الغطاء والحاضنة السياسية الاجتماعية المناسبة. وما عدا ذلك فإنها ستكون فعلاً ثورة في حكم المستحيل. و قبل أن ترسو السفينة "أتلانتي" في ميناء بيروت، كان عرفات قد أدرك وربما منذ لحظات الاجتياح الأولى أن ساعة الخروج قد أزفت، ولكن كان عليه أن يحّسن شروط هذا الخروج وأن يحدد ما هي محطته التالية. وحين سؤل من قبل الصحافة الغربية: إلى أين يا أبو عمار؟ قال: ((إلى وطني...إلى فلسطين)) .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home