مقال

 

قدسية رمضان عند فتح ......يا من تتهمونها بالعلمانية

منذر ارشيد



 

 

 

 

 

 

قدسية رمضان عند فتح ......يا من تتهمونها بالعلمانية

 

 

بقلم : منذر ارشيد

 

 

ربما كان لرمضان ذكريات كثيرة لدى كل واحد منا وليس بالضرورة ان يبث كل انسان ذكرياته ولكن عندما نضع بعضاً من ذكرياتنا الجميلة انما نريد ان نضفي على قرائنا الأعزاء جواً من المرح والسرور ونحن نعيدهم عشرات السنوات من ماضينا الجميل الذي كما يقال في المثل ....

 اليوم الذي يذهب لا يعود مثله ...فعلا ً

ساروي لكم قصة ربما هي ليست مرحة لحد كبير وانما ذات مغزى كبير وخاصة لمن شوه صورتنا في الثورة الفلسطينية  وخاصة حركة فتح رائدة النضال الفلسطيني  والذي دعاني لكتابة هذه السطور  ""ما قرأته في منتديات فصائلية تتحدث عن علمانية فتح  وحتى هناك من وصل الى حد تكفير فتح واعضائها وهو امر في غاية الغرابة والأستهجان

وساروي هذه الرواية الحقيقية والتي عشتها شخصيا  وفي احضان حركة فتح مع بداياتها النضالية

مما يدحض  ادعاء وافتراء  من يقول عن فتح انها علمانية

في عام 1968  ارسلني القائد ابو علي اياد الى معسكر ميسلون على الحدود اللبنانية  لأشرف على تدريب دورة هناك حيث كنت متخصصا بتدريب الصاعقة

صادف ان هل شهر رمضان المبارك بعد فترة قصيرة من وجودي في المعسكر و كان قائد المعسكر الشهيد منذر ابو غزالة الا انه كان مسافرا ً بدورة الى الخارج وكان المدربين متفقين فيما بينهم ودون تعيين مسؤولا وقائداً عليهم  مما جعل الوضع مائعاً الى حد ما في المعسكر

وفي صبيحة اول يوم من ايام الشهر المبارك جمعت العناصر وكان عددهم اكثر من ثلاثماية عنصر متدرب  وفوجئت بان قسم كبير منهم يدخن ويشرب  الشاي وكانه يوم عادي

الحقيقة اني ذهلت للوضع وخاصة عندما سألتهم ماذا يعني لكم اليوم!!! ولم يجب احد منهم سوى انه اليوم السبت او الأحد  او الخميس """"لا  اذكر طبعا اليوم بالتحديد ؛ فاعدت السؤآل عليهم تكرارا ً حتى فطن احدهم وقال........ انه اول ايام رمضان المبارك """""

فقلت : رمضان وتدخنون وتشربون الشاي هل هذا معقول  يا مسلمون  يا قادمون الى الشهادة !!!

خرج شاب منهم وكأنه مندوب او ممثلهم وقال ...يا اخ كيف بدنا نتدرب واحنا صايمين  في هذا الحر !!!! واضاف احنا معذورين وكل واحد  حُر"" يصوم او لا يصوم ...شو هي ديمقراطية او دكتاتورية !!!

فاداركت الموقف وقلت ....لا والله ديمقراطية  وتكرموا يا شباب  ولا يهمكم  انتم احرار

 

الحقيقة كان هذا الأمر  غريبا ً ولكن عندما نحلل الموضوع نجد ان السبب هو خلل في الأدارة وقيادة المعسكر التي لم تعطي الأمر اليومي وتهيئة الشباب لشهر رمضان  وذالك يعود لفراغ أداري طبعا مع غياب قائد المعسكر وتمييع الوضع وهو دائما من اسباب الفشل في أي عمل

وفي جمَعة  الطابور الصباحية فرزت الصائمين وكانوا تقريبا ثلث الموجودين وأخذت المفطرين وابلغتهم اننا سنتدرب تدريبا عاديا  دون انقاص من فعالياته  حتى نكسب الوقت وهذه فرصة انكم مفطرين  وستتحملون التدريب الجيد  ..فصرخوا بفرح وسرور ........وحوش ....طبعا هذا مصطلح كان ستعمل في التدريب(وحوش....يعني ....رجال اشداء)

اما الصائمين فلهم برنامج تدريب محدد  بعد الأفطار

وأخبرت الطباخ ان يحضر الأفطار للشباب  , وبالفعل ذهبوا الى صالة الطعام وتناولوا وجبة الفطور الصباحية كالمعتاد وكأنه يوم عادي

جمعتهم في ساحة التدريب وأخذتهم بطابور تدريبي الى الوادي القريب المطل على دير العشائر وفيه مستنقع ضحل وكبير  استعملناه للتدريب

استحضرت ما لدي من امكانيات تعلمتها في معسكر انشاص المصري وهو اقسى ما يمكن ان يتحمله الأنسان  ,وبدات معهم تدريبا مريرا ً وأخبرتهم اني انا صائم وانتم مفطرون وسنرى من يتحمل أكثر وليس هناك أي شخص أكثر مني لأني الصائم لوحيد احق بالراحة  ...فوافقوا بكل سرور ومرح

ملاحظة(  وضعت في  عقلي فكرة عقدت العزم على تطبيقها وكنت متأكداً من نجاحها )

لن أخبركم عن تفاصيل التدريب من خوض غمار المستنقع الذي يوجد فيه آلآف الضفادع الضخمة والأفاعي المائية والحشرات والآفات اما الضفادع  فكانت تقفز على رؤوس الشباب  بشكل رهيب ناهيك عن الأفاعي التي كانت تمر من حول الشباب ؛ويمنع ان تنزل يديك  وانت ترفعها ومعك  عصا كسلاح

ناهيك عن ان يحمل كل شخص رفيقه فوق كتفيه وممنوع انزاله مهما حصل (عملية انقاذ جريح)

بعد ذالك صعود جبل ولمن يعرف المنطقة  الجبل من اعلى جبال المنطقة  واكثرها وعورة

يحمل كل شخص رفيقه وعليه الصعود الى قمة الجبل

وما جعل الأمر أكثر صعوبة  عليهم ...اني حملت على اكتافي اضخم شاب واطولهم  وقلت لهم اذا انزلت انا الشخص عن كتفي  وانا الصائم  يسمح لكم ان تنزلوا  من على كتفكم ""وكل من ينزل من على كتفه سيعاقب بان يعود الى اسفل الجبل ويصعد  من جديد

(الحقيقة يا اخوان وانا اكتب هذا الان يقشعر بدني وانا اتذكر الموقف )

بدأنا الصعود الى الجبل الساعة العاشرة صباحاً  واستمر الأمر حتى الساعة الثالثة بعد الظهر  واقسم بالله العظيم  انني وانا الصائم لا ادري أي قوة ""! او أي صبر !!! او أي تحمل حل بي !!!

لم اكن اصدق اني ساستمر رغم تصميمي  على النجاح

ودون ادنى شك وانا اعرف نفسي وقدرتي على التحمل اني في تلك اللحظات لم اكن انا وليست هذه طاقتي ولا قدرتي على التحمل "ولكني شعرت ان قدرة جائتني من طيف وبركات رمضان وكان الله بعلاه اعطاني هذا الدعم لأمر يعلمه هو ولم اكن اعلمه ..........آآآآآآآآآآآآآآآآآه..... يا الله

فالأمر ليس سهلا كما يمكن ان يتصوره البعض  انه شيء فوق طاقة البشر  ولكنه حصل؛؛

هذا يسقط زميلة ويرتمي ارضا ً ويندب حظه ""وذاك يصرخ  و يقول..... هذا تعذيب" وآخر  يقول ... اذا جهنم هكذا!!!! فانا تائب تائب تائب

الذي يحمل  اصابه الهلاك ""واغرب ما في الأمر ان بعض الشباب المحمولين  كانوا يتألمون أكثر  بسبب اوجاع في ظهورهم وبين افخاذهم ""(يعني ....لا الحامل  مرتاح ولا المحمول مرتاح )

باختصار  وصلنا الى نهاية الجبل ( القمة) وانا ما زلت أحمل الشاب الضخم الذي اصبح يصرخ من شدة الألم وانا اقول له... اصمد انت فاطر وانا صائم""  فكان يبكي ويضحك ويندب حظه ويتمتم  قائلاً .. الله يلعن الشيطان  شو اللي خلاني افطر !!!! علي الطلاق ما بفطر في حياتي

عدنا الى المعسكر  واسترحت قليلا حتى حان وعد الأفطار  "وكنت قد اعطيت  الطباخ تعليمات ان  يعمل اشهى الطعام ملوخية ولحمة وارز  وفتوش ويحضر قطايف  وفواكه

وتعمدت ان يكون الأفطار في الساحة المطلة على المعسكر .........وكانت سفرة ولا اجمل حيث فرشها على الأرض  أمام عيون الجميع حيث كنت اشاهدهم يسترقون النظر من نوافذ الغرف وكأنهم يتحسرون

بعد الساعة العاشرة  وحسب برنامج اعددته خرجت مع الشباب الصائمين(الذين كانوا صائمين طبعا)

الى ميدان التدريب وأخذتهم خارج المعسكر ودربتهم ساعتين لطيفتين  كانوا فيها مسرورين فرحين

حيث اعطيناهم (طبعا معي مدربين ) اعطيناهم ما يؤهلهم كبقية الدورة

وفي الصباح  قرعت الجرس  وناديت عبر مكبر الصوت .....جميع المفطرين يحضروا الى طابور الأفطار  .........انتظرت وانتظرت ولم يحضر احد

وجهت ندا ءً  قلت فيه جميع الدورة التي تدربت بالأمس  الحضور الى طابور الصباح ... وكل من لا يحضر سيتعرض لعقوبة   وحددت الفصل من الدورة ( هذه كانت اقسى عقوبة )

فحضروا  جميعا وبسرعة مذهلة ...........

صدقوني يا اخوان"""ان منظرهم يُقَطِع  القلب ..... لا يوجد بينهم من يسير بشكل عادي

اكثرهم يتعكزون على بعضهم ....وهناك من جاء محمولا ً

خاطبتهم   ....اليوم سيكون التدريب اخف من أمس نظرا لحالة بعضكم

اذهبوا الان الى صالة الطعام وتناولوا الأفطار

رأيت منظراً رهيبا .......وكأنهم اصبحوا بلا  رؤوس .....وكنت ارى فقط عيون  ...عيون تدور وكانها

ترى شيئاً  رهيباً  او ان صاعقة تنزل عليهم من السماء

صمت رهيب اكتنف المكان ..........واذا بي اسمع من يصرخ  تُبنا  تُبنا   ..........تبُنا الى الله

يا عمي بدنا نصوم .... بدنا نصوم ..... بدنا نصوم

قلت : لا  يا اخوان  لالا من طلب منكم هذا !!!!

انتم احرار يا اخوان ""ونحن ديمقراطيون  ""لا يجوز هذا ""ولا يفرض الصيام عليكم

ورددت جملة سمعتها من احد المدربين ( ابو نضال ) مفوض سياسي للمعسكر

 والذي اعترض بالليل وجائني محتجاً وقال متى استعبدتم الناس.....!)

ان ما قمت به انما هو تعذيب وليس تدريب ؛؛لأنهم غير صائمين 

فقلت له : يا اخي اليست دورة صاعقة !!!! انا لا اعمل اكثر مما تدربته وهو عادي وبعد انا ما قمت بالتدريب القاسي فعلاً  " ولم اطلب منهم الصيام 

  لم اكن اعرف انه شيوعي سابق ولا يعترف الدين حتى ""  فشرحت له الموقف ولكنه لم يقتنع  وقد علمت انه  ذهب اليهم وحرضهم ضدي , حيث قال : غدا تمردوا وسنساعدكم ""وكبرها في رؤوسهم حيث اقنعهم ان  جميع المدربين معهم  وانهم غير راضيين عني ولا يريدونني في ا لمعسكر

   نعود الى شباب الدورة

كان الحديث أخذ ورد وقد فتحت لهم مجالاً واسعا لأستمع واعرف آرائهم

وقلت : ارجوا ان يكون قراركم حرا ودون ضغط  او تأثير  واذا كان الموضوع بسبب  التدريب

انا مستعد ان الغي التدريب  وخلاص خليكم مرتاحين  يا اخوان وما عندي مشكلة "" انتم أحرار  لا تصوموا  وانا لا اطلب منكم الصوم  ........انتهى

 

نظرت الى المفوض السياسي الذي كان يؤشر لهم بالتمرد ,وسالته امامهم

ما رايك با ابو نضال !!!

فقال : صحيح هم أحرار  وهذا هو الكلام السليم

فصرخوا  نعم نحن احرار ولذالك نريد الصيام

فقلت لأبو نضال ..ما رأيك يا ابو نضال  شرو رأيك يتمردوا علي او لا!!!

فهم اني عرفت  ما فعله  فادار وجهه مخزيا وغادر المكان

فبدأت اشرح لهم عن الصوم كفريضة وكيف كان المسلمون يذهبون في حر الصحراء  حفاة   يقاتلون اشرس جيوش  العالم  وهم صائمون

جاء في المساء الشهيد ابو علي اياد ليشاركنا الأفطار......ولا ادري كيف علم بالأمر وكان  من اشد الناس حفاظاً على الدين والخلق القويم 

وبعد الأف5طار طلب مني جمع الدورة  , فالقى بهم محاضرة  لمح خلالها  الى ان هناك من يستبيح الحرمات وخاصة الشهر الفضيل  وقال هذه خطيئة لا يمكن ان نسمح بها في المعسكر ولا في القواعد

وقال باسلوب ساخر هناك عذر فقط لمن يحيض ...وضحك رحمه الله 

اخبرته ان الجميع  ملتزمون  .......هنأهم بالشهر الفضيل وشكرهم على انهم ملتزمون بفرض الله وقال من يريد تحرير الوطن والشهادة يجب عليه ان يكون مؤمنا بالله

وعشت مع هؤلاء الشباب فترة من اجمل ايام حياتي  وكان منهم عشرات الشهداء

ومنهم قادة اعرفهم الى الآن  ........هكذا كانت فتح .....وستعود باذن الله

كل عام وانتم بخير

 

منذر ارشيد   14-9-2007

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home