تحقيقات صحفية

 

الدكتور (عبد الحميد الغزالي) في حوار خاص لـ(أقلام

ياسر محمد غريب



الدكتور (عبد الحميد الغزالي) في حوار خاص لـ(أقلام):

 

تخلف العرب والمسلمين يعود لتخليهم عن المنهج الإسلامي

 

·        العولمة هي أحد إرهاصات الجانب المادي في عالم اليوم.

·        المجتمع المتخلف هو من يعيش حياة رديئة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.

·        الربا هو إيدز الاقتصاد المعاصر.

·        التجربة الماليزية دليل على قدرة الشعوب على تجاوز الأزمات الاقتصادية.

·        أكثر من أربعة أخماس العالم فقراء.

·        إيمانا بجدوى المصرفية الإسلامية: اليابان تعطي قروضا صفرية الفوائد، وفرنسا تنشئ بنوكا إسلامية.

·        جاء الإسلام حرباً حقيقية علي الفقر، وحربا كل صور الاستغلال والمستغلين.

·        التنمية البشرية أهم عناصر التنمية الاقتصادية في الفكر الإسلامي.

·        النظام الاقتصادي الإسلامي نظام أخلاقي تربوي.

·        غياب الإيمان بالله هو أحد أهم أسباب التخلف المادي في بلادنا.

·        التكامل الاقتصادي بين دول العالم الإسلامي مقوماته قائمة، وضروراته واجبة.

 

 

حاوره في القاهرة

 ياسر محمد غريب

 

جاء الإسلام حربا على الفقر ومدافعاً عن حقوق الفقراء، كما جاء حرباً على كل صور الاستغلال والمستغلين، وظهر المنهج الإسلامي في هذه الدنيا ليقود الناس من ظلام الجهل والتخلف إلى نور العلم والتقدم، إلا أن الواقع المعاصر للعالم الإسلامي لا يعكس هذا الخير الذي بشر به الإسلام، والذي عاشت الدنيا قرونا في مجده: مستضيئة بضياءه، رافلة في حضارته، ناهلة منه أسباب التقدم والرقي الذي حملته تعاليمه..

ومن هنا كان على مجلة (أقلام) أن تكشف عن هذا الجرح العميق في كيان الأمة الإسلامية، جرح (التخلف المادي) الذي يعيشه المسلمون؛ وذلك في محاولة لتشخيصه، والتعرف على أسبابه...

وفي هذا الحوار تلتقي مجلة (أقلام) مع الأستاذ الدكتور عبد الحميد الغزالي، الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسة بجامعة القاهرة، والذي يعد واحداً من أبرز علماء الاقتصاد في عالمنا العربي والإسلامي؛ لنتعرف منه على أهم أسباب هذه الأزمة، وأفضل الطرق لتجاوزها... فإلى الحوار:

 

·  بداية... ما هو تفسيركم للأزمة الاقتصادية التي يعانى منها العالم الإسلامي اليوم، وذلك على الرغم من توافر الموارد البشرية والمادية والخبرات، وهى العناصر التي تقوم عليها أي نهضة اقتصادية؟

لا شك في أن العالم مع بداية القرن الواحد والعشرين دخل عصر الاقتصاد؛ فمن خلال الحياة الاقتصادية سوف يتشكل النظام الذي سوف يسود العالم في هذا القرن، وما العولمة إلا أحد إرهاصات هذا الجانب المادي في حياة البشر، فهي محاولة للسيطرة علي مقدرات الشعوب وثرواتها من خلال الأقوى، وبالتحديد من خلال الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم يذهب البعض إلى أن العولمة ما هي إلا (الأمركة)؛ أي محاولة بسط وتنميط النموذج الأمريكي الغربي علي العالم أجمع وإلغاء الخصوصيات، ليس فقط علي السلع والخدمات وإنما علي الأفكار والمدركات والمفاهيم والسلوك، وبهذا التنميط يتحول المجتمع الإنساني ككل إلي قرية كونيه والي سوق واحد، وإذا ما تحول إلي ذلك فإنه يسهل استغلاله، ويسهل تصريف منتجات الأقوى، أي إنعاش الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الأوروبي على حساب الدول المغلوبة على أمرها.

والدول الإسلامية في هذا المعترك تصنف من قبل كتاب التنمية الاقتصادية ضمن مجموعة الدول المتخلفة اقتصاديا واجتماعيا، وهذا صحيح؛ فنحن وفقا لمعايير التقدم والتخلف نعد من الدول المتخلفة اقتصاديا واجتماعيا, ويشير بعضهم إلي أسباب هذا التخلف في العالم الإسلامي إلي بعض المبادئ والقيم الخاطئة في الإسلام!! وكأن النظرة الموضوعية آخذة حقها في تحليلاتهم!! ونحن نقول: إن هذا افتراء واضح وتجنى فاضح علي هويتنا وعلي مشروعنا الحضاري الذي يقدمه إسلامنا العظيم، والحقيقة هي أننا فعلا متخلفون، لا لأننا مسلمون؛ ولكن لأننا تخلينا عن هويتنا الإسلامية، فالإسلام جاء بمنهج متكامل لتقدم البشرية ليس فقط في الاقتصاد، ولكن في شتي نواحي الحياة البشرية، ليضمن سعادة البشر ليس في الآخرة فقط ولكن في الدنيا أيضا.

 

·  تعددت تعريفات التخلف الاقتصادي؛ إلا أنها جميعا – للأسف - تنطبق على عالمنا الإسلامي، فهل يمكن لسيادتكم أن تشرح ذلك، مبينا لنا موقف الإسلام من التخلف، وموقع المسلمين منه؟

 التخلف هو حالة الانخفاض النسبي في مستوى النشاط الاقتصادي في مجتمع ما، وكلمه نسبي تعني (بالنسبة) لما يحققه المجتمع لو استغل ما لديه من إمكانيات مادية بأكمل وأكفأ قدر ممكن، وأيضا (بالنسبة) لمجموعة الدول المسماة بالدول المتقدمة اقتصاديا؛ وهي: الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية واليابان.

 ونعبر أيضا عن حالة التخلف بحالة الفقر الاقتصادي النسبي؛ أي أن المجتمع يوصف بالمتخلف لأنه فقير نسبيا، ومعظم الدول الإسلامية - باستثناء الدول المنتجة والمصدرة للنفط - تعاني من حالة فقر مدقع، لدرجة أن أكثر من خمسين بالمائة من سكان معظم الدول غير المنتجة والمصدرة للنفط تعيش تحت خط الفقر؛ بمعني أن الفرد في هذه الشريحة يتعيش بأقل من دولار في اليوم، وأكثر من ربع آخر من السكان فقير؛ أي أن الفرد في هذه الشريحة الأخرى يتعيش بأقل من دولارين في اليوم، وهذا وفقا لتعريف الأمم المتحدة للفقر والفقر المدقع؛ أي أن حوالي أكثر من خمسة وسبعين بالمائة من سكان معظم الدول الإسلامية غير المنتجة والمصدرة للنفط تعد فقيرة, ونعبر عن حالة الفقر الاقتصادي قياسياً أو كميا بأن متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي الحقيقي - أي بعد استبعاد أثر الأسعار - يعد شديد الانخفاض (نسبيا)؛ أي شديد الانخفاض لما يمكن أن تحققه الدولة، أو بالنسبة لما يمكن أن يتمتع به الفرد في الدول المسماة بالمتقدمة اقتصادياً.

 لقد كان التعريف السابق هو التعريف المنضبط للتخلف الاقتصادي، ولكن هذا التعريف ظل رائداً حتى الستينيات من القرن الماضي، ثم بدأ التشكيك في جدواه بعد ذلك, حيث جاء تعريف أكثر انضباطاً في بداية التسعينيات من القرن الماضي وقال به البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة U.N.D.B عندما بدأ مؤشر التنمية البشرية عام 1990 وحتى الآن, لقد تخلي هذا المؤشر عن معيار دخل الفرد الحقيقي كمقياس لتصنيف الدول، وأخذ بمعيار مركب أدخل فيه عوامل ثقافية وعوامل سياسية وعوامل اجتماعية، كما أدخل فيه عوامل صحية وعوامل خاصة بالأمية ودرجة التعليم، وكان الهدف من هذا المؤشر هو معرفة نوعية الحياة، وبالتالي يعرف التخلف من هذا المؤشر بأن المجتمع يعيش حياة رديئة اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيا.

وهذا ينقلنا إلى تعريفين أكثر دقة من التخلف الاقتصادي، جئت بهما من تراثنا الفكري والإسلامي؛ الأول: أنك إذا وجدت مجتمعاً يعيش فيه الفرد مقهوراً سياسيًا ومستغلاً اقتصادياً؛ فثق تماما أنك أمام مجتمع متخلف مهما أوتى هذا المجتمع من إمكانيات اقتصادية, إذ إن القهر السياسي والاستغلال الاقتصادي هما مكونا التعريف الأول للتخلف، والقهر السياسي يعني أن الإنسان لا يشارك في العمل العام، والاستغلال الاقتصادي يعني أن جهد الإنسان لا يعود إليه، وإنما يستغله الآخر أو يحصل عليه، ومن ثم يكون هذان هم العاملين سببا التخلف الاقتصادي في أي مجتمع.

 التعريف الثاني: أنك إذا وجدت مجتمعا تخرب فيه - عن قصد وهذا بشع، أو عن غير قصد وهذا أبشع - الشريعة الغراء، والتي أدخلها الفقهاء في أول مرتبة من مراتب الأولويات في الأداء الاقتصادي في المجتمع المسلم، وهي الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينات، وقد أدخلوا مقاصد الشريعة الخمس في المرتبة الأولى وهي الضروريات؛ أقول: إذا وجدت هذا التخريب، فثق أنك في مجتمع متخلف.

 ويعرف الفقهاء الضروريات بأنها الأشياء التي لا يتصور الحياة بدونها مثل المأكل والمشرب والملبس والمأوي ووسيلة انتقال لائقة وخدمات صحية وتعليمية واجتماعية لائقة بالإنسان... كل هذا يشكل المرتبة الأولى أو الضروريات التي يجب أن توجه إليها موارد المجتمع.

لقد أدخل الفقهاء المقاصد الخمس في سلم الضروريات أو في مرتبة الضروريات فهي حفظ ديناميكي تنموي للدين، ثم حفظ ديناميكي تنموي للعقل، ثم المال ثم النفس ثم النسل.

 وإذا فقدت هذه الأشياء سواء عن قصد أو عن غير قصد فثق تماماً أنك أمام مجتمع متخلف مهما كان أمام هذا المجتمع من إمكانيات مادية؛ وهي كثيرة عندنا كما ذكرت أنت في سؤالك, فمن ناحية الدين يضيق على من يتمسك بدينه من قبل النظام في كثير من المجتمعات ولا يتوفر للإنسان بعض الحقوق الاقتصادية التي قد تتوفر للحيوان في كثير من المجتمعات.

انظر - مثلا - إلى وسائل الإعلام وأجهزة التربية والتعليم في مجتمعاتنا، تجد أنها تخرب البقية الباقية في مجتمعنا: صباح مساء نقرأ في صحفنا عن اختلاسات للمال العام، ونهب لهذا المال، وينمي تنميه حرام عن طريق الربا المحرم بنص الكتاب والسنة، زد على ذلك استخدامه عن طريق استراتيجيات خاطئة.

وإذا نظرت إلى الأولويات في مجتمعاتنا تجدها كلها معكوسة وتؤدي إلى تبديد في الموارد, فبالنسبة لتخريب النسل في كثير من البلدان أنشأنا أجهزة قوية لتنظيم النسل، علماً أنه من حيث الكم الآن يعتبر العنصر البشري أهم عنصر في أي مجتمع، فبالبشر تتقدم التنمية وبهم يحدث التخلف، ولذلك فإن أهم عنصر يجب أن ننميه كماً وكيفاً هو العنصر البشرى.

إذن نحن متخلفون وفقاً لهذين التعريفين:

الأول: إن الإنسان في بلادنا مقهور سياسياً ومستغل اقتصادياً.

والثاني: إن مقاصد الشريعة الإسلامية الخمس تخرب تخريباً واضحاً وهي الدين والنفس والعقل والمال والنسل.

 

·  الازدهار الاقتصادي هو أهم مظاهر التقدم الحضاري...في ضوء ذلك، كيف يمكن – لسيادتكم - أن تشرح لنا نظرية الإسلام الاقتصادية؟ والي أي مدي تعامل معها المسلمون قديماً وحديثاً؟

كانت الدول المتخلفة منذ بداية الخمسينات من القرن الماضي تمثل حوالي أكثر من ثلثي دول العالم، وكان أقل من ثلث سكان العالم يعيشون في الدول المتقدمة, أما الآن فقد أصبحت النسبة أكثر من أربعة أخماس سكان العالم يعيشون في الدول المتخلفة، وأقل من خمس سكان العالم يعيشون في الدول المتقدمة؛ مما يعني أن الاقتصاد العالمي يعتبر اقتصاداً متخلفاً.

ومنذ ذلك الوقت – أي مع بداية الخمسينات - أخذت الدول المتخلفة بأسباب النمو في محاوله للخروج من دائرة التخلف؛ ولذلك سميت بالدول النامية: أي الدول الآخذة بأسباب النمو.

كان لدينا في عالمنا الإسلامي - وما تزال - العديد من إستراتيجيات النمو للخروج من براثن التخلف الاقتصادي؛ وفي سبيل البحث عن إستراتيجيات منقذة ظهرت إستراتيجية (النمو المتوازن) و(النمو غير المتوازن) واستراتيجية (الدفعة القوية) و (الجهد الأدنى الحساس) كما ظهرت استراتيجية (التغلغل) و(الاعتماد الجماعي على الذات) و(الحاجات الأساسية) و(التنمية الصناعية) وغيرها... وهي تختلف عن بعضها البعض في التأكيد علي جانب أو آخر من جوانب إحداث عملية التنمية؛ فبعضها يركز علي الصناعة، وبعضها يركز علي الطلب النهائي، وبعضها يركز علي الصناعات الثقيلة...الخ.

وقد أخذت الدول المتخلفة بإحدى أو بعض هذه الاستراتيجيات قرابة النصف قرن من الخمسينيات وحتي الآن؛ وكانت النتيجة - بشهادة المؤسسات والمنظمات المتخصصة القطرية والدولية - هي الفشل، فما حدث كان زيادة قليلة في معدل النمو القومي، ولم يكن زيادة نصيب الفرد من هذا الناتج... وما حدث كان ظهور بعض مظاهر الحياة المعاصرة، ولم يكن نقله للمجتمع المتخلف إلى ركاب الدول المتقدمة... إن ما حدث كما قال بعض الاقتصاديين: لم يكن إحداثاً للتنمية، وإنما كان تنميةً للتخلف؛ فقد زادت مشكلة التخلف، بل وتفرع منها الكثير من المشكلات مثل زيادة البطالة في كثير من هذه الدول، وضعف الإنتاجية، وزيادة المديونية الخارجية، والتصحر...الخ هذه المشكلات التي تعاني منها الدول التي أخذت بأسباب النمو في تلك الفترة.

وتسائل الاقتصاديون: ما الخطأ الذي حدث؟! ولماذا لم تؤت مناهجنا ثمارها؟! وكانت الإجابة بعد دراسات ميدانية جادة: هو أن الشرط الأساسي لنجاح هذه الإستراتيجيات كان غائباً أو شبه غائب، وهو توافر بيئة مناسبة لكي يتعامل الإنسان مع المادة لإحداث التنمية، أي أنه في إطار التركيز علي الجانب المادي لأحداث التنمية،  وبإهمال الإنسان لم تحدث التنمية, فالإنسان في هذه الدول لم يستطع أن يتعامل مع الجانب المادي لإحداث التنمية، ولذلك قال الاقتصاديون باستراتيجية جديدة؛ وهي التعلم من أجل التنمية.

 وهذا ينقلنا إلى المنهج الإسلامي في التنمية الاقتصادية؛ فقد جاء الإسلام بكل تفاصيله الأخلاقية والتعبدية حرباً علي التخلف، وجاء لإخراج البشرية من ظلام التخلف إلى نور التقدم والتنمية، وجاء بمنهج فريد منبثق من نظام اقتصادي إسلامي متفرد عن الأنظمة التي عرفتها البشرية طوال حياتها, هذا المنهج جاء لرد الأشياء إلى فطريتها وطبيعتها؛ فذهب إلى أن الإنسان هو غاية التنمية ووسيلتها، ومن ثم جاء للإجابة علي سؤال واحد: هو بمن تتم عملية التنمية؟!  وبمن تتم عملية إعمار الأرض؟! وكانت الإجابة فطرية: إن ذلك لن يتم إلا بالإنسان، ولكن أي إنسان؟! قال المنهج: إنه الإنسان الواقعي؛ بنقاط ضعفه، وعوامل قوته. وليس الرجل الاقتصادي كما في النظام الرأس مالي - وهو من لا وجود له علي وجه الأرض-، وليس الترس الاجتماعي كما في النظام الاشتراكي الذي انهار أمام أعيننا؛ لأن الترس الاجتماعي - الذي أسميه الفيل الأبيض- أيضا لا وجود له علي أرض الواقع، إنما الإنسان الواقعي هو ذلك الإنسان الذي يتفاعل مع المادة لإحداث التنمية. كما أجاب المنهج الإسلامي بضرورة أن يكون عمل الإنسان الواقعي في إطار الأخلاق، فلا يتصور أي أداء إيجابي إلا في إطار الأخلاقيات، فعنصر الأخلاق جزء أساسي من النموذج الإنمائي.

 

·  ولكن كيف يقوم هذا (الإنسان الواقعي) في المنهج الإسلامي بدوره في إعمار الأرض بشكل مثالي لإحداث التنمية اللازمة؟

إن المنهج الإسلامي أكد على ضرورة توافر شرطين أساسيين إذا تغيب أحدهما أو تغيبا معاً لا يمكن أن يحدث أي تقدم في مجال التنمية الاقتصادية:

الأول: أن يكون الإنسان حراً حرية حقيقية.

الثاني: ألا يكون مستغلاً.

أي أن الشرطين يعتبرا علي العكس من شرطي التخلف؛ وهما: القهر والاستغلال. ومدخل الحرية في هذا المنهج هو مدخل التوحيد لله عز وجل؛ (إياك نعبد، وإياك نستعين)، ولكي تكون الحرية مجسدة بالفعل علي أرض الواقع، وليست مجرد شعار, فقد خص الخالق - تبارك وتعالي - لنفسه شيئين يعلم سبحانه أنهما سوف يشغلان الجنس البشري؛ وهما: الرزق، والعمر. فأما عن الرزق؛ فإنه –تعالى- يقول: (وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)، وأما عن العمر فيقول الله تعالي (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ).

 وناتج الإيمان بأن الرزق والعمر يدخلان ضمن خصوصيات الله تبارك وتعالى ولا سلطان للبشر عليهما يجعلنا أمام مجتمع المنتجين والمتقين كما قال الإمام علي كرم الله وجهه.

ومشكلة العالم الإسلامي اليوم هو غياب الإيمان بهذه المسلمات الإيمانية، وهو ما نسميه تأدباً بالنفاق الاجتماعي، والحقيقة هي أن ذلك شرك بالله، وهذا الشرك هو أحد أهم أسباب التخلف الاقتصادي في بلادنا بالمعني الإنتاجي الضيق؛ لأن الموظف - في المؤسسة - لا ينظر إلى أن يؤدي عمله بما يرضي الله، ولكن ينظر إلى رأي رئيس العمل فيه، حتى لو كان هذا الرأي يخالف الحق والواقع.

وقد جاء الإسلام حرباً حقيقية علي كل صور الاستغلال والمستغلين، فحرم تحريما قاطعا بنص الكتاب والسنة: الربا، والاحتكار، والغش، والتدليس، والنجش، البخل، والإسراف، وكل الممارسات الخاطئة في النشاط الاقتصادي إنتاجاً وتوزيعاً واستهلاكاً؛ وبالتالي طهر الحياة الاقتصادية، فالله تبارك وتعالي يعلم أن المخلوقات البشرية ضعيفة، لذا فإنها معرضة للانحراف والخطأ؛ فوضع لها المنظِمات لإعادة توجيهه نحو الاتجاه الصحيح، ومن هنا كانت الحياة الاقتصادية حياة واجبة التطهير باستمرار.

ومن المنطلق الإسلامي أيضا أن الأشياء تحكمها القاعدة الأصولية التي تقول بأن الأصل في الأشياء هو الحل، لذا فنحن منفتحون للمعرفة الاقتصادية، والمصلحة المعتبرة شرعاً تدور مع الحكم الشرعي صحة وبطلانا، بمعني أن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها.

 

·  سيادة الدكتور... ما أبرز أساسيات المشروع الإسلامي لنهضة الأمة، وإحداث التنمية...كما ترونها؟

لقد قمت أولاً بتلخيص أسباب الأزمة التي يعاني منها العالم الإسلامي في ثلاث (لولميات)، -وكان ذاك أثناء أزمة الخليج الثانية- وقلت إننا نعيش كارثة أمة أعطت كل إمكانياتها لتدمير جزء عزيز من شخصيتها لصالح أعدائها؛ وهذه (اللولميات) التي استلهمتها من لغتنا العزيزة هي:

ـ اللولمية الأولى: إنه (لو لم) يكن هناك إعادة تشكيل للعقل المسلم؛ فإنه سيظل هذا هو حالنا.

ـ اللولمية الثانية: إنه (لو لم) يكن لدينا في كثير من بلادنا أنظمة مستبدة؛ فإنه لا يمكن ان يكون هذا هو حالنا.

اللولمية الثالثة أو (الأم): إنه (لو لم) يكن هناك غياب حقيقي للهوية الإسلامية في مجتمعاتنا المسماة الإسلامية (اسماً أو إثماً)؛ فإنه لا يمكن أن يكون هذا هو حالنا؛ ومن ثم افرزت عبقرية التغلب والتغليب والاستبداد في العقل المسلم هذا الوضع المأساوي الذي تعيشه الأمة.

هذه الأمة بددت أربع نقاط للحياة: نقطة النفط؛ ويباع بأرخص الأثمان, ونقطة المياه؛ ومن المنتظر أن تكون الحرب القادمة حول المياه، ونقطه الدم في حروب بينية؛ والمثال الصادق علي ذلك الحرب بين العراق وإيران، وهي حرب لم يكن لها معني, ثم نقطة العرق؛ بمعني أن من يبذل جهد لا يحصل علي العائد الخاص من خلال ما نعيشه من ثقافة فساد في مجتمعاتنا، فمن لا ينتج يحصل علي أكبر قدر من العائد، وهناك آخرون لا يحصلون علي العائد العادل من جهدهم، ومن ثم نحن نعيش أزمة حقيقية... فما هو سبيل الخروج منها ؟

إن سبيل الخروج يكمن في ثنايا المشروع الحضاري الإسلامي، والذي يمكن تلخيصه من خلال التاءات التالية:

التاء الأولى: تاء التوحيد؛ وبدون هذا المدخل لا يمكن أن تحدث النهضة، وبمدخل التوحيد نضمن المناخ العادل لكي نرفع التخلف.

التاء الثانية: تاء التحديث؛ وهو تحديث العقل قبل تحديث الأشياء، وتحديث المفاهيم والمدركات وفقاً لهويتنا وقدرتنا وأصولنا قبل تحديث الآلات والمعدات.

التاء الثالثة: تاء التخطيط؛ حيث لا يمكن أن تحدث نهضة بدون حصر لإمكانياتنا، وتحديد كيفية استخدام هذه الإمكانيات بأكفأ الطرق، ولا يحدث ذلك إلا من خلال التخطيط علي مستوي الفرد وعلي مستوي المنشأة وعلي مستوي الاقتصاد ككل.

التاء الرابعة: تاء التكنولوجيا؛ ونحن نعيش عصر التكنولوجيا والمعلومات في أرقي مساراتها، ولابد أن نركز على أن نحدث ثورة تكنولوجية في جميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وليس ذلك باستيراد التكنولوجيا، ولكن علينا أن نصنعها، وأن نكون منتجي حضارة لا مستهلكين لها.

التاء الخامسة: تاء التكامل؛ فنحن نعيش عصر التكتلات الكبيرة، ولدينا في العالم الإسلامي كل مقومات التكامل الاقتصادية والمادية والمعنوية ولدينا تكامل اللغة والمكان، وأيضا لدينا فرصة التكامل الاقتصادي من حيث توافر كافة مقومات التكامل الاقتصادي التي تؤدي إلى تكامل اقتصادي ناجح، تبدأ من التجارة الحرة ثم الاتحادات الجمركية ثم السوق الإسلامية المشتركة، فماذا بعد ذلك سوى الوحدة الاقتصادية الكاملة.

ونحن في الشق العربي من الأمة الإسلامية بدأنا في مسيرة التكامل قبل الأوربيين بسنوات؛ لكن انظر إلى أوروبا المتحدة الآن، أما نحن فقد عدنا درجات للخلف، إن التكامل مقوماته قائمة، وضروراته واجبة.

التاء السادسة: تاء التكافل؛ وهو موجود في داخل كل مجتمع من مجتمعاتنا؛ تكافل الغني مع الفقير، وبين الدول الغنية والدول الفقيرة، وهو تكافل يصب في مصلحة الطرفين، ويمكن أن يأخذأاأأخذ صورة الاستثمار. فالتكافل أمر ضروري وعنصر هام من عناصر التكافل الاقتصادي.

التاء السابعة: تاء التعاون؛ نحن لا ننغلق عن الآخر، ولا نرفضه، ونتعاون مع بقية دول العالم من منطلق الند للند علي أساس مصلحة الطرفين وهناك جانب للعولمة يمكن ان يغذي هذا التعاون، لكن للأسف الشديد فإن العلاقة بيننا وبين الغرب هي علاقة التابع له، وهي علاقة استغلال. ونحن نقول إن عنصراً هاماً من عناصر النموذج الحضاري الإسلامي هو تاء التعاون القائم علي أساس الندية.

وهناك تاءات أخرى عديدة؛ مثل تاء التقوى؛ وهي أساس الفرد علي مستوي المجموع ومستوي الحاكم ومستوي المحكوم. إننا إذا استطعنا العمل بالتاءات السابقة؛ فإنه سوف يتحقق على أيدينا المشروع الإسلامي لإعمار الأرض إعمارا حقيقياً، ناهضا باقتصادنا واقتصاديات الأمم، وهو الدور الذي وضع الله أمة الإسلام له: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ).

 

·  كيف يمكن أن يكون الاقتصاد الإسلامي بديلاً عن اقتصاد الأنظمة الوضعية في ظل الهيمنة الغربية، وفي ظل التوقيع على معاهدات تنسجم مع سياقات الفكر الاقتصادي الغربي؟

ليس من العسير أن نستمسك بخصوصياتنا حتى لو وقعنا علي اتفاقيات ومعاهدات هذه العولمة في الدار البيضاء عام 1995م، ويمكن أن يكون الاقتصاد الإسلامي بديلاً عن الاقتصاد الوضعي في ظل العولمة علي أساس أن الاقتصاد الإسلامي يقوم علي ركيزتين:

الأولى: هي الزكاة وهي مرافقة للصلاة، وإذا قامت هذه الشعيرة بحقها؛ فإنها سوف تحدث آثار ايجابية علي أساس الفرد والمجتمع، ومن ثم تدفع بالعملية الإنتاجية إلى الأمام في المجتمعات الإسلامية، وهذه الخصوصية لا تصطدم بشيء من سياقات العولمة.

الثانية: هي تحريم الربا؛ والربا محرم تحريما قطعيا بنص الكتاب والسنة، وربا النسيء وربا الدين أو الزيادة مقابل الأجل؛ وهو استغلال بشع، وهو أبشع صور أكل أموال الناس بالباطل، وهو إيدز الاقتصاد المعاصر؛ لأنه يهاجم الجهاز المناعي في الاقتصاد، ومن ثم تحدث الاختلالات التي يعاني منها الاقتصاد المعاصر.

وإذا نظرنا إلى التجربة اليابانية، وجدنا أن الحكومة اليابانية منذ أكثر من خمس سنوات تعطي قروضاً صفرية الفوائد للوحدات الإنتاجية لتنشيط الاقتصاد، وذلك إيمانا منها بأن الفوائد تضر العملية الإنتاجية.

 وأحد الاقتصاديين الغربيين يقول إنني أتسائل في الثمانينات من القرن الماضي ما سبب التصرفات الطائشة للاقتصاد الأمريكي؛ ثم يجيب هو نفسه بقوله: إن هذا يرجع إلى التصرفات الطائشة للفائدة الربوية. ويقول آخر: إن أفضل إدارة للنشاط المالي المعاصر هو ما يكون معدل الربح فيه يساوي صفراً.

إن بعض البنوك في أوروبا وأمريكا أنشأت نوافذ إسلامية ليس إيمانا بالفكرة الإسلامية، ولكن إيمانا بجدواها، واستغلالاً لهذه الجدوى المرتفعة فقد أنشأت فرنسا بنكين إسلاميين في البحرين يعملان وفقاً للشريعة الإسلامية.

وقد أصدر كلاً من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي دراستين تقولان: إن صبغة العمل المصرفي الإسلامي هي أثمن صبغة لعملية التنمية في الدول النامية، إنهم يوصون بالأخذ بصيغة العمل المصرفي الإسلامي؛ لأنه استثمار حقيقي لتمويل مشروعات إنمائية حقيقية، ومن هنا يمكن أن يطبق الاقتصاد الإسلامي دون أن نصطدم بالعلاقات الاقتصادية الدولية مع بقية دول العالم؛ لأنه المصلحة في هذه العلاقات إذا سارت وفقاً للمنهج الإسلامي ستصب في مصلحة الطرفين.

 

·  هل يمكن أن تكون هناك أدوار تنموية غير حكومية لتحسين الوضع الاقتصادي في العالم الإسلامي؟

للأسف تبعية الأنظمة الإسلامية - في معظمها – لأعدائنا أدت إلى مزيد من الضائقة الاقتصادية، ومزيد من تحول الاقتصاديات الإسلامية إلى اقتصاديات متخلفة تابعة لاقتصاد متقدم وهو الاقتصاد الغربي والأمريكي.

 ويمكن أن نبدأ من خلال الدعوة إلى اقتصاديات السوق، وأن ندعم القطاع الخاص الوطني غير المرتبط بروابط أجنبية لتأكيد هويتنا الإسلامية، وقد بدأ العمل في إطار البنوك الإسلامية ومن خلالها، على الرغم من أنها تتعرض لبعض المشكلات من طرف الحكومات القائمة الآن.

 وهناك بعض التجارب التي تستحق الالتفات إليها؛ فمثلاً شركات توظيف الأموال كانت مخرجا صحيحا من تقليدية النظام المصرفي، وإضافة جديدة لتفعيل وتنمية النظام المصرفي في مصر، وللأسف كانت فيها بعض التجاوزات، لكن معالجة التجاوزات لا ينبغي أن يكون عن طريق إلغاء الظاهرة ككل وهدمها ومحوها جملة وتفصيلا كما حدث، وإنما باستبعاد التجاوزات ومعالجتها.

 لقد تم تصفية هذه التجربة تماماً بغض النظر عن آثار هذه التصفية السلبية لمائة سنة قادمة؛ لأنه أدى إلى ضرب الثقة في الاقتصاد الوطني لفترة طويلة جداً، فمثل هذه المشروعات يمكن أن تدعم الاقتصاد الوطني.

 

·  بالنسبة للدور الشعبي في المقاومة السلمية... هل تعتبر شعارات المقاطعة للمنتجات الغربية (المعادية) عملاً مثمراً أم أنها لا تزيد عن كونها مجرد تصرف رمزي؟

لاشك أن الأمة تعيش هجمة شرسة من قبل أعدائها بدأت قبل 11 سبتمبر ثم تعظمت بعد 11سبتمبر؛ ففي أفغانستان دمرت دوله إسلامية، وللأسف الشديد اشتركت بعض الجيوش الإسلامية في هذا التدمير بادعاء محاربة الإرهاب، ثم التدمير المستمر الذي نعيشه في فلسطين منذ زمن بعيد، إلى التدمير البشع في الحرب ضد العراق، والأمة في حالة عجز تام من خلال أنظمتها، وهذا وضع يستفز المواطن المسلم، وهذا المواطن في حيرة... فماذا يفعل أمام هذه الهجمة الشرسة؟!

إننا أمام شعوب ليس أمامها سوي سلاح الدعم المالي والمقاطعة، أما عن فاعليتها فهي بالفعل سلاح فعال، والمقاطعة لا ينبغي أن تنحصر فقط في مقاطعة للسلع الاستهلاكية، بل ينبغي تفعيل عملية المقاطعة على كافة المستويات والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ثم الأفراد.. أما المؤسسات فيتعين عليها أن تبدأ بداية جادة في المقاطعة مثلما حدث مع بعض الاتحادات النوعية في مصر، والتي اتخذت بالفعل قرارات للمقاطعة, ومن هنا يستطيع الفرد العادي أن يفي ولو جزئيا بما تمليه عليه وطنيته وقوميته وإسلامه بمقاطعة السلع والخدمات الصهيونية والأمريكية, خاصة وإذا علمنا تماما أن أهداف العدو الصهيوني من اتفاقيات السلام أو الاستسلام هو فتح الأسواق العربية أمام المنتجات الصهيونية.

 

·  ألف كثيرون في الاقتصاد الإسلامي...كما ألَّف كثيرون في غيره من المجالات... ما أهم العلامات البارزة حديثاً في الفكر الاقتصادي الإسلامي؛ تنظيرا وتطبيقا؟

كنا قد أنشأنا لأول مرة علي مستوي العالم الإسلامي قسماً للاقتصاد الإسلامي بالمعني الأصيل، وقد شرفت - أنا شخصيا - بإنشائه لمدة خمس سنوات في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، وفي هذا القسم يتكون البرنامج من خمسين بالمائة مواد شرعية، مع التركيز علي جانب المعاملات، ثم أربعين بالمائة مواد تجريبية، مع إبراز وجهة النظر الإسلامية فيها، ثم عشره بالمائة مواد مساندة (لغات ـ بحث علمي ـ كمبيوتر....الخ).

وبالتالي استطعنا أن نخرج الاقتصادي المسلم الذي يستطيع أن يتعامل مع مشكلات العصر من منظور إسلامي حقيقي، وبعد ذلك نشرنا هذا الفكر في بعض الجامعات الأخرى فيبعض الدول مثل السودان وباكستان وإيران، وأيضا لدينا مراجع كثيرة حول ما كتب عن الاقتصاد الإسلامي، وهي كتابات عصرية تصل إلى خمسة آلاف مرجع موجود في المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي بجدة، ثم لدينا جمعية الاقتصاد الإسلامي العالمية، كما نصدر مجلة (البحوث) في الاقتصاد الإسلامي، وأيضا لدينا المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، ودوره تنمية الفكر والتطبيق للاقتصاد الإسلامي في الدول الأعضاء للبنك؛ وهي: 58 دولة، كما أخرجنا مجله باللغة العربية والإنجليزية والفرنسية منذ العام 1992م حتى الآن، وهي مجلة (دراسات إسلامية)، فنحن لدينا جهود كبيرة في مجال الفكر الاقتصادي.

هذا في مجال الفكر تنظيراً وتعليماً، أما في مجال الممارسة العملية؛ فقد طبق الاقتصاد الإسلامي في مجال البنوك، وهي ظاهرة وجدت وسوف تزدهر، فقد وصل عدد البنوك الإسلامية حتى الآن على مستوى العالم 300بنكا إسلاميا، يخدمها حوالي 5000 فرعا، تتعامل في مئات المليارات من الدولارات، وتدخل في كافة الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، كما أن لها الملايين من العملاء في شتى أنحاء العالم، وهذا مظهر من مظاهر التطبيق في الاقتصاد الإسلامي، ونأمل أن يكون تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي متزايداً إن شاء الله.

 

·  كانت التجربة الماليزية في الربع الأخير من القرن الماضي تجربة فريدة... فما هي الملامح العامة لهذه التجربة التنموية؟!

تعتبر تجربة جنوب شرق آسيا تجربة فريدة جدا، فقد أعطت للإنسان في هذه البلاد ثقته في نفسه بأنه قادر على إحداث التنمية وتحقيق التقدم. والتجربة الماليزية - باعتبارها دولة إسلامية- في هذه المنطقة تستحق بالفعل إلقاء الضوء؛ فقد مرت ماليزيا بنهضة تنموية في وقت قصير، ثم تحالفت القوى الغربية للإيقاع بهذه النهضة، فحدثت الأزمة التي شارك المجتمع الغربي وصندوق النقد الدولي في إشعالها، ثم خرجت ماليزيا سريعا من هذه الأزمة قبل غيرها بعد رفضها التعاون مع صندوق النقد الدولي، واعتمادها على نفسها.

لقد تحول المواطن الماليزي إلى إنسان منتج؛ فهناك قيادة رشيدة، وهدف واضح، كما أن الإمكانيات محصورة حصرا جيدا، والسياسات شديدة الوضوح، والجميع يشارك دون تمييز لأحد على أحد.

لقد قام رجل واحد وهو أنور إبراهيم بالتخطيط لهذه المعجزة، وتعاون معه مهاتير محمد وأعطاه كل الصلاحيات اللازمة لإحداث الثورة الاقتصادية، وتجربة جنوب شرق آسيا بصفة عامة وماليزيا بصفة خاصة تعود إلى ذلك المناخ الصحي المناسب الذي أدى إلى أن يبذل الإنسان قصارى جهده في طريق التنمية.

وإذا وجدت القيادة الرشيدة مع الشفافية الكاملة واحترام حقوق الإنسان وحريته وتوافر شيء من العدالة؛ فلاشك في أن التنمية سوف تحدث.

 




  أرشيف تحقيقات صحفية

اطبع الموضوع  

Home