كتاب العدد

 

التربية الإبداعية في التصور الإسلامي

د. عبد اللطيف عبد القادر



الدكتور عبد اللطيف عبد القادر في أحدث كتبه:

 

لابد أن يرتبط الإبداع بعقائد الأمة ومنظومة القيم لديها

 

ضعف الإبداع في العالم الإسلامي جعلنا نستجدي بضاعات غربية لا تتفق مع قيمنا.

المبدع المسلم ذو رؤية واضحة للألوهية والإنسان والكون والحياة.

الأدب الإسلامي هو أدب الفطرة الإنسانية.

توجه عالمي نحو "محو الأمية الإبداعية".

الحرية في الفكر الإسلامي حرية مسئولة في إطار من القيود الأخلاقية.

 

الكتاب  : التربية الإبداعية في التصور الإسلامي.

المؤلف :  الدكتور عبد اللطيف عبد القادر. 

الناشر  : مكتبة الضامري للنشر والتوزيع- عمان.

سنة النشر: 1425هـ/2004م.

 

ياسر محمد غريب

 

لم تشهد البشرية عبر تاريخها الطويل إجماعا يعبر عن حاجتها الماسة إلى ما تتفتق عنه أذهان وقرائح المبدعين؛ ليأخذ بها من وهدتها، بمثل ما نراه الآن. فقد ارتفعت عقيرة الفلاسفة والمفكرين، وعلماء التربية والاجتماع والاقتصاد والسياسة، تنادي بأن خلاص البشرية، مرتهن إلى حد بعيد، بوجود تلك الأدمغة المبدعة، التي تضطلع بدورها المنشود في علاج أدواء البشر وحل مشكلاتهم.

بهذه العبارات يبدأ الأديب الدكتور عبد اللطيف عبد القادر كتابه الذي امتزجت فيه روح الأديب المسلم بروح المفكر التربوي، حيث يؤكد أن دافعه للكتابة في مجال الإبداع ما هو إلا قناعته الكبيرة بأهميته البالغة في مسير ومصير الأمة الإسلامية، وفي واقعها الراهن وحاجته الملحة إلى تنمية التفكير التشعيبي المرتبط بالإبداع، وتجاوز طرائق التفكير القائمة على النمطية والمجاراة، في وقت يتجه فيه العالم من حولنا إلى ما يمكن تسميته بـ" محو الأمية الإبداعية".

وقد ساهم في تأكيد أهمية الموضوع الذي يناقشه الكتاب مؤهلات المؤلف الثقافية وقناعته الفكرية؛ فهو بالإضافة إلى كونه أديب وشاعر إسلامي متميز؛ نجده أكاديميا متخصصا في مجال التربية وطرق التدريس، وهي المؤهلات التي تجعل من النقاش في قضية الإبداع وتربية الملكات أكثر ثراء.

وقد حاول الكتاب في مجملة التأكيد على قضية الإبداع، والمؤاخاة بينها وبين الجوانب الإجرائية المساعدة على تنمية الإبداع، كما حاول المؤلف وضع قضية الإبداع في مكانها الصحيح من التصور الإسلامي.

 

الإبداع وفض إشكاليات المصطلح:

ونظرا لتداخل مفهوم الإبداع مع زخم كبير من المصطلحات الأخرى التي تشترك معه في ناحية من النواحي، وتستخدم مرادفة له في بعض الأحيان؛ فقد استعرض المؤلف عددا من هذه المفاهيم؛ وهي: (النبوغ – العبقرية – الموهبة –التفوق – الذكاء – الابتكار – الإبداع)، مع ذكر أهم آراء العلماء فيها، حيث خرج من بين هذه التعريفات المختلفة بأن الإبداع هو القدرة على تكوين تركيبات أو علاقات أو تنظيمات جديدة وغير مألوفة، تسهم في عمارة الكون وترقية الحياة، ويتمتع صاحب هذه القدرة بالأصالة والطلاقة والمرونة وبعض السمات الشخصية، في ظل سياق اجتماعي وبيئة ميسرة لبروز هذه القدرة.

 

دور المبدع في الحياة:

ويركز المؤلف في تعريف الإبداع على البعد المتصل بجدوى الإبداع وقيمته في الاتجاه بالحياة نحو الأفضل، فالفكرة الجيدة هي الفكرة النافعة؛ لذا فإن الإبداع لابد له أن يحقق هدفا، ويسهم في حل مشكلة، وأن يدعم المنتج الإبداعي القيم الإنسانية وإلا صار إبداعا شيطانيا، أو قوة هائلة بلا قلب ولا عقل، وهو ما تعاني منه كثير من المجتمعات الحديثة التي تنتج أفكارا جديدة ومنتجات عظيمة القوة، لكنها تسخر ضد كل قيمة سامية من قيم الإنسانية.

فالتربية الحديثة في الدول المتقدمة تكون شخصيات ذات قدرات مبدعة ومبتكرة، ولكن دون أن يكون لديها وازع أخلاقي يوجهها إلى الالتزام بالابتكار والاختراع في المجالات التي تخدم الإنسانية وتحقق لها الخير، ولذا فهم يخترعون ما يخدم الخير وما يخدم الشر على حد سواء.

وهم يبدعون في مجال الفن دون مراعاة لما يمكن أن يفسد الناس ويفتنهم، والعالم الإسلامي في إطار العجز الإبداعي الذي يعيشه لا يجد مفرا من استخدام ما يستجد واستقدام ما يبع في تلك البلاد دون تمحيص، ومن ثم تحمل إلينا تلك المبتكرات الجديدة إلى بلادنا بخيرها وشرها، وما أكثر شرها!!

 

الإبداع في التصور الإسلامي:

ويؤكد المؤلف على إن الإنسان لا يبدع ما لم تتوفر له رؤية حياتية مستقبلية يسعى إلى تحقيقها، ويتأكد لديه شعور بالانتماء الاجتماعي، هذا بالنسبة للإنسان، أما بالنسبة للتصور الإسلامي فإنه يعكس بحكم طبيعته روح الدين الإسلامي، وهو دين الوحدة الكبرى في هذا الكون من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة.

فالتصور الإسلامي – كما يراه المؤلف - يمثل الإطار المرجعي لاختيار الميدان الذي سيبدع الإنسان من خلاله، وكيفية تناول الإنتاج الإبداعي في ضوء هذا الإطار، واختيار الطرق المناسبة لذلك، ومعايير تقويمه. والإطار المرجعي يمثل عادة (بوصلة) هادية تضفي قيمة على كثير من مظاهر التجديد، وتحرض عليها، وفي المقابل فإن هذا الإطار يستهجن الكثير من الأنشطة والممارسات التي تتعارض معه.

وإذا نظرنا إلى النصوص القرآنية نجد أن النسق العام والنظام والمعجز في آياته يمثل بشكل كبير تدريبا للملكة الإبداعية وتنميتها، كما أن دعوة القرآن الدائمة للسير في ملكوت الله والنظر في السماء والأرض تعد تربية غير مباشرة للرقي بالذوق الإنساني، ولذا فإن المبدع المسلم يتميز عن غيره باعتدال ووضوح تصوره عن الألوهية الإنسان والكون والحياة.

 

حرية الإبداع بين الأدب والدين:

ولعل من أهم القضايا التي عالجها الكتاب كان موضوع (حرية الإبداع)؛ حين أكد عبد القادر على أن الفن الجميل لا يكون جميلا إلا إذا كان أخلاقيا، وهذه المقولة أكدها كبار النقاد العالميين، وكبار الفلاسفة كابن سينا؛ لأن الفن مهارة، فلو وقف عند مطلق المهارة يمكن أن يطلق على السرقة إبداعاً؛ لأن اللص مبتكر خديعته ووسيلته، ونطلق على القاتل المحترف مبدعا؛ لأنه ابتكر وسيلة ماكرة لم يصل إليها أحد قبله، لكن الفن ليس مجرد مهارة، وإنما هو مهارة تنحو ناحية الرقي بالحياة الإنسانية.

ويذهب عبد القادر إلى أن العري لا يمكن أن يكون قيمة محترمة، حتى ولو وصفه البعض في إطار من المهارات الفنية، لأن العري عري، والصدق صدق والحلال حلال والحرام حرام، والرجل الذي يرفض العري لزوجته في الشارع لا يرضاه إذا كان (موديلا) في مرسم فنان. إذن القول بأن السياق يغير القيمة قول مرفوض.

 

الإبداع ومنظومة القيم:

ولا بد أن يرتبط الإبداع بعقائد الأمة ومنظومة القيم لديها، فلا يتضمن ازدراء بالأديان، أو خروجا على القانون، وهذا ما كان يراعى في الشرق أو في الغرب قديما وحديث على حد سواء - ومن هنا يسوق المؤلف عددا من الأمثلة - فحينما ألف الشاعر الروماني "أوفيد" كتابه (فن الهوى) رأى فيه القيصر أغسطس إفسادا للناس فنفى المؤلف إلى " سرماسيا" وقال لبعض من أراد له العفو: لا أنكر أن أوفيد شاعر تميز بالذكاء البارع والقريحة النافذة، ولكنه أفسد بكتابه شباب روما، فحق عليه أن يموت في السجن..

وكتب فلوبير القصاص الفرنسي قصة (مدام بوفاري)؛ فوجد الناس في أسلوبها خروجا عن مذهب الحياء، فرفعوا أمره إلى القضاء، فحكم عليه بالكف عن معالجة هذا النوع من القصص. ونظم بودلير الشاعر الفرنسي ديوانه "أزهار الشر" فثار على جرأته أهل النخوة وساقوه إلى القضاء فحكم عليه بغرامه وأحرقت قصائده.

وحينما هتك بشار في شعره ستر الحشمة نقم الناس منه ذلك، وتمنوا موته صونا للعذارى، وانتهى المجون ببشار إلى أن أمر به الخليفة المهدي فجلد حتى هلك...الخ هذه القصص التي تشير إلى رفض المجتمعات لمن يخرج عن منظومة القيم الخاصة بها.

إن النظام العام هو الذي يحمي المقدسات، ولكل مجتمع نظامه العام وآدابه، وإلى اليوم يمنع في الولايات المتحدة منعا باتا أن يسير الإنسان عاريا في الطريق؛ لأن ذلك مخالف للنظام العام. فعلى الرغم من الحرية الواسعة، بل التفلت الفظيع الذي تعاني منه هذه البلاد، إلا أن هناك نظاما عاما يمليه القانون، ويعاقب من يخالفه.

إن الحرية المطلقة فساد مطلق، فالإنسان حر في دائرة من القيود، والحرية تعني المسئولية والالتزام، وحرية الإنسان تنتهي من حيث تبدأ حرية الآخرين. أما مقولة: "أنت حر ما لم تضر". ليست على إطلاقها؛ لأن الضرر يمكن أن يلحق بالآخرين، إذا ترك كل إنسان يقول ما يشاء، أو يصنع ما يريد.




  أرشيف كتاب العدد

اطبع الموضوع  

Home