دراسات هامة

 

القصيدة التفاعلية الرقمية لشاعرها العربي الأول :

إحسان محمد جواد التميمي



القصيدة التفاعلية الرقمية لشاعرها العربي الأول :

هل تقرّب ميدان المنافسة من الآخر؟

إحسان محمد جواد

عضو اتحاد أدباء العرب بالانترنت

 

شيزوفرينا التواصل :

( لا يختلف اثنان في أن الشعر العربي المعاصر يعرف فترة ترد تام على كافة المستويات . ورغم ظهور شعراء جدد خلال العقدين الأخيرين فإن النادر منهم من استطاع أن يستقطب الأنظار ، وهو وإن نجح في إثارة الانتباه فإن ذلك لا يدوم طويلاً . كما أن بعض الأسماء الشعرية التي ما تزال تحتفظ لها ببعض البريق والحضور فذلك لا يعود في حقيقة الأمر إلى تطور تجربتها الشعرية بقدر ما يعود إلى إرث ما انفكت تستمد منه ألقها واستمرارها .

يبدو هذا التردي التام في كلمة واحدة : إنها أزمة التواصل ، وكان من نتائج أزمة التواصل هذه عدم تقدير الناشرين للأعمال الشعرية ، وعدم إقدامهم عليها ، وهم يستندون في ذلك إلى جمهور القراء الذي لم يعد يجد في ما ينشر من شعر ما يجذب انتباهه أو يثير حماسه ...

أمام وضع كهذا هناك نوع من التواطؤ على الصمت في انتظار أن تحل الأزمة مع الزمان ، أو في انتظار " الشاعر " الذي قد لا يأتي ، فيكون النموذج المحتذى الذي يملأ الدنيا ...

لكن الانتظار لكن الانتظار لا يمكنه إلاّ أن يطول ، والكل يتحمل المسؤولية في استمرار هذا الوضع ...)[1]

هذا النص الذي صدّرت به دراستي هذه يرجع إلى أهم النقاد العرب المهتمين بالأدب التفاعلي من خلال طروحات كثيرة كتبها عن هذا الموضوع ولعل أهم كتاباته تلك كتابه ( من النص إلى النص المترابط مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي ) الذي نقلنا من النص السابق .

ويرجع الأستاذ يقطين مسألة تردي الواقع الشعر إلى مشكلة التخلف التواصلي – إن جاز لنا التعبير – وهذا يعود بشكل أو بآخر إلى وحدات التواصل – بحسب ياكوبسن – فالعملية التواصلية الإبداعية أو غيرها تقوم على أساس تلك الوحدات الثلاثة وهي :

المرسل والنص والمتلقي

وإذا رجعنا إلى هذه الوحدات سنجد دون شك أن التفاوت حاصل وبخاصة وحدت التلقي ، فالعالم ترقى تواصليا بعد أن تطورت منظومة الاتصال والمعوماتية عبر الشبكة العنكبوتية / الانترنت وغيرها من الوسائل الحديثة .

في حين ما زال النص يرسل من منتجه بالطريقة التقليدية – أي الورقية – فدور النشر تعاني كثيرا من المنتوج الرقمي – الإلكتروني – بكل وسائله المخزّنة بالأقراص المدمجة أو المخزونة على النت ، لأن أغلب النتلقين عزفوا عن التلقي التقليدي – الورقي ومالوا بكشل كبير إلى المنتوج المنسجم مع التغير التقني – المستهلك أو المنتج – وأعني بالمنتوج المنسجم هنا منتوج التكنولوجيا وتقنيات المعلوماتية الحديثة .

وهذا الرصد النقدي الفاحص بحذاقة لمشكل الأزمة رصد شجاع نابع من جس المشكلة بمنطقة حدوثها وهو ما يسجل للناقد يقطين .

ولا يختلف رصد المشكلة عند النقاد التفاعليين الآخرين فالدكتورة فاطمة البريكي تؤكد هذا الأمر أيضاً وبخاصة في الفصل الثالث الموسوم ( الأدب التفاعلي والنظرية النقدية ) [2]. وكذلك يؤيد الأمر د محمد أسليم الذي كرّس كثيرا من كتاباته عن هذا الموضوع وبخاصة المنشورة في موقعه الخاص على الشبكة الرقمية [3].

ويرى هؤلاء النقاد وغيرهم من المهتمين بالأدب التفاعلي كالأستاذ محمد سناجلة والدكتور حسام الخطيب والأستاذ رمضان بسطاويسي وسامر محمد سعيد وغيرهم[4] أن مستوى التلقي يجب أن يتحول في المجتمعات العربية من التقليدية إلى التكنولوجية لكي لا يحدث شيزوفرينيا في عملية التواصل .

نسق التنافس المتأخر :

تعوّد المتلقي العربي على التأخر في منافسة الآخر حتى تحوّل في مخيال الذات إلى أنموذج للرقي فأحدث هذا الأمر ردّة نفسية حالت بين ثقة المنتجين العرب وغيرهم من المنتجين الغربيين الذين أصبحوا في مخيال الشرقيين وبخاصة العرب منهم أقواما لا تقهر ولا يمكن التقدم عليها  [5] .

فشاع بين الأوساط المثقفة أن ما يطرح على موائدها من معارف توسم بأنها حداثوية تعود إلى زمن تجاوزه الغربيون المنتجون الحقيقيون لتلك البضاعة فالبنيوية مثلا لم تدخل الكتابات العربية إلا في الثمانينات في حين انتهى عصر البنيوية في الستينات وما زلنا نتحدث في دراساتنا الحداثوية باللغة البنيوية في حين هجرت في المنتج الغربي الأصلي – أصلا - ...

وما مشروع التفاعلية ببعيد عن هذا الأمر ، لكن تصدّي مجموعة من المبدعين العرب لتقصير المدة الزمنية  بين تاريخ صدور نتاج الغربيين في هذا الجنس الأدبي الجديد وبين تاريخ نتاجاتهم – أي العرب – غيّر المعادلة ، وهو في اعتقادي بداية عصر جديد لنمط جديد من المنافسة قوامه :

أن المنافسة العربية للمنتج الغربي تأتي سريعا حتى قبل اكتمال رؤيتهم إليها ، فتاريخ الأدب التفاعلي يذكر أن أول رواية تفاعلية جاءت في سنة 1986 على يد ميشيل جويس مكتوبة على تقنية المسرد Storyspace[6] الذي أنتجه هو مع ديفيد جي بولتر [7].

أما أول قصيدة تفاعلية فكانت على يد الشاعر الأمريكي روبرت كاندل في سنة 1990 وقد تحدث في التاريخ نفسه عن تجربته التفاعلية أيضاً [8].

وإذا علمنا أن أول رواية تفاعلية عربية صدرت على يد الروائي المبدع محمد سناجلة عام 2001 بعنوان ( ظلال الواحد ) ، وأن أول قصيدة تفاعلية أو هي في الواقع مجموعة شعرية تفاعلية عربية نظمها الشاعر المبدع مشتاق عباس معن عام 2007 بعنوان ( تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق ) بعني أن نقطة الانطلاق العربية التفاعلية جاءت بعد عقد ونيف أي أنه سابقة غيّرت عصر التنافس المتأخر عصر متقدم .

يضاف إلى ذلك أن المشروع التفاعلي في الغرب ما زال في طور التأسيس ورؤى المبدعين هناك مازالت في طور التنمية ، وهو الأمر الذي ينطبق على مشروع التفاعلية العربية فالمبدع محمد سناجلة طرح رؤيته في كتابة الرواية التفاعلية بعنوان ( الواقعية الرقمية ) أما المبدع مشتاق عباس معن فطرح رؤيته بعنوان ( المجازية الرقمية ) .

أي أن الأمر لم يتوقف عند الإنتاج الإبداعي بل تعداه لتسجيل رؤى تنظيرية ، وهو أمر لو قيض له أن يترجم لنافس رؤى الغربيين .

فنتاج المبدعين المتألقين محمد سناجلة ومشتاق عباس معن يأتي فاتحة لبوابة عصر التنافس المتقدم ليغلقا عصر التنافس المتأخر مع الآخر .

المطلوب منا :

يجب علينا نحن المثقفين العرب أن نترك نسق ( مغني الحي لا يطرب ) ونعمل على تقديم يد العون لكل مثقفينا من خلال تقييم ما ينتجون تقييما بناءً لا هداماً وأن نعترف بوجودهم لأننا ضعنا حين ضيعنا مبدعينا بالتهميش ومصادرة إبداعهم .

اليوم لدينا مبدعان تفاعليان بعد أن كنا نمتلك واحداً ، فيجب علينا أن نعمل على تنميتهما ومساعدتهما لتقديم أصواتهما لنصبح مالكين لوسط تفاعلي من المثقفين ، فالمبدع الروائي محمد سناجلة والمبدع الشاعر مشتاق عباس معن في ذمة المثقفين العرب عليهم أن يقفوا معهما ، فهما إن لم يفلحا في إثبات نتاجهم فنيا فلهم السبق التاريخي الذي سيحفز كثير من مبدعينا لأن يدخلوا في تجربة هذين المبدعين رواية وشعرا .

 

 

الهوامش :



[1] من النص إلى النص المترابط مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي : 211

[2] مدخل إلى الأدب التفاعلي : 135 .

[3] ينظر الرابط : http://aslimnet.free.fr

[4] تنظر آراء هؤلاء في كتاب د فاطمة البريكي المشار إليه سابقا .

[5] المركزية الغربية : د عبد الله إبراهيم .

[6] المسرد عبارة عن بيئة ( وسطية ) للكتابة تسمح للتلقي / المستخدم بتنظيم شظايا النص من خلال خلق مساحات للكتابة ونوافذ يمكن ربط إحداها بالأخرى . مدخل إلى الأدب التفاعلي : 113

[7] المصدر السابق نفسه : 115 .

[8] المصدر السابق نفسه : 81 .




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home