قصة

 

فيض

طارق الطوزي



التهافت ألهث في غيابي القديم، الزمن الواصل إلى حلقة الكيان أهملني بازدراء، ألزمني الرحيل بين الأراضي القفر كئيبا هائما، أعتزل الجماعة خوفا من فتنة الحضور المرعبة، أعمق في ذاتي المتوحدة أعابث حكيها الماجن عسى أنسى فاجعتي اللعينة، فيعجزني نثار تلك الكارثة عن صفاء هدأة الصمت. الخطوات الفارة في فضاء التيه الجبري تكرر وقعها الحزين، ألزمتني الدنو المتخفّي إلى الاتساع؛ راء بغير قرار؛ مابين الجليل و الحقير، ما بين نزق الغطرسة و حلم الإستسلام، ما بين لؤم المتاجرة و حمق الإمامة، ما بين وقاحة المجاعة و سذاجة الكفاف، ما بين عربدة الحماسة و علاء العزوف، ما بين ثقة الإيمان و لجاجة الكفر، ما بين فتنة الفجور و روحانية الإطمئنان، ما بين تخفي الهمس و علانية الفحش. لقبت في ضياعي بأسماء متخمة وقحة، تابعت سقوطي ببهرجة الإحتواء، فكنت : الغريب، الكريه، الكافر، الفاجر، العنيد، الزنديق، الملحد، المعتزل، الصوفي، الرافضي، الحشاش، القذر، الحقير، الخائف، الهاذي، الراهب، الإبليسي، الزبد، المارق، البائد، الكاذب، المتلصص، الواشي، الوثني، اللعين، المجنون، و أسماء أخرى صرت أستحضر معناها بما يغاير عادة الكلم. غدا كلّ شيء على غير ما أسلفت فهمه، حدود العالم تغيّرت فبدت مبهمة. مثار السؤال أرهقني فأزعج سكينة من حضرت مقامهم، اتهموني بالغلو و الباطنية الملحدة، حاصروا قولي حتى استخفوا ببوحي ، تتبعوا خطواتي الشاردة في ساحاتهم كي يحجموا الناس عن شطحي المجنون. قلت لهم : إني وليد وقع صاخب. سخروا منّي، و آنسوا إلى سفيههم يمزق ستري، و ارتشوا حارسهم حتى يعلن استباحة عرضي. قلت لهم : كالعادة النجوى في المغادرة. تآمروا على قتلي؛ فغبت بفيضي من جديد... لقــاء تأملني بعين قلقة غير مستقرّة، وشرود يمتد إلى ما خلف الاعتياد. عندما لمح اهتمامي اضطرب، و نهض مغادرا، تتبعته بإلحاح طلب الخلاص، توقف يرمقني غاضبا، وقد بدت على ملامحه المنهكة شارة تحدّ حذر... الشيخ : لم تهتم بهذا الركام العابث ؟ أتراك تطلب مثابا خسيسا ؟ هدأت من روعه بكلمات طيبة، و أظهرت له احتراما زاهدا. لكن بتطفلي الساذج أضمرت فضول معرفة حكايته لعلّها تكون لي ملاذا ملهما؛ تدبرت في نفسي حيلة؛ سأفضي له بمكنون هذا الصدر العليل عسى أن يبادلني مودة البوح، فأصيب مرامي. الغلام : أشقى رواحا على هذا الطريق القاحل باحثا عن قوتي الغريب، فلا تقنع برؤيتي على هذه الحال الشريدة، قد كنت ابن سيد عشيرة الكالحة و أفضل رجالها عندما أصابتني علّة سافلة كما يقولون، كنت أجالس الجميع قاصا حكايا كاذبة عن الفرسان و المجانين و معارك الجان، أشعرني هذا بحريّة و علوّ امتدت إلى الطيش؛ فغدا مرحي انتهاكا شقيا لطقس العشيرة. قسا عليّ الجميع و هم يتطيبون بحديثي. غادرتهم غير آسف إلى الاتساع؛ إلى ما فوق الانتماء الكئيب لضحالة الحضور الساذج، تنقلت بين القرى القريبة و البعيدة؛ أروي قصصي و أقتات من نزر ما يطعموني. الشيخ : حافتك تطلّ على القيض، قد أغربت بك سطوة الرؤيا عن السنن، فأشرقت بنشوة الرفض. الغلام : أعاند هياجي كي أستدلّ على بعث الثبات فلا أراني إلّا في فوار نزق. الشيخ : ذاك الصحو، اجعله في منزلة الشقاء ترى الفجور مزيّة الرحمة. اشتدّ عليّ قوله حتى أخرسني صمتي. ركنت إلى السماء الماطرة حائرا عند هذا المقام. رسمت خطوطا مبعثرة على الأرض الرملية المبتلّة. فكرت في بليّة حديث أدرك بعضي فسلبني فراري، مزقت رهبة السؤال... الغلام : من أنت ؟ الشيخ : أنا طريد في ملكوت يتهدم، في هذا التلاشي القاتم. البــوح الشيخ : سرى في نبضي الخافت انتباه دهش. ارتعش جسدي السقم بفرح السطوع. تمردت على الهوّة السحيقة بامتدادي الجبّار. انقشع عني خوفي و إرباكي إلى صفاء الكيان الجامح. تبلبل لساني بلغات قديمة منسيّة يبشر الغسق بصرخة الشقاق. بدا صوتي كالعواء يحمل ألم مخاض شيطاني. المدى انحل تحت وطأة البرود و الهبوب المائي إلى زندقة البعث. كانت تلك أثر شربة واحدة من نهر قديم ضائع. رحلة القفار إلى راو كفيف، تحوّلت إلى ضياع في مجهول الدروب الموحشة، و حينما أيقنت الموت، تراءى لي نهر يشقّ ساحة فنائي بإعجاز الحياة الشريدة. كانت تلك أثر شربة واحدة من نهر قديم ضائع. ابتل لساني بماء تخلله طلسم لعين، فانشققت عن العادة الرحيمة إلى اختلاف يقظ، تملكني شعور بامتدادي نحو المطلق في فراغ هائل، و أمطر الفضاء، خلت أن المطر قرينة هذا المكان الضائع، فتبين لي بعد حين أني قرين سقط المطر. كلّما أمشي على أرض إلّا و تلبدت سماؤها سحبا معطاءة و أثقلت المكان بنعم حضورها، حتى و لو كانت صحراء يباب، و لا تفارق موطن حلولي إلّا بعد فراقي. صدمت لتغيّري الكافر، بحثت عن خلاص ما، يئست الفرار إلى التبدل، فآثرت بقنوطي الكئيب مساءلة أسياد العلم عن حالي. لم يصدقوا، أيقنوا، فسروا، تكلموا، تحلقوا، اختلفوا؛ فأدركوا لعنة حضوري، و ابتدأ غيابي. انفتحت السبل الماكرة عن باب السلطان؛ فصيرني بلائي تعويذة الخصب، بيد أنّ طول المقام فاض بالبلاد إلى الهلاك. أنكر العالي فتنتي فصيرني آلة حرب تكمن في متاهات أرض العدو حتى القضاء. هزمت حاجتي للظهور، كرهت الثبات و نفاق الحاشية الساذج، أقضني المكان الساكن في وقار الصمت، و مقتّ الأفكار المجاهرة بمروقي عن الاعتدال العظيم؛ فكان الفرار... الفـــرار تمضي بين منعرجات البسيطة الساخرة ضائعا رجيما. تماجن ذاكرتك التعبة. تخاصم ألفة الوقوف الهادئ. تخبو إلى عزلتك في رحيل بلا مقام. تترصد عيونا بلهاء تستفسر حيادك العادة. ترتاب في إسراف الحركة. تختنق صوما عن الكلام. تردد بعثرة إيقاع قديم تائه عند الغروب. ترصد سماء تتبدل إلى خفاء الغمام في بهت. تيأس من رحلة اللعنة. تضحك بلا معنى و تبكي قنوطا. تشعر بدوران مجنون يحلّق على تربتك النجسة. هناك... تشتاق إلى تستر مطبق. ترسم على جدار صخري بهرجة ساجدة. تتسخ بطين المحنة. تصرخ غيابا. تحتجب في كهوف الردّة. تأكل العشب بنهم الانتقام. تقذف الصخر غاضبا. تسلك شعاب الوهم لتخلق النسيان. في البريّة المتعبدة تتواتر خطواتك الشريدة... الشيخ : بل كنت فرحانا؛ ترقص روحي أملا غامضا. الشيخ : مكثت في فراقي الحياة تحت الركام، أغني عن العباد و الرياض و الشوق. الشيخ : أجلت اللقاء حتى تبذر مأساتي صداما مولدا. التــوهم على عتبة الفجر، سار ركبنا إلى الفيضان. انتشت أطرافنا المبتلّة براحة البهجة، ارتدّ السواد إلى ضياء ناعم... الغلام : تمرح الحكاية؛ فيفتضّ الصمت. الشيخ : قد تنشق فتنة الآية عن هجير. الغلام : ملاذ الغائب رحيق كافر؛ كي يهزم الطاعة. الشيخ : و لكن بلاء الغلو غرق آخر. الغلام : ما الحاجة لهمس بلا طوفان ؟ اتسعت ضحكته حتى غدت هبوبا ماردا...




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home