القلم الفكري

 

الادب في حياة المسلم

عمر عاصي



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ذي الحجج البوالغ والنعم السوابغ والنقم الدوامغ

و

صلى الله على كاشف الغمة عن الأمة، الناطق فيهم بالحكمة

 

اما بعد , 

" نحنُ إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم "

 

بعد ان لم يكن هناك بدٌ من ان يتميز المسلم بالخصال الحميدة والافعال المحمودة والشمائل الراقيه والاقوال السديدة إرتأيت ان نكرس وقتا لا بئس به في معالجة هذه القضية الحساسه في مجتمعنا المسلم وفي حياتنا كبشر .. 

كثيرا ما نرى من الملتزمين بهذا الدين الحنيف والدرب المستقيم اشخاصا يبذلون الجهود في الخوض في الامور الفقيهة او الاختلاف في تطبيق بعض السنن تاركين قيم عظيمة ورائهم تحلى بها رسولنا الكريم الذي كان على خلق عظيم ! كما تحلى بها اصحابه ومن رحم الله ! ان كلامي هذا لا ينفي اهمية تطبيق السنن والشمائل التي اتى بها رسولنا ونفيها لا بد ان يعتبر اختلال في الموازين الايمانية عند المسلم ! 

كثيرا ما بين الرسول الكريم اهمية الادب في حياة المسلم كما جاء في الحديث : انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق ! وعندما سئل الرسول : ما الدين ؟ قال ( حسن الخلق ) .. وكفا بهذين الحديثين في توضيح اهمية الادب ومكارم الاخلاف في حياة الانسان المسلم ! 

وقال ابن عباس - رضي الله عنه -:

" أطلب الأدب فإنه زيادة في العقل، ودليل على المروءه ، مؤنس في الوحدة وصاحب في الغربة، ومال عند القلة " . 

وقال أبن المبارك رحمه الله :

" لا ينبل الرجل بنوع من العلم ما لم يزيّن علمه بالأدب ". 

وقال ابن المبارك أيضاً :

" نحنُ إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم ". 

وسُئل الحسن البصري - رحمه الله - عن أنفع الأدب ، فقال :

" التفقه في الدين، والزهد في الدنيا، والمعرفة بما لله عليك ". 

 

ان هذه الاقوال التي اعتقد بها سلفنا الصالح ما هي الا لتبيين اهمية الادب في حياة الفرد المسلم ولوجوب وجوده في حياتهم كما اننا لو طبقنا هذه القيم لما وصلنا الى ما  وصلنا اليه من الهوان والانحطاط .. 

 

اخوتي الكرام يجب ان نتفق ان الدين لا يكمله عمامة ولا عباءه ولا الاختلافات الفقيهة التي ركز المسلمون لها حيزا لا بئس به في ايامنا هذه ..

 

ان الدين ليكتمل بحسن الخلق والتأدب مع الله ورسوله وسائر المخلوقات وان الامثلة في هذا الباب كثيرة جدا ومنها نذكر أدب سيدنا إبراهيم مع ربه لما قال : ) الذي خلقني فهو يهدين ، والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين( [الشعراء:79 ] ..، ما قال والذي يمرضني ويشفين، وإنما قال  ( وإذا مرضتُ ( فنسب المرض إليه ، ونسب الهداية والطعام والسِّقا والشفاء إلى الله رب العالمين،  مع أن الله هو الذي يمرض ولا شك ، وهو الذي يشفي ، لكن لم يرد أن ينسب المرض إليه عزوجل ، أدباً مع الله سبحانه وتعالى ، وهذا من كمال أدب الخليل عليه السلام

ومن ادب المخلوقات مع الله نرى  ان السلف رحمهم الله يستحبون أن يتجمل المرء  لربّه في صلاته، حتى كان لبعضهم حلةٌ عظيمة إشتراها بمالٍ كثير يلبسها وقت الصلاة، ويقول : ربي أحق من تجملتُ له في صلاتي.. 

 

اخوتي , ان الرسول قد كرس اهمية قصوى في دعوته ورسالته على نشر مكارم الاخلاق سواء بدعوته اليها وتحليه بها كما وان احد اهم المقاصد الشرعية من العبادات التي دعى اليها  كالصلاة والزكاة والحج مايترتب على أدائها من مكارم الأخلاق كالصبر والتواضع والمواساة. 

ولكن اذا لم نكتسب هذه الصفات من القيام بهذه العبادات فهل الخلل فيها ام فينا .. انه فينا يا اخوتي فيجب علينا مراجعة حساباتنا !  

 

لقد بين الرسول الدرجة العظيمة التي حظي بها كريم الاخلاق وصاحب صنائع المعروف وقد فضله على الصائم القائم في حديث "إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" أخرجه أبو داود رحمه الله من حديث عائشة رضي الله عنها.. 

 

وفي اكتمال الايمان في قلوب العباد يبين رسولنا الكريم من هم افضل المؤمنين في حديثه : :"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا , وخيارهم خيارهم لنسائهم" أخرجه أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

 

وفي ثقله في الميزان يقول : :"ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق " أخرجه أبو داود وأبو عيسى الترمذي رحمهما الله من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه 

 

وما يعرفه البشر اجمع ان وصية الرجل الحكيم والانسان النبيل لا يقول فيها الى اهم ما وصل اليه او احب ان يصل اليه ونرى الرسول يوصي معاذ بن جبل بقوله : "كان آخر ما أوصاني به النبي  حين وضعت رجلي في الغرز أن قال : يامعاذ أحسن خلقك للناس" 

 

 

فطوبى لمن حَسُنَ خُلقه .. لان الايمان لا يرتقي ولا يبلغ المنازل الرفيعه الى بحسن الخلق وان موضوعي هذا لهو تذكرة لنفسي اولا وللمؤمنين فكما قال عز وجل : ان الذكرى تنفع المؤمنين .. فيا اخوتي الكريم لنجعل من عباداتنا تأديبا لانفسنا وتعويدها على مكارم الاخلاق !  

فأن هذه العمامة التي يرتديها ذلك الشيخ واللحية التي التحاها والعباءة التي ارتدها ليمتثل بالنبي ظاهرا فان الواجب عليه ان يمتثل به باطنا ولا بد من ان تحمل هذه العمامة او اللحية ورائها اعتقادا راسخا بوجوب ولزوم الامتثال بالرسول اخلاقيا والعمل قدر المستطاع على هذا الامر ... ونفس القول نقولها للاخوات الكرام لم يأتي الدين ليقول للمراة ارتدي حجابا .. ان ارتداء الحجاب وشرعيته يحمل مقاصد عظيمة ورائه فاذا لم يكن هذا الحجاب يحمل في طياته العقيدة والفكر الاسلامي فما الفرق بين منديل هذه المسلمة ومنديل تلك اليهودية او الراهبة !

ان الامتثال برسول الله خـُلقيا لهو امر ليس بهين وخاصة في هذا الزمان المكلل بالمظاهر الرديئه والافكار الضاله والفتن المضللة التي استولت على مجتمعات كثيره ..

يجب ان نري كل العالم ان وراء كل شملة من الشمائل المحمدية وكل سنة من سنن النبي  فكر واع وعقيدة راسخه .. وان رسولنا لم يفعلها من باب الهوى او التقليد بعربي او اعجمي ..

ونسأل الله ان يجعلنا ممن يستعمون الى القول بيتبعون احسنه وان يهدينا الى الصراط المستقيم !

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home