القلم السياسي

 

الديمقراطية التوافقية والعراق المنقسم

هشام محمد علي



الديمقراطية التوافقية والعراق المنقسم حكم الشعب لنفسه عبر ممثله الذين يختارهم من خلال الإنتخابات التي تعطي الأغلبية احقية الحكم، لم تعود كافية في العديد من البلدان التي تمثل الأغلبية فيها فئة معينة والفئات الاخرى اقلية ذات قدرات محدودة تبقى في اكثر الأحيان في إطار المعارضة الغير فعالة وهذا مايؤدي الى تحول من ديمقراطية الأكثرية إلى إستبداد الأكثرية. تتحول الأكثرية إلى اكثرية مستبدة في المجتمعات الغير متجانسة من النواحي الطائفية او العرقية وهو لاينطبق على مجتمعات الجماعة الواحدة، رغم ان العالم يتجه نحو التوحد لا الإنقسام والظواهر السياسية اصبحت ظواهر عالمية عابرة للقارات وليست كل ظاهرة خاصة ببقعة جغرافية كما في السابق، وايضاً تطور الإتصال الذي جعل من العالم قرية إلا ان المجتمعات لاتزال تعاني الإنقسامات بل وقد تزداد هذه الإنقسامات حدةً في غالبية المجتمعات كما ذهب هنتنغتون في كتابه من نحن فهو يقول "بداءت الهويات الثقافية القومية الثانوية والمحلية تتقدم على الهويات الوطنية الأكثر إتساعاً" (صموئيل ب. هنتنغتون، 2005) مدخل بعودة سريعة إلى التاريخ نرى ان أفلاطون1 قد تأثر كثيرًا بالحُكم الجائر الذي صدر بحقِّ سقراط2 وأدى إلى موته، الأمر الذي جعله يعي أن الدولة محكومة بشكل سيئ، وأنه من أجل استتباب النظام والعدالة ينبغي أن تصبح الفلسفة أساسًا للسياسة. (www.wikipidia.com، 10/05/07 الساعة 10:35) ففي جمهوريته (افلاطون، الجمهورية) قسم المجتمع إلى ثلاث طبقات هم الحكام الذين يجب ان يكونوا من الفلاسفة، وطبقة المحاربين (الجنود) والطبقة الأخيرة هم الصناع من العاملين والحرفيين، لأجل ان يحقق مجتمع العدالة والرفاه، لكن طرحه كان اكثر مثاليةً مما يتحمله الواقع. بقي الفلاسفة وعلماء الإجتماع يحاولون لأجل مجتمع افضل حتى ظهرت فكرة العقد الإجتماعي3 الذي كانت اول بذوره مع الفيلسوف الأنكليزي هوبز (1651)م وجون لوك (1691)م واكثر نضوجاً في فكر جان جاك روسو (1712)م (عبد الجبار،فالح. المجتمع المدني في عراق مابعد الحرب) الذي آلف كتاباً بعنوان "العقد الإجتماعي" الذي يوصف بأنه انجيل الثورة الفرنسية وهو من اشهر كتبه، كان لهولاء المفكرين دورا فكرياً في قيام الثورة الفرنسية التي ساهمت بشكل كبير في صنع الديمقراطيات فيما بعد. يتطلب اتخاذ القرارات في الأنظمة الديمقراطية الى موافقة أغلبية الأعضاء وفي بعضها الأغلبية البسيطة اي 51% مقابل 49% وهنا قد يقول مناصرو الديمقراطية الأكثرية ان المقصود بالأغلبية البسيطة هي السياسية وليس الإثنية، لكنهما في واقع الامر وجهان لعملة واحدة في المجتمعات الغير متجانسة كالمجتمع العراقي ومجتمع لبنان ومجتمعات اخرى عديدة، لذلك يتطلب اتخاذ القرار في هذه البلدان إلى الإجماع وليس الأغلبية فقط وعندما يغيب هذا الإجماع تدخل البلدان في موجات من اللا استقرار السياسي التي قد تؤدي إلى شل حركة المجتمع بكامله او ان تقوده إلى حرب داخلية في بعض الحالات المتفاقمة. قد يؤدي صعوبة الوصول إلى الإجماع في بعض القرارات إلى تجميد العملية السياسية والتلكؤ في اتخاذ القرارات وإدارة البلد في بعض الحالات، وحسب المفكر العراقي د. فالح عبد الجبار (محاضرة، بناء الديمقراطية. معهد الدراسات الإستراتيجية: بيروت) بأن "مثل هذه الحالات تكون عادةً في الديمقراطيات الناشيئة التي يكون ممارسيها بحاجة إلى وقت ليتعلموا كيفية التعامل مع القرارات، ومع بعضهم البعض" اي انهم اشبه بلاعبي فريق كرة قدم تشكلوا حديثاً، فهم سيحتاجون إلى زمنٍ لأجل ان يُخلق الإنسجام الذي يخلق التوافق بينهم. بلدان العالم الثالث (العراق نموذجاً) المشكلة السياسية في بلدان العالم الثالث او البلدان الفاشلة حسب مايحلو للبعض تسميتها، لاتكمن في تنوع الإنتماءات فيه بقدر ماهي في شكل إنتماءات افرادها لهذه التنوعات ودور نخبهم في تحديدها، والغالبية منهم يقعون في الجانب السلبي من المستقيم، لكننا سنأخذ ديالكتك السنغافوريين الذين صنعوا دولةًً تدنو من النجاح على مستوى العالم. يتكون الشعب السنغافوري من صينيين ومالاويين وهنود واخرون، وكل عرق من هذه الأعراق لها ثقافتها الخاصة بها ومن ضمن هذه الثقافة لغتهم التي تعبر عهن هويتها في امام الأخر، لكنهم عوضاً عن هذه اللغات اختاروا اللغة الإنكليزية لتكون لغة البلاد الرسمية وإلى جانبها تعتبر اللغات الأخرى لغات ثانية كلٌ حسب مقاطعته، هذا الإنتماء للجماعة هو غير الإنتماء الكلاسيكي القائل بأن الخروج عن اللغة هو خروج عن الملة. إن إعتراف الشعب بالإجراءات الخاصة التي تحدد الكيفية التي يتم على اساسها إتخاذ القرارات هي من العناصر الأساسية للديمقراطية، لأن الشرعية السياسية هي إستعداد الشعب (بفئاته) لتقبل القرارات التي تصدرها الدولة ومؤسساتها وإن عارضت الميول والمصالح احياناً وهنا يكون دور النخب الفئوية في الديمقراطية التوافقية التي تتمايل فيها الأكفف اعتماداً على قوة وضعف هذه النخب. مايميز الديمقراطية التوافقية عن الأغلبية هو انها لاتسمح بأن يفرض من كان ضمن المجموعة الأكبر رأياً على اربابه في المجاميع الأصغر وهي تساعد على الحفاظ على وحدة مجتمع او دولة تعاني من الإنقسامات الثقافية والعرقية، كالمجتمع العراقي الذي يضم في طياته مجاميع مختلفة لدرجة انها تختلف في تفسير تاريخ العراق بل وتاريخ الإسلام والمنطقة، ويطال هذا الإختلاف تفسيرهم وتعاملهم مع الديانات الأخرى ايضاً. هم غير متفقين على الكثير من الرموز والأبطال، والأعداء عند بعضهم هم اصدقاء ذوي عرفان عند اخرين، والحال ليس بأفضل بالنسبة للأصدقاء، واللاتجانس بارزٌ حتى في طموحات المنتمين للجماعة الواحدة ففي حين يطمح البعض إلى دولة دينية يعمل الأخرون لأجل العلمانية، وكذلك الأمر بالنسبة للمكونات المستقلة عن بعضها البعض بل وهي اسواء. طالما كان الحديث عن ان السبب الرئيسي للصراع الحاصل في العراق هو سياسي وليس طائفي رغم ان الطائفية في العراق لازالت تعتبر السياسة جزءاً منها، إلا ان البداية قد تكون عندما اهمل الساسة من الشيعة بالتعاون مع الساسة الكرد، دور الساسة من السنة، فأدت محاولات اثبات السنة لوجودهم السياسي إلى صراع زعزع الوضع السياسي الذي اثر سلباً على التجانسات الإجتماعية فتحولت المشكلة السياسية إلى مشكلة شخصية (طائفية-عرقية) حشد لها كل طرف مايستطيع من تكتلات داخلية وخارجية اصطحبت معها اجندات جديدة واطماع مبيتة مازاد الصراع حدةً وتعقيداً وصل حد القتل على الهوية والتهجير القسري وكل ذلك مرشحٌ للزيادة لحرب اهلية او تقسيمٍ قد يكون اقاليم وقد يقسم العرق إلى جماعات بدلاً او إلى اقاليم تقسم إلى جماعات فئوية ذات قوة منظمة لأجل ضمان الأمن، وهذا سيؤدي إلى وجود مركز ناطق رسمي بأسمه فقط. بذلك سيصبح لدينا عراق جماعات وبدلاً من تفسير الأمور حسب الأعراق والطوائف، قد يكون حسب العشائير والعوائل. وقد يكون الحل من خلال دولة اكثر مركزية وهذا مايصعب تحقيقه في الفترة الحالية، او ان يكون الحل من خلال ابواب الديمقراطية التوافقية التي تختلف عن الأكثرية في نقاط عدة نذكر منها: (أذهب إلى الجدول رقم -1-) الديمقراطية التوافقية ديمقراطية الأكثرية • تضم حكومة ائتلاف واسع تتشكل من عدة احزاب بحيث تمثل معظم او جميع مكونات المجتمع، لبنان، سويسرا كنماذج. • حكومة اغلبية برلمانية تعتمد الإستحقاق الإنتخابي في تشكيل الحكومة، بريطانيا، فرنسا كنماذج. • نسبية في التمثيل (المحاصصة) توزيع التعينات في الإدارات الهامة العامة بصورة نسبية كما المجلس الفدرالي السويسري، وايضاً الوزارات والمؤسسات اللبنانية. والقرارات الصعبة تتخذ من قبل نخب الجماعات. • قاعدة الأكثرية جميع القرارات بما فيها التعينات تتخذ من قبل الحكومة، مع عدم اهمال دور التكتلات الأخرى. • الفيتو المتبادل (حق النقض) وسيلة لحماية الاقلية ضد القرار الاكثري. • قرارات الحكومة (الأكثرية) تعتبر نافذة ولايحق لفئة الإعتراض عليها. • الإستقلال القطاعي (إدارة ذاتية) أن تحكم الأقليات اوالثقافات الفرعية منها والمتوازية نفسها في المنطقة التي تعنيها سواء عن طريق الحكم الذاتي او الفدرالية او اللامركزية. وهذا يخدم منع الجمود الذي قد يحدثه الفيتو في إستصدار بعض القرارات. • في بعض ديمقراطيات الأكثرية يمكن تحقيق هذا الشرط كما في امريكا. جدول رقم (1): الفروقات بين الديمقراطية التوافقية والديمقراطية الأكثرية. معهد الدراسات الإستراتيجية، الديمقراطية التوافقية مفهومها ونماذجها(معد: الأنباري، شاكر) بتصرف الديمقراطية التوافقية • تضم حكومة ائتلاف واسع تتشكل من عدة احزاب بحيث تمثل معظم او جميع مكونات المجتمع، لبنان، سويسرا كنماذج. • نسبية في التمثيل (المحاصصة) توزيع التعينات في الإدارات الهامة العامة بصورة نسبية كما المجلس الفدرالي السويسري، وايضاً الوزارات والمؤسسات اللبنانية. والقرارات الصعبة تتخذ من قبل نخب الجماعات. • الفيتو المتبادل (حق النقض) وسيلة لحماية الاقلية ضد القرار الاكثري. • الإستقلال القطاعي (إدارة ذاتية) أن تحكم الأقليات اوالثقافات الفرعية منها والمتوازية نفسها في المنطقة التي تعنيها سواء عن طريق الحكم الذاتي او الفدرالية او اللامركزية. وهذا يخدم منع الجمود الذي قد يحدثه الفيتو في إستصدار بعض القرارات. ديمقراطية الأكثرية • حكومة اغلبية برلمانية تعتمد الإستحقاق الإنتخابي في تشكيل الحكومة، بريطانيا، فرنسا كنماذج. • قاعدة الأكثرية جميع القرارات بما فيها التعينات تتخذ من قبل الحكومة، مع عدم اهمال دور التكتلات الأخرى. • قرارات الحكومة (الأكثرية) تعتبر نافذة ولايحق لفئة الإعتراض عليها. • في بعض ديمقراطيات الأكثرية يمكن تحقيق هذا الشرط كما في امريكا. خاتـــمة لأجل ضمانة صيرورة العمل بالنظام التوافقي لابد ان تأخذ النخب اماكنها الصحيحة في قيادة جماعاتهم من خلال قدرتهم على تحشيد وتهدئية الجماهير وقت الحاجة. بسبب عدم مقدرة الديمقراطية بمعناه المعروف (حكم الأكثرية) في التجارب التاريخية من خلق دول مستقرة مزدهرة من واقع غير متجانس، فرضت الديمقراطية التوافقية نفسها كبديل لإيجاد إنسان افضل في مثل هذه البلدان التي اثبتت التجارب عدم قابلية الانظمة الغير ديمقراطية على صهر الفئات السكانية المختلفة معاً رغم المحاولات العديدة التي انتجت معظمها فئات اكثر تعصباً لنفسها (معهد الدراسات الإستراتيجية، الديمقراطية التوافقية مفهومها ونماذجها(معد: الأنباري، شاكر)) يجب ان يكون السير نحو التغير اي من الأسواء إلى الأفضل الذي له اسباب عدة من بين إحدى تلك الأسباب هي الحروب الأهلية التي يرشح البعض العراق لها، لكن حرب العراق سوف لن تخلق تغيراً بل قد تولد إنقساماً عدائياً. بقي لنا اتباع الطرق الأخرى للتغير وهي في معظمها تعتمد على المصلحين والقادة، والمصلحين في العراق إما أغتيلوا او هم على قائمة الإغتيالات، او تركوا البلاد لينجوا بأنفسهم ولا يكون الإصلاح من الخارج. اما القادة ذوي الدور الأكبر في التغير في العصر المعاصر، فالمؤشرات لاتزال تشير إلى السلب من الدور للجيل الحالي منهم رغم وجود العديد من المحاولات ذات الظاهر الإصلاحي، إلا ان الطريق امسى اعقد مما كان قد اصبح عليه، ورغم هذا وذاك فالنخبة تبقى العامل الرئيسي في نجاح المشروع السياسي في العراق. 1. هو فيلسوف يوناني قديم، عاش بين(427 ق.م - 347 ق.م) وهو أحد أعظم الفلاسفة الغربيين، حتى ان الفلسفة الغربية لم تعتبر إلا حواشي لأفلاطون، تتلمذ على يد السفسطائيين ومن ثم سقراط، وكان استاذا لارسطوطاليس. 2. فيلسوف ومعلم يوناني (469 ـ 399 ق.م). جعلت منه حياته وآراؤه وطريقة موته الشجاعة، أحد أشهر الشخصيات التي نالت الإعجاب في التاريخ، وهو معلم افلاطون الفيلسوف والمؤرخ زينفون 3. هو عقد افتراضي لاوجود له على ارض الواقع بين الحاكم (السلطة) والمحكوم (الشعب) وهو مختلفٌ من ناحية المضمون بأختلاف طارحيه. المراجع 1. هنتنغتون، صمئويل. من نحن، ترجمة حسام الدين خضور، دار الرأي للنشر 2005 2. www.wikipidia.com 3. افلاطون، الجمهورية 4. عبد الجبار، فالح. المجتمع المدني في عراق مابعد الحرب 5. د. فالح عبد الجبار (محاضرة، بناء الديمقراطية. معهد الدراسات الإستراتيجية: بيروت) 6. (معد: الأنباري، شاكر)، الديمقراطية التوافقية مفهومها ونماذجها، معهد الدراسات الإستراتيجية، بتصرف ملحق رقم (1): اسماء دول تتبنى الديمقراطية التوافقية وعلماء دعوا لها. (عدد من مواقع الأنترنيت: تم الوصول من خلال محرك البحث كوكل (www.google.com). بلجيكا، نمسا، سويسرا، كندا، لبنان، ماليزيا، قبرص، كولومبيا، الاوروغواي، غانا ونيجيريا. وقد صاغ العالم السياسي النيذرلندي، آريند ليبهارت Arend Lijphart ، الديمقراطية النسبية (proporzdemokratie) ثم عبارة الديمقراطية التوافقية (konkordanzdemokratie) في معرض الحديث عن النمسا وسويسرا. اما ج بنغهام باول G Bingham Powell فقد وصف بخاصة "التجزؤ الاجتماعي"، بينما حلل يورك شتاينرJurg Steiner "الاتفاق الرضائي" بالمقارنة مع قاعدة الاكثرية. ودرس إريك نوردلينجر Eric Nordlinger "احتواء النزاعات في المجتمعات المقسَّمة".




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home