القلم النقدي

 

أولاد حارتنا

رغداء زيدان



 

أولاد حارتنا

رغداء زيدان

واجهت هذه الرواية كثيراً من النقد و الدراسة سواء من المؤيدين أو المعارضين , و السبب أنها كانت رواية مختلفة نوعاً ما , هي رواية تتحدث عن الكون و الدنيا والبشر , عرض فيها نجيب محفوظ لنظرة شاملة للخليقة منذ خلق آدم إلى يومنا هذا وبين فيها أن البشر تأخذهم نفس الأحلام ولهم نفس الأماني يحلمون بالوقف وريعه ولكن طمعهم يطغى عليهم فيسارع الأقوياء منهم للسيطرة على الخير كله ومنع الآخرين من التمتع به .

هي لعبة القوة و أحلام العدل و الرحمة و انتظار الفرج , وكلما طغى الفساد لابد من ظهور الإصلاح في النهاية , و لكن هذا الإصلاح يكون وقتياً لا تستمر نتائجه , و دائماً يموت بعض البشر من أجل تحقيق العدل و نشر الرحمة و الفضيلة فيأتي بعدهم من يحصد نتائج تضحيتهم ويسرقها ويحرفها ليعود بالأمر إلى ما كان عليه من سوء وربما بشكل أفظع , حتى بات بعض البشر يعتقدون بعدم جدوى العمل أو التضحية .

وضعتني هذه الرواية في موقف أحسست فيه أنني أستعرض شريطاً سينمائياً للخليقة منذ خُلق آدم إلى هذا اليوم , رأيت فيه تكراراً لصور الظلم والتسلط والفساد وبنفس الوقت محاولات متنوعة للإصلاح : بدءاً من طريقة الجبلاوي التي اتبعها في محاولة إصلاح أدهم وادريس حيث نجحت في إصلاح أدهم ولكنها فشلت في إصلاح إدريس , إلى محاولة جبل في الإصلاح التي اعتمدت على القوة والبطش لضبط الأمور, وكان همه محصوراً في تحقيق العدل لحيه وأهله فقط فنجحت طريقته في حياته ولكنها انحرفت بعد مماته , ومحاولة رفاعة اللينة الرحيمة والتي لم تنفع ودفع حياته ثمناً لها ولكن كعادة البشر فهم لا يعرفون قدر من يكون بينهم إلا بعد وفاته , بيد أن أتباعه استغلوا ذلك لتحقيق أحلامهم فبدت تضحيته كأنها ثمن لتبديل فساد بفساد أشد , حتى ظهور قاسم وطريقته التي اعتمدت على القوة والرحمة , العقل والمنطق والعاطفة , فحققت طريقته نتائج أروع وأنصع إلا أن هذه النتائج لم تدم لأنه لم يوجد من أتباعه من سار على طريقته في المحافظة على الإصلاح فغلبت الأنانية على الغيرية , والطمع على التضحية , وأخيراً كان عرفة الذي رأى أنه لابد من شيئ خارق يقلب الأوضاع ويقضي على الفساد قضاءً مبرماً ولكن السحر انقلب على الساحر وتحولت المحاولة إلى مأساة , زاد بسببها الفساد قوة وخفت نور الإصلاح ولم يبق للبشر إلا الحلم , حلم ظهور حنش الذي سيملئ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً .

إن الرموز التي اعتمدها نجيب محفوظ هي رموز جريئة , فقد رمز للذات الإلهية بالجبلاوي ولموسى بجبل ولعيسى برفاعة ولمحمد صلى الله عليه وسلم بقاسم ولتيارات فكرية وحضارية برفاعة ثم ختم بالمهدي فرمز له بحنش .

هذه الرموز كانت تقترب أحياناً من الواقع وتبتعد في أحيان أخرى , مثلاً عندما تحدث عن رفاعة اقترب من عيسى في صفات الرحمة واللين وشفاء الناس ولكنه زوّجه من خائنة ( زوجة لوط ) .

رمز الجبلاوي كان غامضاً وكذلك رمز البيت الكبير فنحن لا يمكن أن نجزم بأن نجيب محفوظ كان يقصد بهذا الرمز الذات الإلهية وأن البيت الكبير والحديقة الغناء هي الجنة لأن الجبلاوي بشر تزوج وله أولاد وأملاك وفي النهاية قُتل , صحيح أن قتله بحد ذاته رمز ولكن الجبلاوي لا يظهر لي أنه رمز لذات الله بل هو رمز للقوة والسيطرة والمال , هو رمز السعادة البعيدة التي يحلم الإنسان بالإقتراب منها والعيش في كنفها وما قتل الجبلاوي على يد عرفة إلا بيان لإحساس البشر في هذا العصر بالضياع والتشاؤم والخوف والبعد عن السعادة , فالبشر كثروا والأطماع كثرت وأسلحة الدمار تنتشر في الكون منذرة بالدمار الشامل والموت للبشر جميعاً , رغم أن هدف البشر هو الوصول إلى هذه السعادة والعيش بسلام وأمن عندها , ولم يبق للبشر إلا أحلام بعيدة وانتظار لمعجزة تعيد للأرض الأمن وللبشر السعادة  , ولكن هل تأتي هذه المعجزة ؟ وإذا جاءت فعلى يد من ؟ رجلٌ من آل جبل أم من آل رفاعة أم من آل قاسم ؟ أم أنه رجل آخر ربما يهبط من كوكب آخر غير الأرض ؟

رمز الفتوات بقي واحداً على اختلاف العصور فالظلم وجه واحد قبيح , القوة التي لا تعرف الرحمة ولا العدل , والتسلط الذي يكتم الأنفاس , والشهوة والأنانية التي تستكثر على الأخرين حتى أنفاسهم , ولكن الإصلاح مختلف وإن كان هدفه واحداً .

هناك طرق مختلفة للإصلاح ظهرت على مر العصور , كانت تنجح في وقتها إلا أن أثرها لايدوم كأنما هي إضاءات تظهر في ليل مظلم وطويل .

ولكن كيف يستطيع الإنسان الذي يسعى للإصلاح أن يضمن نتائج عمله وديمومته ؟ هذا ما يجب أن يفكر فيه كل من يسعى لذلك ويجب عليه أن يستفيد من التجارب السابقة التي جاءت ونادت بطريقتها للإصلاح .

على العموم فإن رواية أولاد حارتنا هي رواية ساحرة وجميلة ومفيدة .

 

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home