القلم السياسي

 

حركة"حماس" النضج السياسي المطلوب واحتمالات الربح والخسارة

حسام أبو حامد



اعتاد قطاع غزة أن يشهد حضورا إعلاميا كثيفا، وربما كان الأكثر حضورا في وسائل الإعلام بالرغم من صعوبة العمل وخطورته في غزة، وهذا أمر يعرفه الكثير من الصحفيين ورجالات الإعلام. وإذا كانت الصورة الإعلامية في غزة بدأت تتضح أكثر فأكثر، بسبب هذا "الإرث الإعلامي" وعدم قدرة حركة "حماس" على تعتيم عدسات المصورين والاستمرار في عمليات المنع وتكتيم الأفواه رغم كل المحاولات السابقة والحالية لاسيما أنها هي نفسها بحاجة للتسويق الإعلامي. نقول، إذا كان هذا هو حال المشهد الإعلامي فإن "الصورة التحليلية" لمستقبل القطاع انطلاقا مما هو قائم اليوم تبدو بدورها أشد وضوحا.

 

منذ انقلاب حركة "حماس" في غزة واستيلائها على القطاع بدأت السلطة الوطنية، ممثلة بالرئيس محمود عباس ولاحقا بحكومة سلام فياض، بجملة من الإجراءات والخطوات المتسارعة لإزالة آثار الانقلاب الحمساوي في غزة. ودخلت مع حركة "حماس" في عملية مواجهة مفتوحة إدارية ومؤسساتية وقانونية. فبالإضافة إلى إقالة حكومة هنية وتشكيل "حكومة طوارئ" تحولت لاحقا إلى حكومة "تصريف أعمال" مع تعذر اجتماع المجلس التشريعي، شكل الرئيس عباس لجنة للتحقيق في أحداث غزة وقام بإجراء تغيرات جذرية في أجهزة الأمن ترافق مع محاسبة صارمة، وإصدار مراسيم سعت إلى ضبط الأمن في الضفة الغربية والحيلولة دون تكرار ما حدث في غزة على أراضي الضفة الغربية. وأعلنت السلطة الوطنية رداً على دعوات "حماس" للحوار بعد أن تم فرض الأمر الواقع، أن لا حوار مع "الانقلابيين" قبل التراجع عن نتائج الحسم العسكري ومحاسبة المسئولين عن الانقلاب. كما سعت السلطة الوطنية لاستصدار قرارات إدانة دولية وعربية لهذا الانقلاب، وجرى مؤخرا تعديل قانون الانتخابات ليعتمد التمثيل النسبي ويضمن اعترافا بمنظمة التحرير الفلسطينية كشرط لخوض هذه الانتخابات. كما أبدت السلطة قلقها حيال إمكانية تدني الأوضاع المعيشية لسكان القطاع، واستمرت في إدارة الملف الاقتصادي وبرامج المساعدات الإنسانية لقطاع غزة لاسيما الغذائية والطبية. كما حرصت على استمرار تدفق التيار الكهربائي و المياه، وعملت على صرف ما استطاعت من رواتب ومستحقات مالية أخرى مع إلغائها للعقود الوظيفية التي تعود لفترة المحاصصة بين حركتي "حماس" و "فتح" والتي شملت أعدادا من موظفي حركة "فتح" لا تقل عن أعداد أولئك المنتسبين لحركة "حماس". كما عملت السلطة الوطنية على تجفيف المنابع المالية لحركة "حماس" والحيلولة دون حصولها على أية جبايات أو أموال ضريبية لصالح الحكومة المقالة. أما على الصعيد الأيديولوجي، بدأت السلطة الوطنية الفلسطينية بالعمل على بلورة خطاب ديني سياسي تنويري أنيط به منافسة الخطاب الديني السياسي المتشدد لحركة "حماس" وقد تجسد هذا الصراع الأيديولوجي في معركة صلاة الجمعة من كل أسبوع.

 

ويبدو لنا أنه في الوقت الذي استطاعت فيه السلطة الوطنية الفلسطينية ومعها حركة "فتح" أن تتعامل مع الأمر الواقع في غزة بحنكة وبقدرة سياسية عالية، فإن حركة "حماس" ظهرت وكأنها لم تعد العدة الكافية لإدارة متطلبات ما بعد الانقلاب العسكري. وإن استطاعت أن تسيطر على القطاع بحسم عسكري سريع، فإنها تبدو عاجزة عن المحافظة على هذه السيطرة ومشروعها في القطاع مرشح لفشل ذريع. إذ يبدو أن القطاع يتجه نحو تصعيد شعبي، إن بدأ بمعارك أيام الجمعة فإنه مرشح لأن يمتد ليتحول إلى ما يشبه العصيان المدني الشامل عبر الاضرابات والمسيرات الاحتجاجية والاعتصامات في الساحات العامة في مختلف أيام الأسبوع. ولن يكون ممكنا لحركة "حماس" أن تستمر في قمعها الوحشي للمواطنين في قطاع غزة، ولن تنفعها اتهاماتها للآخرين بالتحريض على الفتنة والعصيان طالما أن الذي يحرض يستفيد بالأساس من احتجاج ما لدى الطرف المحرض (بفتح الراء). أي أن المحرض (بكسر الراء) الأكبر على الفتنة والاضطراب يجب البحث عنه في مسلكية حركة "حماس" وما تقوم به في قطاع غزة. وما تقوم به السلطة الوطنية الفلسطينية أو حركة "فتح" ما هو إلا إدارة لهذا التذمر الجماهيري الواسع والمتنامي والذي بدأت تحسن استغلاله لإجبار "حماس" على التراجع عن نتائج الحسم العسكري.

 

حين قامت حركة "حماس" بانقلابها كان التناقض بينها وبين حركة "فتح" على أشده. وبررت "حماس" الانقلاب في غزة بالتخلص ممن سمتهم زمرة من "الفتحاويين الفاسدين" وحوى خطابها السياسي والجماهيري مفاهيم ركزت على التمييز بين "فتح" الحركة و"تيار فتحاوي أمني فاسد" لم تعد "حماس" بقادرة على السكوت عما يلحقه بها من أذى. وربما استطاعت حركة "حماس" كسب بعض التأييد من قبل بعض كوادر حركة "فتح" في غزة الذين كانوا أصلا متذمرين مما آلت إليه أوضاع حركة "فتح" وناقمين على بعض القيادات الفتحاوية المحلية ومحتجين على تأجيل المؤتمر العام للحركة إلى أجل غير مسمى، لكن ذلك لم يدم طويلاً، ولم يستطع هذا الخطاب أن يخترق كوادر الحركة وقواعدها بالشكل الذي أعد له، لاسيما بعد أعمال القتل والتنكيل الذي مارسته "حماس" بحق كوادر وقيادات حركة "فتح". فلا تزال مشاهد قتل وسحل المدهون، على سبيل المثال، متناقلة بين أبناء الحركة عبر أجهزة الهاتف النقال والأقراص المدمجة وتشكل بالنسبة لهم استفزازا يوميا. اليوم وبعد الانقلاب لم يعد التناقض محصورا بين حركتي "حماس" و "فتح" بل امتد ليتحول إلى تناقض بين حركة "حماس" من جهة وحلف واسع مؤلف من السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية بكافة فصائلها وعديد من القوى الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى. بل توترت العلاقات بشكل غير مسبوق بين حركتي "حماس" وحركة "الجهاد الإسلامي" التي تعتبر تقليديا التوأم العقائدي والإيديولوجي لحركة "حماس" بعد أن ضاقت الأخيرة ذرعا بحملة السلاح من كوادر الجهاد الذين استمروا بإطلاق الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية انطلاقا من قطاع غزة. إذ اصطدم هؤلاء برغبة حمساوية في احتكار حمل السلاح في قطاع غزة، وهو الأمر الذي كان فيما مضى مطلب السلطة الوطنية في محاولاتها الرامية إلى منع الفلتان الأمني والذي رفضته "حماس" في حينه. أما الهوة بين "حماس" وشرائح متعاظمة من الشعب الفلسطيني فهي آخذة بالاتساع، والوقت لا يعمل لصالح حركة "حماس" كما تشير إليه المعطيات والوقائع. فقد أظهرت استطلاعات الرأي تراجعا حادا في شعبية حركة "حماس" التي اعتمدت دائما على أنصارها والموالين لها من خلال شبكة من العلاقات الجماهيرية والشعبية أكثر من اعتمادها على كوادر الحركة نفسها. هذه الاستطلاعات طبعا جرت بعيد انقلاب "حماس" في غزة فكيف ستكون الحال بعد الأحداث الأخيرة؟!

 

 بالإضافة إلى العمل الاجتماعي والخيري ولعبة "المال النظيف"، كانت المقاومة شعارا هاما في عملية الاستقطاب الجماهيري بالنسبة لحركة "حماس". لكن منذ وصولها إلى السلطة بدأت حركة "حماس" تفقد ورقة رابحة هي ورقة المقاومة بعد أن أعلنت هدنة طويلة الأمد مع الاحتلال الإسرائيلي، وبعد أن تحولت أجنحتها العسكرية إلى قوات تمرد داخلي ومن ثم إلى "قوات مكافحة الشغب" أو "قوات حفظ النظام" والتي باتت أداة لقمع المواطنين، الذين لم يفعلوا شيئا أكثر من تشيع شهداء سقطوا جراء العدوان الإسرائيلي أو جراء عملية فدائية، أو ربما احتشدوا في عرس يعتبر من وجهة النظر الحمساوية "مشبوها" لأن العريس ينتمي لحركة "فتح"، ولأن الحضور تغنى بأغنيات وطنية لا ترضى عنها البومات "حماس" وجملها الموسيقية، أو لعلهم رفعوا رايات صفراء اعتادوا أن يرفعوها جنبا إلى جنب مع العلم الفلسطيني طوال أربعين عاما من النضال، أو القيام بصلوات في العراء احتجاجا وتعبيرا سلميا عن رأيهم. هؤلاء لم يقوموا بما يمكن أن يسمى "شغبا" من حمل للسلاح أو تكسير لسيارات أو حرق لمحلات تجارية أو سلب لمؤسسات الوطنية أو احتلال لمقرات وسيارات إسعاف وسيارات دفاع مدني ونحوه مما يندرج تحت مسمى "الفوضى الأمنية" أو "الشغب". لكن يبدو أن جريمة تسييس الصلاة من أشد الجرائم التي يعاقب عليها قانون "حماس" المسلح بميكانيزم " الفتوى" في حين أنها هي نفسها قامت أيديولوجيا على إسلام مسيس. وهل بقي شيء فلسطيني لم يسيس؟ حتى لقمة الخبز وجرعة الحليب وخطبة الجمعة.

 

ويبدو أن لدى حركة "حماس" قناعة راسخة بأن أبواب السماء مشرعة بالقدر الذي يتوافر لها فيه قدر أكبر من الأعداء. ونتيجة لهذه التراجيديا السياسية السيئة الأداء باتت حركة "حماس" اليوم في عزلة بفضل عدم إتقانها اللعبة السياسية. طبعا لم تكن حركة "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية بكافة فصائلها دائما بعيدة عن العزلة والحصار وعدم الاعتراف الدولي. كان اّخرها حصار الرئيس ياسر عرفات في المقاطعة بعد رفضه الخضوع وتوقيع اتفاقية كامب ديفد الأخيرة التي لم ترق إلى مستوى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والذي ترافق مع تدمير للبنى التحتية الوليدة ولمؤسسات السلطة الوطنية بما فيها المؤسسات الأمنية وحصار سياسي واقتصادي واسع، لكنها استطاعت على الأقل بفضل برامج سياسية واضحة والتفاف جماهيري و شعبي واسع أن تنتزع الاعتراف الدولي بها وأن تدفع دائما باتجاه تدويل وعالمية القضية الفلسطينية. استطاعت ذلك في أكثر من حقبة تاريخية، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر فترة هامة تمثلت في بدايات السبعينيات من القرن الماضي، حيث تنامي السخط الدولي على المنظمات الفدائية الفلسطينية بعد عمليات خطف الطائرات وعملية ميونخ الشهيرة التي تبنتها منظمة أيلول الأسود. مع ذلك استطاعت منظمة التحرير الخروج من هذه العزلة عبر تبنيها لبرنامج النقاط العشر كبرنامج سياسي تخاطب به الأسرة الدولية. واستطاع ياسر عرفات الدخول إلى مبنى الأمم المتحدة لإلقاء خطابه الشهير، وأصبحت فلسطين عضوا مراقبا في الأمم المتحدة، وتم الاعتراف بالمنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني. وقد يسارع بعض المتشدقين كعادتهم إلى القول أن ذلك كان ثمنا للتنازلات السياسية وللتخلي عن المقاومة. لكننا نجيبهم أن عدد العمليات الفدائية باتجاه فلسطين المحتلة قد تنامي في تلك الحقبة كما ونوعا فبلغ في العام 1974 ما يزيد عن 350 عملية فدائية.

 لقد اثبت تاريخ النضال الوطني الفلسطيني جدل السياسي والكفاح المسلح فليس هناك من فاعلية للكفاح المسلح ما لم يتوفر له الغطاء السياسي المناسب فإن أية ثمار يمكن أن تجنى من كفاح مسلح مدروس ومنظم هي ثمار سياسية في المحصلة النهائية. "حماس" وإن استندت في ما مضى إلى دعم شعبي واسع إلا أنها لم تصغ برنامجا سياسيا واضح المعالم، بل كان كل ما لديها تخبطا وعدم وضوح سياسي وبالتالي خسرت العلاقة الجدلية بين الدعم الشعبي والبرنامج السياسي الواضح والفاعل من جهة وبين الكفاح المسلح من جهة أخرى. والطامة الكبرى التي ستحل بـ"حماس" إذا ما استمرت في هذا التخبط هو أنها ستخسر الدعم الشعبي الفلسطيني والعربي بعد أن خسرت سلفا الدعم الدولي. فلا يمكن لأي حركة مقاومة وطنية أن تعرّف نفسها سلباً من خلال سياسة التخوين والاتهام وتلقف أخطاء الآخرين مقدمة نفسها كبديل مجرد. هذا على كل حال ليس ببرنامج سياسي. فمن طبيعة أي برنامج سياسي أن يضع خيارات وبدائل لما هو مطروح وقائم على ارض الواقع، لاسيما إذا كان هذا الواقع غير مرضي عنه، ومن طبيعته أن يمسك بزمام المبادرة فهو فعل لا مجرد رد فعل، كما أنه ليس فن الخطابة أو اللغة التعبوية. السياسة ليست مجرد شعارات للاستهلاك الشعبي والجماهيري بل أيضا هي ممارسة عملية يحددها برنامج سياسي واضح المعالم يناط به تطوير هذا الواقع القائم وإحداث التغيرات المطلوبة على صعد مختلفة.

 

على "حماس" اليوم أن تقوم بعملية مراجعة شاملة إذا ما أرادت أن تكون حركة رائدة  في العمل الوطني الفلسطيني وذلك مشروط طبعا بالحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني وعدم الانجراف إلى مشاريع أخرى مهما اختلفت تسمياتها. وعليها أيضا أن تتراجع عما تورطت أو ورطت فيه من حسم عسكري في غزة. فإذا كان مبرر الانقلاب هو القضاء على رموز الفساد في غزة، كما أعلنت حركة "حماس"، فقد تحقق هذا الهدف واستنفذ الانقلاب أغراضه، فلم التمسك به والإصرار عليه؟ وإذا سلمنا مع الإخوة في حركة "حماس" بما تعتبره "أخطاء السلطة والأجهزة الأمنية" فالأخطاء لا تعالج بالخطايا. أما إذا كانت حركة "حماس" تعلم أن سيطرتها على غزة لن يدوم، وهذا أمر إيجابي، فإن محاولاتها تحسين ظروف التراجع والحصول على أكبر قدر من المكاسب لن يعني سوى مزيد من المعاناة للشعب الفلسطيني ومزيد من التناقضات الفلسطينية ـ الفلسطينية التي تهدد المشروع الوطني الفلسطيني والوحدة الوطنية الفلسطينية. ولن يوازي أي مكسب حمساوي خسارتها للرصيد الشعبي والجماهيري، الأمر الذي قد يعني انتحارا سياسيا لحركة "حماس".

 

آن لليل غزة أن ينجلي، و آن لحركة "حماس" أن تصل إلى سن الرشد السياسي بحيث تستطيع أن تقدم برنامجا سياسيا تعرف نفسها من خلاله إيجابا لا سلبا. وعلى "حماس" أن تعلم أنه إذا كان الشعب الفلسطيني بغالبيته مؤمن ومتدين فإنه أيضاً لن يحتمل طويلاً خطابا متطرفا يطالب بلون سياسي ومذهبي واحد، على الأقل بحكم تركيبته التي تشكلت تاريخيا وظروف نضاله الوطني والتعددية السياسية والدينية التي نشأ في ظلها، وطالما بقيت المرأة الفلسطينية تلعب دورا أساسيا في النضال الوطني بعد أن غادرها زوجها وابنها إما شهيدا وإما أسيرا،   و طالما بقيت نسبة المتعلمين والمثقفين من أبناء الشعب الفلسطيني مرتفعة كعادتها، وطالما بقيت المدارس والجامعات هي مؤسسات العلم الرئيسية وليس المسجد ونظام الكتاب. وطالما أن الشعب الفلسطيني انتفض وواجه التطرف الصهيوني ولن يكون مستعدا لتحمل ظلم ذوي القربى الذي هو أشد مضاضة.




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home