القلم النقدي

 

دنيا...كلما طغت الفكرة فسدت الرؤية السينمائية

محمود الغيطاني



    هل من الممكن طغيان الفكرة على العمل الفني و من ثم تصبح هي الأساس الذي يتحرك من خلاله المبدع- و من أجلها فقط- حتى انه لينسى كل شئ سواها؟ و ماذا لو حدث ذلك و سيطرت الفكرة بهذا الشكل الخانق على مبدعها، حتى أنها لتطل بين الفينة و الأخرى من طيات العمل الفني برأسها كي تخرج لسانها لكل من المبدع و المتلقي معا؛ لتصرخ في وجهيهما (ها أنا ذا)؟

    أظن أن طغيان الفكرة بهذا الشكل لا بد سوف يفسد العمل الفني تماما لينهار بنيانه في نهاية الأمر لصالحها، و من ثم تصبح جميع تفاصيل هذا العمل و تنويعاته المختلفة مجرد أوجه متشابهة- إن لم تكن متطابقة و مجموعة من المرايا- لذات الفكرة الملحّة التي تمسك بخناق الطرفين- المبدع و المتلقي- و من ثم يتحول الأمر إلى جحيم خانق للجميع مما يؤدي في نهاية الأمر إلى الفشل الذريع نتيجة سيطرتها.

    أعتقد أن مثل هذا التساؤل لا بد أن يستدعي بالضرورة مجموعة أخرى من التساؤلات و التأملات الهامة عن ماهية العمل الفني و دوره الاجتماعي أو الفني، و بالتالي لا بد لنا أن نتساءل متأملين ماذا لو حاول الفنان- من خلال عمله الفني- تقديم مقطع من الحياة، و لكن دون إلباسها ثوب الفضيلة أو الأفكار الثقافية و التفلسف، و أنه لا بد من وجود دور اجتماعي هام يلعبه هذا الفن؟ أو بمعنى آخر لما لا يحاول الفنان مجرد التأمل فقط من خلال عمله الفني المطروح على الجمهور دون الزج بأيدلوجيته الخاصة و أفكاره التي يريد أن يقولها، ثم يترك العمل في نهاية الأمر للمتلقي الذي لا بد سيتجاذب أطراف التفكير معه، فإما أن يتحرك من أجل محاولة التغيير أو يظل مكانه ساكنا و لكن بعد إثارة زوبعة ذهنية داخله؟

    علّ هذا التساؤل الأخير يذكرني بالفيلم الجميل "أسرار البنات" لمخرجه "مجدي أحمد علي"2001 ، و الذي كان أهم ما يميزه و يعطيه أهميته أن جميع صنّاع الفيلم بلا استثناء قد التزموا من خلاله الجانب الحيادي التام و الموضوعية الصادقة التي لا تدين أحدا- و لا ترجح هذا الجانب أو هذا الفكر أو التيار على الآخر- و من ثم خرج الفيلم مكتملا تماما من حيث موضوعيته ليترك الأمر في النهاية للمشاهد الذي لا بد سيتفاعل مع الأمر إما بالإيجاب أو السلب، و يكفينا في نهاية الأمر أن الفيلم قد أثار داخل المشاهد الكثير من التأملات، سواء كانت هذه التأملات دافعة للتغيير، أو لمجرد النقاش فقط حولها، و لكن الذي يعنينا في النهاية أن الفيلم قد التزم بحياديته دون الانسياق الملحّ حول الفكرة و من ثم يؤدي ذلك- الانسياق للفكرة- إلى إفساد الفيلم.

    ربما كانت هذه التساؤلات و التأملات الهامة و غيرها الكثير هي ما يدور في أذهاننا أثناء مشاهدتنا لفيلم "دنيا" لمخرجته اللبنانية "جوسلين صعب"؛ لأن الطغيان القوي للفكرة التي تقدمها قد أفسد علينا تماما متعة مشاهدتنا لهذا الفيلم الذي كان من الممكن أن يكون فيلما هاما و مكتملا و ناضجا لولا الإلحاح الشديد و الدائم على فكرته الجميلة التي أراد الفيلم طرحها، فأدى ذلك بالرغم من وجاهة الفكرة إلى إفساد العمل الفني تماما.

    و بالرغم من كون الفكرة لدى "جوسلين صعب"- كما قلنا آنفا- جميلة و مقبولة، إلا أنها بدت من خلال الفيلم شديدة الالتباس؛ ربما لعدم اكتمالها بالقدر الكافي و من ثم عدم نضجها، فخرجت لنا تكاد تكون شائهة أو (مسلوقة) على حد تعبير القول الجاري على ألسنة المصريين؛ فتارة نشعر أنها ترغب التركيز على فكرة فن الاحتفاء بالحياة و من ثم عيشها كما ينبغي لها أن تعاش، و تارة أخرى نشعر أنها تريد نقاش فن الاحتفاء و من ثم اكتشاف الجسد و التصالح معه و التعرف عليه باعتباره منطلقا أساسيا للتصالح مع النفس، و ليس مجرد سجنا خانقا أو تابوتا نظل محبوسين فيه منذ لحظة ميلادنا؛ و بالتالي فنحن ننظر إليه نظرة دونية- في مجتمعاتنا العربية- على الرغم من أهمية اكتشافه، و تارة ثالثة نراها تحاول نقاش قضية هامة جدا- بذلنا فيها الكثير من الجهد و الوقت للحد من استشراءها- ألا و هي قضية ختان الإناث و التأثير السلبي الخطير العائد على الفتاة و من ثم المجتمع فيما بعد نتيجة لهذا الفعل الحيواني و الإجرامي في حق إناثنا.

    نقول أن هذا الالتباس الشديد لدى "جوسلين صعب" قد أصابنا بحالة أقرب إلى الدوار طوال مدة مشاهدتنا للفيلم و بالتالي كلما مضى مشهد من مشاهده كنت أنتظر المشهد الذي يليه علّه يوضح لي أكثر ما الذي ترغب المخرجة في قوله بالضبط، و لذلك تساءلنا كثيرا لما لم تفكر المخرجة "جوسلين صعب" في تقديم مذكرة تفسيرية لكل مشاهد- مع تذكرة السينما- من أجل استيعاب نقلاتها السريعة و الفانتازية سواء على مستوى السيناريو أو المونتاج و بالتالي ينتفي كل هذا العذاب الذي جعلتنا نعيش فيه؟

    و لكننا قد نستطيع التماس العذر للمخرجة "جوسلين صعب" في هذا الالتباس الذي ساد فيلمها نظرا لكونها نتاج طبيعي و ابنة لهذا المجتمع العربي الخانق الذي أفرز العديد من الأفكار و العادات الشائهة تجاه إناثه و بالتالي أدى تراكم هذه الأفكار في الذهنية العربية الراغبة في الانطلاق أحيانا، إلى الكثير من البلبلة حينما تحاول الخروج من أسر كل هذه التراكمات؛ فتأخذها كلها دفعة واحدة، أو كتلة صماء بلا ترتيب أو تفتيت، مما يؤدي إلى عدم وضوح الفكرة مثلما ظهر أمامنا في فيلمها الذي قدمته.

    و لذلك نراها تحاول نقاش كل هذه الأفكار دفعة واحدة من خلال "دنيا"(حنان ترك) خريجة كلية الآداب، المحبة للشعر، و التي تعد لرسالة علمية عنوانها "الحب في الشعر العربي"، و الراغبة في ذات الوقت تعلم فن الرقص الإيقاعي لأن والدتها كانت من أشهر الراقصات- قبل وفاتها- من ناحية، و لأنها ترى أن الرقص ليس إلا فنا راقيا- مثله مثل غيره من الفنون- و ليس عيبا و حراما و عارا لا بد من التبرؤ منه كما كان المجتمع ينظر إلى والدتها و من ثم يدينها من ناحية أخرى، و لأنها ترى في الرقص وسيلة للانطلاق نحو آفاق رحبة و أكثر حرية و جمالا، و من ثم التعرف على ذاتها أكثر من ناحية ثالثة؛ لاسيما أنها تقوم بدراسة الحب عند المتصوفة و حالات الشطح و الوجد الصوفي لديهم، فنراها تتقدم لإجراء اختبار تتأهل من خلاله للاشتراك في مسابقة دولية للرقص تمثل فيها اسم مصر، إلا أننا نراها تقف على خشبة المسرح متشنجة غير قادرة على الحركة، و بالتالي حينما يطلب منها أحد أعضاء لجنة التحكيم محاولة الشعور بنفسها قائلا (مالك متخشبة كدا؟ حاولي تحسي بجسمك شوية) نراها تقول (أنا عمري ما شفت جسمي، أول مرة شفت صورة واحدة عريانة كانت في السينما) و سرعان ما تتهاوى أرضا لتجلس في وضع الجنين مبررة ذلك بأنها دائما ما تجلس هكذا حتى لا يراها أحد.

    لعل هذا المشهد الذي قدمته المخرجة "جوسلين صعب" في بداية فيلمها له من الأهمية بمكان ما يدلل على أزمة تلك الفتاة التي نشأت في مجتمع يحرم دائما، بل و يجرم إمكانية تعرف الإنسان على ذاته أو جسده؛ و بالتالي ينظر الجميع إلى الجسد باعتباره سجنا خانقا يضطر الإنسان منا طوال عمره حمله و الحياة داخله على الرغم من رفضه له و النظر إليه نظرة دونية باعتباره دنسا و عيبا و حراما و ثقلا و أداة من أدوات الفجور و الفسق و الخروج على العرف الاجتماعي، نقول أن هذه النظرة المتدنية تجاه الجسد و التي نتمتع بها بلا منازع في المنطقة العربية عامة هي التي جعلت مثل هذه الفتاة تخشى حتى مجرد النظر إلى جسدها عاريا و التعرف عليه، ومن ثم تحول جسدها الذي تحيا داخله ليل نهار إلى مجهول بالنسبة لها تخشاه و يخشاها، تحاول ترويضه فيرفضها و ترفضه، في حين أنها لو حاولت التعرف عليه و التصالح معه لاستطاعت أن تعيش بشكل أكثر طبيعية و حيوية و انسجاما، و لاكتسبت سعادة داخلية تجعلها دائما مقبلة على حياتها.

    إلا أننا من خلال شخصية "دنيا"(حنان ترك) التي تم تقديمها بهذا الشكل نلمح أنها الشخصية الأساس و المحور الرئيس الذي يدور حوله الفيلم، و من ثم نجد أن جميع الشخصيات الأخرى مجرد شخصيات هامشية تدور في فلك تلك الشخصية الرئيسية من أجل اكتمال الدائرة، فيما عدا شخصية "بشير" (محمد منير) الشخصية الأخرى الموازية "لدنيا"(حنان ترك) و الذي تم تقديمه باعتباره أديبا متفتحا ينادي بالتقدمية و الحرية و الدفاع المستميت عن إجازة نشر النسخة الهندية- الأصلية- من كتاب "ألف ليلة و ليلة"، و المدافع دائما عن شعر الحب عند كل من بشار بن برد، ابن عربي، أبو نواس، و ما قاله "ابن حزم الأندلسي" في "طوق الحمامة"، و ما إلى ذلك من الأمور التي يراها المجتمع المنغلق دائما باعتبارها مجون و فجر و فيها شئ غير قليل من الكفر، و نتيجة لهذه الأفكار التي يتبناها و يصرح بها على الملأ، بل و يكتب العديد من المقالات دفاعا عنها يضربه مجموعة من المتعصبين دينيا- الذين باتوا اليوم هم السمة الغالبة لمجتمعاتنا العربية و كأننا قد صرنا عبارة عن مجتمع ضخم من المتعصبين-، نقول أنهم يضربونه ضربا مبرحا حتى يصاب بفقد الإبصار التام، بل و يتم منع معظم مقالاته من النشر خشية المد الديني و الآراء المتخلفة من حوله و السياق الاجتماعي الخانق، إلا أنه بالرغم من ذلك يصر على الحياة و التعامل مع حياته الجديدة- وسط إظلام البصر- فيحاول الاستفادة من جسده و التعامل معه و كأنه عيناه اللاتي تم فقدانهما- في إسقاط مباشر على أهمية التعرف و من ثم التصالح مع الجسد- فيذهب إلى مدرب الرقص الذي تتدرب عنده "دنيا"(حنان ترك) ليدربه فن التعامل و التعرف على الجسد الذي يصبح بديلا لعينيه فيرى من خلاله.

    ربما كانت هاتان الشخصيتين الرئيسيتين هما الشخصيتين الأساس التي قام الفيلم عليهما من أجل نقاش فكرته الأساسية نحو الحرية و الانطلاق و التعرف على الذات و الجسد، و ختان الأفكار المقابل لختان الإناث و ما يترتب على ذلك فيما بعد، إلا أن المخرجة- و كاتبة السيناريو- "جوسلين صعب" كي تحاول التأكيد على فكرتها أكثر، أو بمعنى آخر كي تطمئن إلى وصول الفكرة إلينا واضحة- باعتبارها تفترض دائما غباءنا وعدم قدرتنا على التقاط الفكرة- خلقت لنا مجموعة أخرى من الشخصيات التي أضرت بالفيلم أكثر مما أفادته، فرأينا "عنايات"(عايدة رياض) سائقة التاكسي و جارة (حنان ترك) في الحي الشعبي الذي تقيم فيه، و التي قدمها الفيلم باعتبارها إحدى الزوجات التي تعاني من عدم الارتواء الجنسي نتيجة ختانها؛ و لذلك تصر على عدم إجراء عملية ختان لصغيرتها "ياسمين" حتى لا تعاني فيما بعد مما تعانيه هي، و لكن جدة الطفلة تصر إصرارا تاما على ختان الطفلة و بالتالي تقوم بختانها دون علم أمها مبررة ذلك للطفلة بقولها (دا جرح صغير عشان لما تكبري تبقي ست محترمة) في إسقاط على العقلية العربية التي ترى في ذلك الجزء الصغير (البظر) سببا لكل الشرور و الفسق الذي من الممكن أن يدور حولها على الرغم من وجود الكثيرات من الفتيات المختونات اللاتي يمارسن البغاء، إلا أننا دائما لا نحب تأمل الأمور بل نأخذها كما توارثناها مما أدى إلى هذه العقلية العقيمة.

    كما نرى "أروى"(سوسن بدر) الدكتورة المشرفة على رسالة "دنيا"(حنان ترك) و صديقة الأديب "بشير"(محمد منير) في ذات الوقت، و التي تم تقديمها أيضا باعتبارها تعاني من عدم الارتواء الجنسي لذات السبب الذي تعاني منه "عنايات"، إلا أنها تحاول التغلب على ذلك بحبها لزوجها (خالد الصاوي) و نظرا لثقافتها و تفتحها فهذا من العوامل التي تساعدها على اجتياز أزمتها الكابوسية الملازمة لها طول حياتها ألا و هي عدم الارتواء الجنسي.

    و هناك شخصية أخرى و هي "ممدوح"(فتحي عبد الوهاب) الذي تربطه علاقة حب مع "دنيا"(حنان ترك) و الراغب فيها رغبة جنسية ملتهبة طوال الوقت، إلا أنه حينما يتزوجها يبدأ في الزهد فيها لأنه يراها باردة جنسيا و غير قادرة على تلبية رغباته الجنسية نتيجة لنفس السبب الذي تعاني منه "عنايات"(عايدة رياض)، "أروى"(سوسن بدر) مضافا إلى ذلك أنها لم تتعرف على جسدها من قبل و بالتالي فهي غريبة عنه.

    ربما نلاحظ من خلال هذه التوليفة التي قدمتها لنا المخرجة "جوسلين صعب" أن جميع الشخصيات تقريبا هي تنويعة واحدة و صورة واحدة لذات الفكرة التي تدور في فلكها، و هي فكرة الظمأ الجنسي و البرود المستفحل في المنطقة العربية لدى إناثها نتيجة فعل الختان و ما يسببه من مشاكل بالإضافة إلى ما رسخ في الذهنية العربية من أن طلب المرأة للجنس حتى و لو كان هذا الطلب موجها لزوجها يعد فسقا و فجورا و قلة أدب و بالتالي ينظر الرجل للمرأة التي تطلب حقها الطبيعي في ذلك باعتبارها داعرة أو غير صالحة كي تكون زوجة له أو أما لأولاده، و لذلك نرى "أروى"(سوسن بدر) على الرغم من كونها متعلمة و مثقفة تنصح "دنيا"(حنان ترك) بالتمنع دائما على زوجها و من ثم تعلمها هذا الفن- فن التمنع الجنسي- قائلة لها ألا تشعره على الإطلاق بأنها هي التي تريده أو ترغبه و ألا تطلب منه ذلك أبدا باعتبار هذا التمنع بالإضافة إلى ما سبق من المحفزات الجنسية!

    و لكن هل من الممكن صناعة فيلم بمثل هذه الطريقة؟

    لقد لاحظنا من خلال الفيلم أن المخرجة "جوسلين صعب" قدمت سيناريو مهلهلا و مفككا تماما لا يربطه أي رابط موضوعي أو منطقي؛ فبدت جميع العلاقات بين جميع الشخصيات لاعقلانية و غير مبررة، فنحن لم نعرف ما هو الرابط المنطقي الذي يجعل فتاة تحضر لرسالة علمية في الجامعة على علاقة وطيدة و حميمة مع سائقة التاكسي "عنايات"(عايدة رياض) سوى أنها جارتها، ثم ما هي علاقة "عنايات"- إذا ما تغاضينا و قبلنا علاقتها "بدنيا"(حنان ترك)- بالدكتورة المشرفة على رسالة "دنيا"- أي "بأروى"(سوسن بدر)- و أيضا ما الرابط المنطقي الذي من الممكن أن يربط "عنايات"(عايدة رياض) بالأديب و المفكر "بشير"(محمد منير)؟- نلاحظ هنا أن "عنايات" على علاقة وطيدة بكل من دنيا، أروى، بشير، بل و أيضا بممدوح حبيب "دنيا" على الرغم من الفارق الفكري و الاجتماعي الشاسع بينهم-.

    و من جهة أخرى رأينا أن "ممدوح"( فتحي عبد الوهاب)- مثله في ذلك مثل جميع الشخصيات تقريبا- ينبع من فراغ كي يظل معلقا في الفراغ؛ فلم تقدم لنا "جوسلين صعب" من خلال السيناريو الذي كتبته أي شئ عنه سوى أنه مجرد شخص بزغ فجأة و تواجد في الدنيا فقط كي يكون حبيبا "لدنيا"(حنان ترك) و بالتالي تظهر مشكلتها و أزمتها الجنسية من خلاله حينما يتزوجها- على الرغم من أن أزمتها الجنسية نتيجة الختان كان من الممكن أن تظهر بأي شكل آخر و بدون داعي لوجود شخصية ممدوح، إما بالدخول في علاقة مع "بشير"(محمد منير)، أو بالقول و الإيحاء، أو بأي شكل آخر- إلا أن المخرجة "جوسلين صعب" فضلت الطريق الأسهل بخلق شخصية من فراغ لا داعي لوجودها داخل السيناريو، فلم تعطينا أية معلومات عنه سوى أنه حبيبا "لدنيا" فقط- حتى أننا تساءلنا منذ متى و كيف كان هذا الحب؟ ز ما هي وظيفة "ممدوح" أو عمله، و ما هو تاريخه، و هل توجد أية معلومات عنه أم لا؟ كذلك الفنان (خالد الصاوي) الذي ظهر في مشهدين فقط طوال الفيلم لم ندر على الإطلاق ما هو دوره، و لماذا اشترك في الفيلم أساسا، هل ظهر كي يخبرنا بأنه زوج "أروى"(سوسن بدر) و أنه بالرغم من كل شئ يحبها؟ أم أنه كان يمر بالمصادفة أثناء تصوير الفيلم فرغب في الظهور بالكادر و يختفي بعد ذلك؟ أم أن "جوسلين صعب" أرادت تحيته حينما لمحته يمر من أمامها أثناء التصوير فطلبت منه الظهور في هذين المشهدين؟

    أعتقد أن عدم وجود رابط و تسلسل منطقي لأحداث السيناريو كانت هي السمة الغالبة عليه و بالتالي صار السيناريو مفككا غير مفهوم، و من هنا تساءلنا عن السبب الذي يجعل "بشير"(محمد منير) يقيم إقامة دائمة في أحد (البنسيونات)، هل لأنه ليس لديه منزلا يقيم فيه؟ أم لأنه غريب عن المكان(المدينة)؟ أم لأن المخرجة أرادت له الإقامة في هذا الفندق و من ثم يكون على علاقة جنسية مع صاحبة ذلك البنسيون؟ و لكن إذا ما وافقنا "جوسلين صعب" و تغاضينا عن الأسباب فهناك سؤالا آخر يطرح نفسه بوجاهة و هو ما المبرر الأساس لمثل هذه العلاقة بين صاحبة البنسيون و بين "بشير"(محمد منير)؟ و ما هي الفائدة و المبرر الدرامي التي عادت على السيناريو بمثل هذه العلاقة و غيرها من العلاقات المفككة طيلة هذا الفيلم؟ و ما هو دور "جمالات"(مي شندي) صاحبة البنسيون أساسا في السيناريو إلا مضاجعة "بشير"(محمد منير)؟ و هل لهذا علاقة بالموضوع الذي يتحدث عنه الفيلم؟

    لقد وقعت "جوسلين صعب" في العديد من الأخطاء التي جعلت الأمور لا عقلانية، و بالتالي نسفت فكرتها الأساسية التي قام عليها الفيلم؛ فنحن نرى "عنايات"(عايدة رياض) منذ بداية الفيلم امرأة شهوانية ملتهبة تمارس الجنس مع زوجها ليل نهار، بل و تقوم بإغرائه دائما لممارسة الفعل الجنسي حتى أننا نراها كثيرا خارجة من الحمام مما يؤدي إلى تعليق حماتها( انتي ماوراكيش حاجة غير الحمام ليل نهار؟)، بل نراها تقف في شرفة منزلها مشيرة إلى زوجها المتواجد في الشارع كي يصعد لممارسة الجنس، فهل يعقل أن تكون مثل هذه المشاهد خادمة لذات الفكرة التي تركز عليها "جوسلين صعب"، أم أنها ناسفة في الأساس للفكرة ذاتها؟

    أعتقد أن النساء العربيات المختونات لو كن بمثل هذه الحرارة اللاهبة و الرغبة الدائمة في الجنس- حتى و لو كان الأمر مجرد تظاهرا- لرغبنا جميعا أن تختن جميع إناثنا كي يمتعننا مثل هذه المتعة، و لهذا نرى أن المشهد الذي بكت فيه "عنايات"(عايدة رياض) حينما علمت بختان ابنتها و من ثم قالت معلقة( خلاص بقيتي زيي) مشهدا ملفقا و غير صادق لأنه من الأدعى لها أن تسعد بدلا من البكاء لأنها صارت مثلها و بالتالي ستكون ملتهبة الرغبة مثلها فتسعد و تسعد زوجها.

    ربما كان هذا التفكك في السيناريو، و بزوغ العديد من الشخصيات و الأحداث الفرعية الفجائية سببا رئيسيا في ظهور الكثير من العيوب الخطيرة في المونتاج؛ فظهر لنا الفيلم و كأنه لم يمر بعملية المونتاج أساسا، أو أن من قام بمونتاجه لم يكن منتبها بالقدر الكافي فكانت هناك قفزات مونتاجية مفاجئة و غير مبررة أدت إلى شعورنا بالغباء و عدم فهم ما يدور أمامنا على شاشة العرض، بالإضافة إلى الرتابة و الإملال اللذين شابا الفيلم نتيجة المونتاج غير المتناسق- النابع عن السيناريو المفكك- مما جعلنا راغبين غير مرة في انتهاء هذا الفيلم- العذاب- بالنسبة لنا.

    ليت المخرجة "جوسلين صعب" تنتبه إلى أن فيلم "دنيا" على الرغم من تحمسنا الشديد لفكرته الهامة إلا أنه من الأفلام التي ستمر على المشاهد الواعي لفن السينما و كأنها لم تكن؛ نظرا لعدم الاهتمام بصناعته أو نضجه بالقدر الكافي، فهو لم يأخذ حقه لديها و لذلك خرج بمثل هذا الشكل المشوه، أو على حد تعبير "دنيا"(حنان ترك) حينما قالت لجدة الطفلة "ياسمين" حينما ختنتها( انتي فاكرة إن انتي كدا بتحميها؟ انتي طفيتيها، حتفضل طول عمرها عاملة زي الطبيخ المايع) كذلك فيلم "دنيا" سيظل دائما مثل الطبيخ المايع، لا هو بالفيلم السينمائي الجيد الجاد، و لا هو بالفيلم التافة الذي لا معنى له.

    و لذلك لم نر في الفيلم من مميزات سوى الموسيقى التصويرية البديعة للموسيقي" جان بيير ماس" التي كانت دائما ما توحي لنا بالانطلاق و حب الحياة و الصخب و الجنون المناسبين تماما لايروتيكية حب الجسد و جنونه إذا ما تعرفنا عليه.

    إلا أننا نود الإشارة إلى تلك الضجة الكبرى التي أثارها العديد من النقاد و أشباههم حول فيلم "دنيا" ممن تقولوا و هاجموا مخرجته" جوسلين صعب" بدعوى أن الفيلم مسئ لما أسموه "سمعة مصر" و تشويهها، نظرا لأن هذه الجملة الغريبة بدأت تطفو على السطح الآثن لثقافتنا في الآونة الأخيرة لمهاجمة كل ما هو صريح و جرئ في التناول، فصارت موازيا موضوعيا لما يطلقه البعض بقولهم "السينما النظيفة"، و لذلك نتساءل كثيرا و بجدية، ما المقصود بسمعة مصر التي يرغب الجميع في تشويهها؟ و لماذا يريد الآخر تشويه سمعة مصر، و هل باتت العقلية التآمرية لدينا كعرب هي الأساس حتى أصبحنا نتلقى أي ما يرد إلينا من الآخر- جوسلين صعب اللبنانية- و كأنه تآمر؟ و هل صارت مصر هي الدولة الوحيدة التي لها سمعة و لا بد من تشويهها؟ و هل هذا يعني أن مصر امرأة داعرة في الأساس و تتخفى خلف سمعتها الطيبة التي تقوم دائما بتصديرها للناس و أن مثل هذه الأفلام تحاول بأية طريقة فضحها و من ثم توضيح تاريخها العريق في البغاء؟

    أعتقد أن مثل هذه الكلام الطفولي غير المسئول من مجموعة من النقاد- بافتراض أنهم نقاد سينما مسئولين و فاهمين- على كل فيلم يحاول التصدي للعديد من المشاكل التي تنخر كالسوس في مجتمعنا لا بد أن يتوقف أو فليتوقفوا هم عن تناول السينما و قضاياها ما داموا غير قادرين على استيعاب ما يتم تقديمه لهم؛ لأنه ليس من المطلوب منا و من جميع المخرجين التغاضي عن كل ما يدور حولنا من فساد و عادات كريهة و أفكار بالية حتى لا نمس سمعة- الحاجة- مصر المصونة.

    كما أظن أن هؤلاء النقاد- إذا كانوا يعلمون- يعرفون جيدا أن التصوير في شوارع القاهرة و مناطقها العشوائية ليس من الأسباب المؤدية إلى فضحنا أمام العالم و من ثم تشويه سمعتنا؛ لأن هذا هو واقعنا الحقيقي الذي نحياه، و لأنهم إذا كانوا قد انتبهوا لما قالوه قبل التفوه به لعرفوا أن خروج الكاميرا للتصوير في الشارع موجود في تاريخ السينما المصرية منذ فترة ليست بالقليلة، و لعلنا نذكر في هذا السياق أفلام الواقعية الجديدة و روادها، و كيف خرجت كاميرا محمد خان، خيري بشارة، عاطف الطيب، داود عبد السيد و غيرهم إلى الشارع و جميع المناطق العشوائية للتصوير فيها.

    يبدو لي الأمر و كأنه مسرحية عبثية قادمة من أعماق مسرح "صمويل بيكيت" نتيجة لغيرة طفولية و غير مبررة من مخرجة جادة حاولت- و إن أخفقت- نقاش العديد من السلبيات داخل مجتمعنا المصري و العربي و ما يدور فيه من صخب نحاول إخفاؤه تحت السطح الآثن لثقافتنا، إلا أنه يكفي "جوسلين صعب" فخرا أنها حاولت، و يكفي هؤلاء النقاد الموتورين أن كلامهم سيذهب قبض الريح.

 

 

 

 

محمود الغيطاني

 

 

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home