دراسات هامة

 

العمارة الإسلامية .. آيات في الفن والإبداع

نضير الخزرجي



العمارة الإسلامية .. آيات في الفن والإبداع

نضير الخزرجي*

تأخذ المدينة شكلها وقيمتها حالما يتم تمصيرها وتأهيلها للسكن، وتكون هناك من العوامل المساعدة ما يجعلها قابلة للتمدد والتوسع جغرافيا وسكانيا، وتصبح محط أنظار الآخرين. وفي معظم الأحيان فان المدينة تأخذ شهرتها من حدث وقع فيها أو شخصية مرموقة كانت فيها مسقط رأسها، أو حلّت فيها أو مرّت منها أو فيها دفنت، أي ان المدينة مشهورة بلحاظ عوامل وظروف أخرى قد تكون أصيلة أو طارئة.

وفي المدن ذات الشأن الديني، فان المكان يلبس رداء القداسة بلحاظ المكين قديسا بشرا أو مقدسا أثرا، أي وجود ملازمة حقيقية بين المكان والمكين، يكون للمكين قوة الجذب الفعالة، كانجذاب الأرض للشمس ودورانها حولها. وفي معظم الحالات فان المدينة تكون مقدسة بوجود مرقد لقديس من القديسين، أو مقام لولي من أولياء الصالحين، تنجذب إليه الناس وتستظل بفيئه وتحط على أعتاب مرقده أو مقامه رحال العناء والتعب اليومي، تنفض عنده همومها وتبثها شكواها متشفعة بالمكين الى الله ومتوسلة به، لأن المكين قدم لله كل شيء فأعطاه الله كرامة الوسيلة، قال تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) المائدة: 35. ولا يخلو دين على وجه البسيطة من مكين أبدا، قلّ أتباعه أو كثروا، اتصل بحبل ممدود الى السماء أو انقطع عن السماء وضرب أوتاده في الأرض، لان سنة الأرض قائمة على مكوكي المكان والمكين.

وفي الساحة الإسلامية، فان مدناً غير قليلة أخذت شهرتها وقدسيتها من مرقد لقديس أو مقام لولي أو أثر لواقعة أو مَعلم تركته الخوالي من الأيام، فصار شاهدا على التاريخ، والأمة المتحضرة هي التي ترعى للمكين حرمته وقدسيته، وترعى ذمته بشرا أو حجرا، بوصفه إرثا مشاعا لكل البشرية يشد من لحمة المجتمع ويقوي أواصره ويذكره بأيام الله. وفي سبيل الإحاطة بما تركته النهضة الحسينية من آثار لا تبلى، فان واحدة من الأبواب الستين لدائرة المعارف الحسينية التي انبرى المحقق الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي في طرقها بحثا وتحقيقا وكتابة هو الخوض في تاريخ مراقد الأمام الحسين بن علي (ع) وأهل بيته وأصحابه في سلسلة من أكثر من عشرة مجلدات حملت عنوان "تاريخ المراقد .. الحسين وأهل بيته وأنصاره" صدر الجزء الأول منها عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 424 صفحة من القطع الوزيري، تابع فيه المؤلف المراقد كلها وفق الحروف الأبجدية، والتحقيق بعيدا عن العاطفة الدينية في صحة انتساب المرقد لصاحبه، فينفي ويثبت صحة النسب حسب ما يهديه إليه شراع البحث.

مهد الشيخ الكرباسي لسلسلة تاريخ المراقد بمقدمة واسعة تناول فيها إشعاعات المراقد على الأمم والشعوب في المناحي كلها من دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية وغيرها، مع شرح كامل لكل مفردة من مفردات العمارة، وبخاصة العمارة الإسلامية، والتأثير المتبادل بين عمارات الحضارات الإنسانية.

 وأول ما يلفت النظر هو الفرق بين "المرقد والمقام" فصحيح ان كلا منهما يدل على الآخر و"تنوب إحداهما عن الأخرى على سبيل المجاز"، بيد أن المرقد إشارة الى رقود الميت في لحده، فيشار الى القبر بالمرقد، ويطلق عادة على مراقد المعصومين والأولياء والصالحين، وأما المقام فهو مكان المكوث والإقامة ويطلق عادة على "أماكن تواجد الأنبياء والأئمة والأولياء". وتعج المدن الإسلامية في طول البلاد وعرضها بالمراقد والمقامات، ومنها مرقد الإمام الحسين (ع) ومن استشهد معه أو مَن صاحبه في كربلاء المقدسة، فضلا عن المقامات المتعلقة بالنهضة الحسينية، ويقع تعظيم المراقد والمقامات في طول تعظيم الله وحده لا شريك له: "فلو لم يحمل أصحابها صفة العبودية المطلقة لله لما قدّسهم المسلمون، فالقدسية إنما جاءت للعبودية الخالصة لله جل وعلا".

 

المراقد .. أدوار متنوعة

وقد ثبت بالمعايشة اليومية أن مراقد الأولياء ليست محل جذب للمؤمنين فحسب، بل هي محل إشعاع على الشعوب كلها، في كل أدوارها ومراحل تاريخها، فعلى المستوى السياسي لا يمكن إغفال دور المراقد في تحميس الشعوب بالضد من الظالم والمعتدي والمحتل، وإلا لما عملت الحكومات الظالمة على طمس معالم المراقد أو محاولة بعض الحكومات ظالمة أو غير ظالمة على الاهتمام بالمراقد لكسب عواطف الناس والتقرب منها أو عبر التقرب ممن توليه احترامها وتقدسه، وفي هذا المجال يشار الى أن السلطان العثماني العاشر سليمان القانوني (1566م) ترجل من مسافة بعيدة عند زيارته للإمام علي (ع) في النجف الأشرف ونجله الإمام الحسين (ع) في كربلاء المقدسة، وعندما تساقطت أنظاره على القبة الذهبية ارتعشت أعضاء بدنه، وانشد، من الطويل:

تزاحم تيجان الملوك ببابه ** ويكثر عند الإستلام إزدحامها

إذ ما رأته من بعيد ترجلت ** وإن هي لم تفعل ترجل هامها

وبشكل عام فان: "ملوك ورؤساء وأمراء العالم وشخصياته البارزة كانوا لدى زيارتهم للعراق يقصدون زيارة الإمام الحسين (ع) ليثبتوا لشعوبهم ومريديهم ولاءهم لصاحب القبر وليبرهنوا بأنهم على خطاه وخطى جده (ص) وأبيه (ع) علّ ذلك ينفعهم للبقاء أو الوصول الى الحكم"، على أنه ما من إنسان أساء الى مرقد الإمام الحسين (ع) والمدينة المقدسة، رجل سياسة كان أو رجل دين أو رجل مجتمع، إلا وعاد سهم إساءته الى نحره، بل: "ومما يتناقله أبناء هذه المدينة المقدسة انه ما من ظالم أو متجبر من الملوك والرؤساء زار المرقد زيارة رسمية وعلنية أيام حكمه إلا وهلك أو أزيح عن سدة الحكم ولو بعد حين"، وهذه حقيقة شاهدت أشخاصها في شوارع كربلاء المقدسة ولمست نتائجها فيما بعد، منهم الرئيس العراقي المعدوم صدام حسين (ت 2006م)، والرئيس السوداني السابق جعفر النميري، وزوجة إمبراطور ايران المخلوع محمد رضا پهلوي (ت 1980م) شاهبانو فرح ديبا، وغيرهم، والسنّة جارية حتى فيمن يزعم الإنتساب للمدينة أو الولاء لأهل البيت (ع)، وهو في فعاله أشد إيلاما من المبغض القال.

ويمكن في العراق السياسي المعاصر ملاحظة ان ثورة العشرين بالضد من الاستعمار البريطاني انطلقت في النصف من شعبان عام 1920م من مدينة كربلاء المقدسة، وتكرر الأمر في انتفاضة الشعب العراقي في شعبان العام 1991م بالضد من نظام صدام حسين البائد، فالمراقد المقدسة ليست مجرد أماكن للزيارة والعبادة، فهي محل استلهام للثوار.

والى جانب الدور السياسي للمراقد المقدسة، فان لها خاصية قد لا تتحقق في غيرها، وفي مقدمة ذلك أنها عامل جذب لأبناء الشعوب الإسلامية المختلفة، وبالتالي لها الدور الفعال في ترسيخ العلاقات بين الشعوب، ومن خلال مشاهداتي في مدينة سامراء خلال زيارة لها في العام 2004، التقى بي احد أبنائها من الباعة وظن بي أني من الزائرين القادمين من إيران فراح يتحدث معي بفارسية ضعيفة، فسايرته في حديثه باللغة نفسها، ثم سألته عمن تعلم اللغة الفارسية في مدينة لا تسكنها عائلة يجيد أهلها اللغة الفارسية، فقال إنه تعلمها من خلال احتكاكه بالزائرين الإيرانيين، والبعض في المدن المقدسة يجيد التعامل بأكثر من لغة أجنبية.

ولا يخفى ما للمراقد المقدسة من دور كبير في المجال الثقافي، بوصفها مركز استقطاب لطلبة العلوم، فضلا عن الاحتكاك بثقافات مختلفة نتيجة لحركة الزائرين المليونية كل عام من داخل العراق وخارجها، وبخاصة في كربلاء المقدسة التي تشهد كل عام نحو عشر زيارات كبيرة، حيث تعتبر المدينة حاضرة علمية ارتادها العلماء منذ ان حل في تربتها الحسين (ع) شهيدا، بل ان أول مدرسة متكاملة اقيمت في العراق كان في مدينة كربلاء المقدسة عام 369 بناها السلطان البويهي عضد الدولة فناخسرو الديلمي (ت 372 هـ)، كما: "يعد القرنان الثاني عشر والثالث عشر الهجريان العصر الذهبي لمدينة الحسين (ع) من بين القرون من الناحية العلمية والفكرية، ولم تقتصر النهضة العلمية في هذه الجامعة على علوم الفقه والحديث والأصول بل شملت العلوم العقلية والنقلية كافة، الإسلامية منها والعربية الى جانب علوم الطبيعة والفلك والطب وغيرها، وكان للمرأة دور بارز في تداول العلوم الإسلامية والعربية حيث ارتقت الى مصاف العلماء الأعلام وحاز عدد منهن مكانة علمية سامية".

كما لا يختلف اثنان على ما للمراقد الشريفة من دور ديني وأخلاقي واجتماعي وتأثير إيجابي على المدينة ومن يلوذ بها من سكانها والزائرين، وكلما كانت المدينة هادئة انعكست على المدن الأخرى ايجابيا، ومثل هذا الهدوء والسلام أرضية خصبة للنشاط الاجتماعي والاقتصادي كون: "انتشار هذه المراقد عامل استقرار في حقل الاتفاقات التجارية والمعاهدات القبلية ويخلق جوا من الثقة المتبادلة في حقل العلاقات الاجتماعية". ويتعزز دور المراقد في مجال الاقتصاد محليا وقطريا وعالميا، فحركة السياحة الدينية نحو المدن المقدسة يحرك من عجلة الاقتصاد على كل المستويات ويرفد الميزانية القومية بعملات صعبة تنهض بعمران البلاد.

 

ملف العمارة الإسلامية

والى جانب قدسية المكين وكرامته، فان المكان الذي يضمه والمرقد الذي يحويه يعتبر: "تحف فنية رائعة وآثار قديمة ونفيسة تعتز بها الأمم والشعوب وتعتبرها ثروة وطنية وإنسانية تخص عموم البشرية ويجب المحافظة عليها لما تحتويه من فن معماري رائع ورصيد تاريخي وروحي وديني زاخر"، وتعتبر عمارة المرقد الحسيني الشريف بخاصة ومراقد رجالات الإسلام بعامة آية من آيات الفن المعماري حيث تضم الريازة الزجاجية والكاشي الفسيفساء والتخاريم الخشبية والصياغة الرائعة للفضة والذهب والنحاس المستخدم، الى جانب المرمر المستعمل في بلاطات المراقد وجبهاتها.

 وفي كربلاء المقدسة فإن تاريخ ازدهار المباني وتزويقها يبدأ مع طليعة الحكم البويهي منذ العام 367 هـ، وازداد الاهتمام بها في العهد الصفوي منذ العام 914 هـ. وما يميز عموم المراقد عن المساجد: "أن المساجد لم يدخلها الكثير من الفنون والزخرفة كما في المراقد حيث يجب ان تتسم المساجد بالبساطة والتجرد وعدم الكلفة"، ويمكن القول بالفم المليان: "لقد حفظ المسجد والمرقد ملف تطور العمارة الإسلامية على مر العصور وكان شاهدا حيا وسفرا خالدا ينطق بمراحل التطور العمراني والحضاري للمدن الإسلامية"، كما يعكس جمال الزخرفة المستعملة في العمارة الإسلامية، التي كانت بداياتها في عهد الخلافة الراشدة، حيث: "يذكر إن أول من أدخل الزخرفة في المسجد هو عثمان بن عفان (ت 35 هـ)"، وسار على منواله معاوية بن أبي سفيان (ت 60 هـ)، على أن: "أول من أدخل القناديل المعدنية الى مسجد الرسول هو تميم الدارمي (ت 40 هـ) وذلك في عهد الرسول نفسه حيث حمل قنديلا من الشام وعلقه في المسجد فلما غربت الشمس دخل الرسول (ص) فإذا هو بها تزهر، فقال (ص) من فعل هذا؟ قالوا: تميم الدارمي، فقال (ص): نورت الإسلام وحليت مسجده، نوّر الله عليك في الدنيا والآخرة"، كما ان المراقد لم يشملها النهي الخاص بزخرفة المساجد، ولذلك: "زينت بالمرايا والقاشاني والفسيفساء وبالنقوش والتوريقات والخطوط الجملة".

 

مفردات من العمارة

اللوحة الفنية تأخذ جمالها ورونقها من مجموعة أجزاء متراكبة بهندسة بديعة، تأخذ بلب الناظر وبصره، والعمارة الإسلامية لا تخرج عن هذا الوصف، ولكن كل جزء فيها يمثل فنا بحد ذاته، ويشرح الدكتور الكرباسي في مجموعة مباحث مستقلة مدعومة بالصورة والرسوم البيانية واللوحات التشكيلية، كل جزء من أجزاء العمارة الإسلامية، وهي غير قليلة وأهمها:

الرواق: بكسر الراء وضمه، ويطلق على الصالات والأجنحة المحيطة بالمسجد أو المرقد أو ربما بلاط الملوك وقصور الرؤساء. ويرد المصنف على القائلين بان فكرة الرواق من إبداعات المسلمين ويرى أنها قديمة على تاريخ المسلمين، ولكن أول من استخدم الأروقة في المسجد النبوي الشريف هو الخليفة عثمان بن عفان.

الصحن: وهو المكان الرحب المحاط أو المتصل بالمرقد أو المسجد، وفي كربلاء المقدسة فان مرقد الإمام الحسين (ع) وأخيه العباس (ع): "واقع وسط صحن كبير محاط بمرافق حيوية مختلفة غاية في الجمال والهندسة المعمارية الأصيلة".

القبة: وهو بناء محدودب له شكل الكرة أو بيضة مشطورة عند وسطها أو على شكل مخروطي أو حلزوني. وما من معبد أو ضريح مقدس إلا وله قبة، وصارت القبة معلما من معالم العمارة الإسلامية حتى جرى مثلا: "تحت كل قبة شيخ".

ويرد المحقق الكرباسي على المؤرخ اللبناني الشيخ طه الولي الذي يرى في كتابه "المساجد في الإسلام" ان قبة مسجد الصخرة هي أول قبة بنيت في الإسلام في العام 72 هـ على يد عبد الملك بن مروان الأموي (ت 86 هـ)، ويذهب مذهب مؤرخي المرقد الحسيني الشريف الى ان إبراهيم بن مالك الأِشتر (ت 71 هـ) بنى في عهد المختار الثقفي (66-67 هـ) أول قبة من الجص والآجر على قبر الإمام الحسين (ع).

والقباب على نماذج منها: الكروية، البيضاوية، المخروطية، المضلّعة، البصلية (من بقل البصل)، والشلجمية (من الشلجم أو اللفت) وغيرها.

المئذنة: مفردة عربية وهو المحل المعد للمؤذن لإقامة الأذان للصلوات الخمس اليومية، وكانت مستعملة قبل الإسلام، لكن: "حاصل الأمر أن المسلمين أخذوا فكرة المآذن من الحضارات التي سبقتهم وأضافوا إليها وطوروها حتى أصبحت فنا إسلاميا رائعا ومتفردا أبدى فيه المعماريون والمهندسون المسلمون آيات الإبداع والفن".

والمآذن تصنف هندسيا الى المربعة والمخروطية والأسطوانية والمضلعة، وتعد مئذنة مسجد الملك الحسن الثاني (ت 1999م) في الدار البيضاء هي الأكبر في العالم حيث يبلغ ارتفاعها مئتي متر.

المقصورة: وهي: "عبارة عن فسحة مسقفة في أعلى المئذنة مشرفة على الخارج يقف فيها المؤذن في العادة ليقيم الأذان فيسمعه أكبر عدد ممكن من الناس وهي بمثابة شرفة مستديرة تطوّق المئذنة". وهي على أنواع الدائرية والمربعة والمضلعة، وكل منها مكشوفة أو مسقفة، وكل منها مضمرة أو بارزة، وكل منها أحادية أو متعددة.

الجوسق: وهو القصر، وهنا يشار الى قمة المئذنة، والجواسق على أنواع، منها المخروطية والقرعية (من ثمرة القرع) والمضلعة والهاونية (من آلة الهاون وفيها تدق البذور وغيرها).

الرمانة: وهي ما يعلو قمم المآذن وقبب العتبات المقدسة.

 ويكسو بعض المآذن والقبب الذهب، ويؤكد المحقق الكرباسي ان قبة المرقد الحسيني الشريف تم تذهيبها عام 1207 هـ من قبل السلطان محمد خان بن محمد حسن القاجاري (ت 1211 هـ) قبل أن تأمر زوجة السلطان فتح علي القاجاري الذي حكم في الفترة (1212-1250 هـ)، بتذهيب مئذنة المرقد الحسيني في العام 1214 هـ. وأول مئذنة بقيت حتى هذا اليوم هي المئذنة القيروانية في تونس حيث يعود تاريخ بنائها الى العام 248 هـ على أكثر التقديرات.

ويؤكد المحقق الكرباسي: "أن بناء المآذن (الأبراج) الى جانب القبب فكرة هندسية ابتكرها المسلمون في بناء مراكزهم الدينية وبالأخص في تشييد مراقد عظمائهم وقادتهم الروحيين، حيث لم يعد أن بُني هذا الشكل في الحضارات التي سبقت الحضارة الإسلامية". ولهذا يقدم نماذج من الطراز المعماري في الغرب، يراها قد تأثر بُناتها كثيرا بالعمارة الإسلامية من قبيل كنيسة القديس شارل (St. Charles Cathedral) في فيينا وتسمى الكنيسة أيضا كنيسة (كارل كيرخيه) (Karlskirche)، والفسطاط الملكي (Royal Pavilion) في مدينة برايتون البريطانية، وبرج المدينة القضائية، بما فيه السجن المركزي (برج استرنج ويز) (Strange Ways)، في مدينة مانشستر البريطانية، ومستشفى سانت جود للأطفال (St. Jude Children's Research Hospital) في مدينة ممفس الأميركية التي بنيت فوقه قبة على نمط قبة الصخرة في القدس الشريف.

 

المراقد .. النشأة والتطور

وبعد تمهيد استنفذ نحو نصف الجزء الأول من كتاب "تاريخ المراقد"، يتناول المحقق الكرباسي وفق الحروف الأبجدية مراقد من شارك في النهضة الحسينية من قريب أو بعيد، مباشرة أو عرضية، في محاولة من الكاتب لإعطاء كل ذي حق حقه. ولذلك فانه يتناول في حقل حرف الألف مراقد إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي الذي ساهم بصورة مباشرة في النيل ممن شارك في قتل الإمام الحسين (ع) بوصفه القائد العسكري لحركة المختار بن أبي عبيدة الثقفي (ت 67 هـ) في الكوفة، ثم قتل في معركة مع الجيش الأموي في منطقة مَسْكِن قرب نهر الدجيل شمال غربي بغداد.

وتحت حرف الألف يتناول الكتاب مقام أم البنين فاطمة بنت حزام الكلابية التي ضحّت بأربعة من أبنائها فداءاً للإسلام ولنصرة أخيهم الإمام الحسين (ع) وهم العباس وعبد الله وجعفر وعثمان. ويقع مقامها في الزاوية الجنوبية الغربية من رواق الروضة العباسية في كربلاء المقدسة، حيث يرى البعض ان أم البنين حضرت كربلاء، فاتخذ من مكان نزولها مقاما، لكن المحقق الكرباسي يرى ان هذا الزعم غير صحيح لان أم البنين لم تحضر كربلاء أصلا وماتت في المدينة المنورة ودفنت في البقيع.

وتحت الباب نفسه يتناول الكتاب مرقد السيدة أم كلثوم وهي ابنة الإمام علي (ع) من أمها فاطمة الزهراء (ع)، وهي التي شهدت واقعة كربلاء وشهدت السبي، وعند الكرباسي: "أن اسمها زينب الصغرى وكنيتها أم كلثوم إلا إنها اشتهرت بأم كلثوم"، ويرجح المحقق الكرباسي ان مرقدها في البقيع، وبذلك فهو يضعف القول بان مرقدها في دمشق في مقبرة الفاطميات.

وتحت الباب نفسه يتناول الكتاب مرقد محمد الأصغر وإبراهيم أولاد مسلم الذي يقع شرقي مدينة المسيب العراقية التابعة لمحافظة بابل، وهما ممن حضر واقعة الطف بكربلاء، واختلفت الروايات بشأنهما ويستظهر الكرباسي في ترجمتيهما: "أن هذا المرقد هو مكان دفنهما لتسالم أهل العصور المتقدمة على هذا الأمر ولم يثبت لنا خلافه".

وفي حرف الباء يتناول الكتاب مرقد بكر بن علي بن أبي طالب الواقع في نواحي مدينة الحلة العراقية ينسب الى بكر الذي حضر واقعة كربلاء، واختلفت الروايات في كيفية وصوله الى الحلة، ويرى الكرباسي من مجمل بيانات انه: "لا يمكن البت بأنه هو أبو بكر ابن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) .. ولعل المرقد لغيره من الصلحاء والأولياء فوقع خطأ في تاريخ الوفاة فأحدث هذا اللبس والله العالم".

وتحت حرف الباء أيضا، يتناول الكتاب بتفصيل موثق بالرسوم البيانية موضع ولادة الإمام الحسين (ع)، ولما كان الموضع يقع في بيت فاطمة (ع) الذي كان ينفتح على المسجد النبوي، فان البحث تناول التطور الذي حصل في المسجد النبوي وما يحيط به منذ قدوم النبي محمد (ص) المدينة المنورة حتى يومنا هذا. وعلى خلاف الشائع حول مجهولية مرقد السيدة فاطمة الزهراء (ع) فان الفقيه الكرباسي يميل الى الرأي القائل: "بأن السيدة فاطمة الزهراء (ع) مدفونة في بيتها"، مرجحا في الوقت نفسه: "أن يكون في حجرتها لا في فناء دارها"، مع التأكيد في الوقت نفسه وجود قبر مرقوم على جهته الشمالية: "هذا قبر فاطمة بنت رسول الله رضي الله عنها"، وقد شاهده الفقيد الشيخ محمد بن محمد حسين الغروي (1337- 1419 هـ) خلال زيارة خاصة في العام 1389 هـ داخل حجر النبي محمد (ص) وأزواجه وابنته.

 

المرقد الحسيني عبر القرون

وتحت حرف الحاء، يتناول الكتاب المرقد الحسيني الشريف بكل التفاصيل، شاردة وواردة، صغيرة وكبيرة، مترجما الروايات ونصوص التاريخ حول القبر الشريف ومدينة كربلاء المقدسة عبر القرون الى لوحات تخطيطية وتشكيلية، بريشة السيد حسين بن زيدان الموسوي الكاظمي، تضع القارئ في جو الروايات، بخاصة وان الكرباسي أحسن صنعا عندما ضم الى جانب النثر الشعر بالاستعانة بأرجوزة القاضي والأديب محمد بن طاهر السماوي (ت 1371 هـ) الذي طوّع النهضة الحسينية وما جرى على القبر الشريف عبر كر الليالي والأيام تحت حرارة قوافيه، فجاءت الأرجوزة تاريخا مستندا.

ويشار الى ان أول من أقام رسماً لقبر أبي عبد الله الحسين (ع) هم بنو أسد في الثالث عشر من شهر محرم الحرام عام 61 هـ، بإرشاد الإمام علي بن الحسين السجاد (ت 95 هـ). ويستظهر الكرباسي من حديث الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري (ت 78 هـ) الذي زار قبر الإمام الحسين (ع) في يوم الأربعين من استشهاده ان: "القبر الشريف كان في بداية الأمر مرتفعا وبارزاً قليلا عن الأرض". وتوالى في القرن الأول تطوير القبر الشريف من وضع سقيفة وبناء مسجد ووضع صندوق ومن ثم بناء قبة وإقامة قرية سكنية.

وفي القرن الثاني الهجري كانت القبة قائمة، ويستظهر الكرباسي من مجمل أحاديث وروايات: "ان في عصر الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) (ت 148 هـ) كان لمرقد الإمام الحسين (ع) قبة وسقيفة وباب بل وأكثر من باب، باب من جهة الشرق وباب من ناحية ثانية، ولعلها كانت من جهة الغرب". كما أقيم في هذا القرن حول المرقد الشريف سور، كما أنشئ على مرقده مسجد، أي: "أنه أصبح كمسجد يقصده الناس للزيارة والصلاة فيه". لكن المرقد الشريف تعرض في العهد العباسي الى التخريب مرة والى البناء مرة أخرى حسب مزاج الحاكم ومدى قوته وضعفه.

وفي القرن الثالث الهجري وفي عهد المتوكل العباسي جعفر بن محمد المعتصم (ت 247 هـ) تعرض القبر الحسيني الى الهدم والتخريب أربع مرات، وفي المرة الرابعة صادف زيارة النصف من شعبان من عام 247 هـ حيث يفد الناس على زيارة كربلاء من كل حدب وصوب. ومن مفارقات الدهر ان مدينة كربلاء بما فيها القبر الحسيني والعباسي الشريفين تعرضت للتخريب في العصر الحديث عام 1991م خلال زيارة النصف من شعبان، وكادت ان تحترق من جديد في النصف من شعبان العام 2007 بفعل مجموعات متنوعة المشارب اختلت عند بعضها بوصلة الرشاد!.

وما يلاحظ في هذا القرن، ان العدوان المتكرر للمتوكل على القبر الشريف وأتباع أهل البيت (ع) أولد معارضة شديدة، ويستظهر المحقق الكرباسي ان بغداد ولأول مرة منذ إنشائها عام 145 هـ شهدت في النصف الأول من القرن الثالث ظهور شعارات سياسية حائطية معادية للنظام العباسي كانت تكتب على جدران المنازل البغدادية.

 وشهد القبر الحسيني بعد مقتل المتوكل على يد ابنه المنتصر بالله محمد بن جعفر (ت 248 هـ) عهدا جديدا من البناء والعمران، واستمر الحال في القرن الرابع الهجري أيضا، فقد نصب معز الدولة احمد بن أبي شجاع البويهي (ت 367 هـ) في العام 352 هـ  سرادق العزاء على الإمام الحسين (ع) في بغداد. ومع هذا فان كربلاء المقدسة لم تزل بين الفينة والأخرى تتعرض للعدوان، كما حصل في العام 369 عندما: "أغار ضبة الأسدي على المدينة وقتل أهلها ونهب أموالهم وسرق ما في خزانة الحرم المطهر من نفائس وذخائر وتحف وهدايا، وهدم ما أمكنه هدمه وذلك بمؤازرة بعض العشائر" ثم قفل هاربا الى البادية باتجاه مدينة عين التمر. ومن المفارقات أنه وبعد أكثر من ألف عام، لازالت المدينة تخشى العدوان القادم من البادية، ولذلك فان من الحلول المفيدة لتحصين المدينة هو توزيع الأراضي على سكان كربلاء من طرف بحيرة الرزازة وباتجاه البادية والامتداد بكربلاء نحو مدينة عين التمر، وإحياء منطقة قصر الأخيضر، بدلا من الامتداد السلبي الحاصل اليوم على حساب المزارع والبساتين في أطراف باب بغداد وباب النجف وباب طويريج.

وانتهى الكتاب بمجموعة فهارس في أبواب شتى، مع قراءة نقدية للخبير في الشؤون الإسلامية المستشرق البريطاني الذي اختار الإسلام عقيدة الدكتور عبد المالك بدر الدين إيغل (Abdelmalik Badruddin Eagle)، وجد ان المحقق الكرباسي أبدع فيما أتى، كما: "إن الجزء الأول من تاريخ المراقد يتميز بشموليته مع الالتفات الى التفاصيل الدقيقة بالإضافة الى الهوامش المفيدة الواردة في عموم الكتاب تعتبر شاهدا على الاستخدام الدقيق للمصادر من قبل الشيخ الكرباسي"، وعبر الدكتور ايغل عن كبير سعادته مهنئا الكرباسي: "على إنتاج مثل هذا العمل الثقافي المفيد والرائع"، وإنه: "ينتظر بشغف أن تصدر الأجزاء المتبقية".

 

* إعلامي وباحث عراقي

الرأي الآخر للدراسات – لندن

alrayalakhar@hotmail.co.uk

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home