دراسات هامة

 

من يفتح بوابة الرقمية الزرقاء

فاطمة البحراني



 

من يفتح بوابة الرقمية الزرقاء

مراجعة في تجربة الشاعر

التفاعلي – الرقمي الأول مشتاق عباس معن

فاطمة البحراني

shmuab@yahoo.com

 

من يفتح بوابة الرقمية الزرقاء ؟ سؤال تردد كثيرا في كتب المهتمين بالجنس الأدبي الجديد ( الأدب التفاعلي ) أو كما يحلو للبعض تسميته بالجنس  التكنو – أدبي ، وهو جنس جديد لم يمض على ولادته غربيا – وأؤكد بقولي غربيا – لأننا دوما مستهلكين لما ينتجه الغرب ، لكن منجز الشاعر المتألق مشتاق عباس معن غير المعادلة فكتب نصا حتى قبل أن تكتمل رؤيته غربيا ، يعني أنه يريد أن يسهم برؤيته فيه حاله في ذلك حال الغربيين الذي نمشي على هداهم وإن ألقوا بنا في المهالك .

هذا منجز كبير يستحق وقفة كبيرة منا ، أنا لا أدعو إلى تأييد بالمجان ، ولكن أريد نظرة واقعة لتجربة كبيرة اقتحمها نيابة عنا جميعا مشتاق عباس معن .

 فقد طال انتظارها بعد أن لم يولد من جنس هذا الأدب الحداثي التكنولوجي الرقمي الجديد غير النوع السردي الطويل ( الرواية ) على المبدع العربي محمد سناجلة ، فقد كسر الترقب الشاعر العراقي المبدع مشتاق عباس معن المعروف في كتابات الجنس الأدبي الورقي شاعراً وقاصاً وناقداً من الجيل التسعيني ، وهو ليس غريباً على هذا المبدع إذ له كثير من النتاجات المنشورة إلكترونياً وورقياً والحاصلة على جوائز عربي وعالمية ومنها جائزة الشارقة للإبداع العربي / الدورة الرابعة2000 / المركز الثاني ،جائزة مؤسسة أنجال الشيخ هزاع بن زايد لثقافة الطفل العربي /الدورة الساسة 2001 ،  جائزة مؤسسة هايل سعيد أنعم للثقافة والعلوم / الدورة السادسة 2002 .

وقبل أن نعرض لمجموعة الشاعر الرقمي / التفاعلي الأول  في الوطن العربي مشتاق عباس معن لا بد من توطئة بمفهوم الأدب التفاعلي والقصيدة التفاعلية أيضاً .

فالأدب التفاعلي :

 هو ذلك الجنس الأدبي الجديد الذي ولد في رحم التكنولوجيا ، لذلك يوصف بالأدب التكنولوجي ، أو الأدب الألكتروني ، ويمكن أن نطلق عليه اسم الجنس ( التكنو – أدبي ) إذ ما كان له أن يتأتى بعيداً عن التكنولوجيا التي توفر له البرامج المخصصة ( Software ) لكتابته ، وفي حالة عدم الاستعانة بهذه البرامج ، فلا بد من الاستعانة بالخصائص التي تتيحها كتابة نص إلكتروني قائم على الروابط والوصلات على أقل تقدير .

وبهذا يسهل فهم وصف هذا الجنس بـ ( الأدبية الإلكترونية ) معاً ؛ فهو أدبي من جهة لأنه في الأصل إما أن يكون شعرا أو مسرحية أو قصة أو رواية وإلكتروني من جهة لأنه لا يمكن لهذا الفن الأدبي أيا كان نوعه أن يتأتى لمتلقيه في صيغته الورقية ، ولا بد له من الظهور في الصيغة الإلكترونية خصوصاً مع تعذر محاولات تحويل بعض نصوصه من الإلكترونية إلى الورقية .

ويعتمد هذا الجنس الأدبي الجديد في ظهوره إلى حيز الوجود على استخدام خصائص النص الجديد ، أقصد النص الذي يطل علينا عبر شاشة الحاسوب ، وهو ما اصطلح عليه باسم ( النص المتفرع – Hypertext ) .

ولا بد من تأكيد أن النسق الحامل لهذا الجنس الأدبي الإلكتروني الجديد هو النسق الإيجابي ، بما يتيحه من إمكانيات تشجع الأدباء المبدعين على شحذ خيالاتهم وإطلاق أعنتها لاستثمار كل معطيات هذا النص وإمكانياته التي لا تحدّها حدود .

أما القصيدة التفاعلية Interactive Poem :

فتمثل مصطلحاً ناضجا في الثقافة الغربية المعاصرة ، إذ مضى على ممارسة هذا الجنس الجامع بين الأدب والتكنولوجيا ما يقارب الخمسة عشر عاماً ، هي عمر أو قصيدة تفاعلية غربية .

ومصطلح ( القصيدة التفاعلية ) هو أحد المصطلحات المستخدمة للتعبير عن النص الشعري الذي يقدم عبر الوسيط الإلكتروني ، مع تأكيد ضرورة تميزه بعدد من الخصائص والصفات التي يمكن بموجبها إطلاق صفة ( التفاعلية ) عليه .

فهي إذن نمط من الكتابة الشعرية الذي لا يتجلى إلاّ في الوسيط الإلكتروني ، معتمداً على التقنيات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة ، مستفيداً من الوسائط الإلكترونية المتعددة في ابتكار أنواع مختلفة من النصوص الشعرية ، تتنوع في أسلوب عرضها وطريقة تقديمها للمتلقي / المستخدم ، الذي لا يستطيع أن يجدها إلاّ من خلال الشاشة الزرقاء ، وأن يتعامل معها إلكترونيا ، وأن يتفاعل معها ، ويضيف إليها ويكون عنصراً مشاركاً فيها .

إنها باختصار تلك القصيدة التي لا يمكن تقديمها على الورق ، كما عرّفها ( لوس غلايزر – Loss Pequeno Glazier ) .

كما يمكن أن تتوفر على أقراص مدمجة ( CD-ROM ) ويمكن كذلك تبادلها بالبريد الإلكتروني ، وهذا يعني أن القصيدة التفاعلية لا ترتبط دائماً بشبكة الإنترنت ، إذ يمكن الحصول على الأقراص المدمجة والتعامل معها دون شرط الاتصال بالشبكة .

وقد بدأت الممارسة الفعلية لقصيدة التفاعلية في مطلع تسعينات القرن المنصرم ، على يد الشاعر الأمريكي ( روبرت كاندل – Robert Kendall ) الذي تحدث عن تجربته في نظم الشعر التفاعلي وحيداً على الشبكة [1].

أما كاندل العربي ( مشتاق عباس معن ) – إن جاز لنا التعبير - فقد استثمر الأقراص المدمجة في نشر مجموعته الرقمية – التفاعلية – الإلكترونية التي حملت عنوان ( قصيدة تفاعلية : تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق ) التي أصدرها في هذا العام 2007م .

وقد استثمر فيها تقنيات ( النص المتفرع – Hypertext ) عبر المؤثرات الصوتية والصورية – الجرافيكية – والتنقل بين النوافذ المفتوحة بحرية ناهيك عن الكتابية عبر رقمية ( 01011 ) .

وقد ضمت هذه المجموعة ستة نصوص تتفرع من نوافذ متصلة ، يظهر النص الأول عبر الزر الرئيس الموجود في الواجهة الرئيسة ، ومن ثم تتحول إلى النص المتفرع عبر إيقونة ( حاشية ) الموجودة في الواجهة الأولى ليتفرع إلى النافذة الثالثة بالضغط على إيقونة ( هامش ) الموجودة في الواجهة الثانية ؛ لتشكل هذه النوافذ الثلاثة وجهة نظر ثلاثية الأبعاد والعلامة للنص المرقوم على الزر الرئيس الأول ، إذ يمكن أن للقارئ أن يختار الوجهة العلامية للنص باختياره النافذة الحاملة للنص المتفرع .

وتتكرر العملية مع الزر الرئيس الثاني ، الذي يقدّم ثلاث نوافذ متفرعة بآلية ترابطية لتكون نظرة ثلاثية الأبعاد لعلامية النصّ المرقوم على الزر الثاني أيضاً .

والجميل جداً المحسوب للشاعر هنا أنه استثمر الأشكال الشعرية الثلاثة : العمودية والتفعيلية ( الحرة ) وقصيدة النثر ، لتكون مجموعته حاملة لأشكال الشعر العربي المعروفة لئلا تحسب هذه المجموعة لشكل دون آخر .

فهي بحق تجربة رائدة انتظرناها فأتت أكلها ، أتمنى على الشاعر أن لا يقتصر على الأقراص المدمجة فحسب فعليه أن ينشرها على الشبكة العنكبوتية الزرقاء ، وهو أمر أضعه بين يدي المهتمين بالأدب التفاعلي – الرقمي – الإلكتروني ، ولا سيما الدكتورة فاطمة البريكي والأستاذ سعيد يقطين والأستاذ محمد سناجلة والدكتور محمد أسليم وسواهم من المبدعية العرب ، وسأضع البريد الإلكتروني للمبدع الشاعر الرقمي – التفاعلي  العربي الأول مشتاق عباس معن بين يديكم التي تثّمن الإبداع وتسعى إلى تنمية ؛ للتواصل معه maan1973@yahoo.com فهو يستحق منا الكثير .



[1] بتصرف من كتاب : مدخل إلى الأدب التفاعلي : د فاطمة البريكي : 73 – 79 / المركز الثقافي العربي / الدار البيضاء – بيروت / 2006م .




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home