قصة

 

قد تمطر

هناء الهاوس





     ما زلت أرقبها بعينين جامدتين ..كأني من بقايا هذه الأرض المتحجرة حولي

تعصف الرياح بهذا الخريف عصفا و لكنها ما أمطرت

أرى الأوراق تتلاعب بها الرياح فهي تدور حول نفسها في رقصات قد لا تفهمها سوى أمم النحل

و أرى هذه الألوان تتراقص أمام ناظري فالبني و الأحمر غطيا على حضارة الألوان كلها ، و لم يكن الأحمر سوى شيء من بقايا الحياة .

مشيت أُسمع نفسي خشخشات هذه الأوراق و تعمدت أن أحيلها إلى أجزاء صغيرة علها إن طارت هذه المرة أن تذهب بعيدا إلى بلاد تنآى عن بلاد الخريف هنا .

بعض الأغصان كانت قد انحنت على الأرض كأنها جثمان رجل ميت

و رأيتها و كأنها تئن من العطش

انحنيت لأجلس بالقرب و لم اتكئ على شيء

كنت أرحم الضعف الذي أراه حولي و أعرف أني إن كسرت هذه الأغصان فلن تسامحني روح ما زالت ترفرف داخلي

لم أحمل في حقيبة يدي سوى شيء من المال

المال هنا لا يساوي سوى ورقة من الأوراق المتناثرة

نثرته كمثل تلك الأوراق و رفعت يدي لأفسح له مجالا للتحليق عله ينجو من خراب هذه الغابة .

جلست قرب ذلك الغصن المسجى أنظر إليه ، و قد أكون مسحت ظهره برفق ... هنا قد ينسى الإنسان أنه إنسان و قد يعود إلى شيء فيه له مذاق الطين و التراب

حاول صوتي المتحشرج أن يغني

و انطلقت ألحان منه حزينة علها تدفئ المكان

أذني لم تطق أن تسمع شيئا آخر غير الريح

فأسكتتني

كنت و الأشجار نرفع العيون إلى السماء

أما أنا فرقبتي كان لا بد لها من مشقة لتُبقي عيني صوب السماء و أما الشجر فكان يرى و يسمع أكثر مني و كان يتكلم بحفيف قلق

تمددت لأريح عنقي و جعلت لملابسي متكأ يحفظها من التطاير مع الريح

خلت نفسي شجرة فأغمضت عيني مثلما لا ترى الشجرة

و أبصرت ما كانت تراه مثلما هي تراه.

أحسست بلفح الرياح تطيح بخدي في ناحية

و جعلت تخبرني الشجرة.. كم في الريح من مطر !

ما كنت أعرف أن الريح تخبر بقدوم المطر!

تناجينا قليلا بأصوات كانت تتقاذفها الرياح في كل مكان

ضحكت من بعض الكلمات التي ماعدت أتبينها

فكأن الحروف تتفرق فيطير كل حرف لناحية

أمسكت عن الكلام لأفتح عينين متعبتين

أطلت النظر لتلك الشجرة الوارفة ، فكأنني أودعها الجسد المسجى قربها

أوصيتها أن توقظني إن جاء المطر

و لم أخبرها عما تفعله إن لم يقدم المطر

لم أكن أعرف معنى أن لا يجيء

كان دوما يغيب ثم يقدم .

لم يقدم هذه السنة !

ما تبقى من بريق في عيني استنفذته في وصاياي

أغمضت مني العينين حتى إذا نظر الناظر إلي ظنني نائمة

كنت أظن الخيال ما زال يقظا داخلي ليروي لي قصة الربيع يوم أتى كيف كان

وجدت الخيال قد ذهب أيضا

بقي الحفيف فقط و الأوراق المتناثرة .

أحببت تلك الاوراق

كم كنت أعنفها لأسمع خشخشاتها.. ندمت على فعلتي ،وددت الآن لو قبلتني معها كجسم سقط من شجرة يطلب أن يطير


نمت طويلا

و ما دريت

هل أتى المطر؟؟ أم أنه لم يأت هذه السنة

و الأوراق هل أخذتني معها لأطير أم أنها تركتني هناك

لم أعرف ما كانت النهاية .


 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home