قصة

 

لماذا؟

عباس يونس العنزي



لـماذا … ؟

هذا الصباح ليس مثل كل صباح طلع عليه منذ أربعة شهور انقضت ، فها هو أيلول انتصف وجابت الأجواء نسمات عذبة تـحمل معول الرقة لتمزق وبلطف شديد طغيان الحر المستبد الغاضب وتغيض شـمس الصيف الشرسة ، وكما ألف خريبط (هذا كان أسمه الذي لم يتمكن من تحـمله  ولا نسيانه أو الاعتياد عليه ) فـقد رن جرس جهاز الـهاتف الأبيض الـرابض كأنه هر متربص فوق الـمنضدة الـمعدنية الـمتآكلة كوجوه ضحايا الـجدري ، تـمتم بإصـرار و بصوت مسموع ( لأنـهي الأمر اليوم ! ) ، لكن خيطا أملس من الضيق كبطن أفعى خبيثة راح يلتف حول روحه عندما فكر بـما سيواجهه من مصارحات خانـقة قد تـحول كل ما بناه عبر الشهور الأربعة الـمنصرمة إلى خرائب وأطلال كما فعلت حـمم بركان فيزوف ببومباي ، وأقسى ما آلم رأسه الـمثقل بالذكريات الـمريرة ما انطوى عليه أسمه من معضلة مستعصية أطبقت على صدره  مثل هم بدت هـموم برومثيوس مـحض صدى فقيـر له ، فلطالما أفقده ذلك الاسم الشائك فرصا وردية في حياته الـخجلة الـمنـزوية وراء طقوس ذاتية مبتكرة ، وسرب آماله اليانعات إلى عالم الأوهام و العدم  رغم أنه تعلم منه مبكرا حكمة كبيـرة تـمثلت في الـنصيحة الشهيرة التي تعود أن يرددها على الدوام ( اشرب مر وكل مر ولا تعاشر مر !) ، ولأنه مـتناقض بالفعل معه إذ أن بهاء الطلعة والانتظام السلوكي كانا طابعا أصيلا في تكوينه لذا فكر جديا بالـهروب من هذه الـعشرة الـمؤذية والتخلص من قيده الثقيل ثقل قيود شـمشون ، سيما أن تـجربته العاطفية الجديدة تـمكنت من النمو وسط أشواك شكوكه وأزماته وكادت أن تزهر  بعيدا عن تأثيـرات هذا الاسم ذي الوقع الـمربك ، وابـتدأ هروبه بـكذبة وصفها بالبيضاء كي يسوغ لنفسه ما عده في قرارة نفسه تزويرا أسود غير لائق للوقائع  فادعى أن اسـمه نسيم تيمنا بالـملاكم المعروف الذي قفزت به حظوظه لأن يكون بطلا غنيا في بلاد الغربة ، وقد جازف بذلك منذ دقائق الاتصال الهاتفي الأول الذي جـمعه صدفة مع شريكته بلعبة الحب المتواري خلف أسلاك الهاتف لتتوطد بينهما علاقة فريدة النوع والمضمون انطبق عليها بـمقياس دقيق قول الشاعر ( والأذن تعشق قبل العين أحيانا ) .

ورغم الضيق والتردد المتأصل بطبعه رفع سـماعة الهاتف وجاء صوتـها عسليا رقيقا منسابا كعادته ، ومن الطريف أنه لـم يطلب منها يوما رقم هاتفها فقد كان سعيدا بدور الـمتلقي أو لعله كان بـحاجة لأن يكون مطلوبا أو مرغوبا ، لم يطل بينهما الحديث هذه الـمرة واتفقا على اللقاء صباح اليوم التالي :

                                      ـ ولكن كيف لي أن أتعرف عليك ؟

سألا ذات السؤال فأخبـرها أنه سيـرتدي قميصا أزرق وسروالا أسود وموعدهـما تحت مظلة موقف السيارات الكبيرة عند الـمنعطف الرئيسي في العاشرة صباحا ، كان فرحا بموعده  فلأول مرة انـفتحت له الفرصة ليسبـق أسـمه و يضع العوائق أمام فـعله الـمدمر ، مـرت عليه ليلته جـميلة زاخرة ولكن باضطراب بث ارتجافا خفيا في أوصاله ، والدقائق تساقطت من سلتها متلاصقة لزجة ببطء مـمل كأنـما نجومها ( شدت بيذبل ) ، لم ينم خريبط مـطلقا وتـقاذفـته أمواج الظنون كأنه مركب رامبو السكران وهاجـمته أحلام شديدة التنوع ألـهبت مـخيلته ، و عـند الفجر نـهض من فراشه دائم البرودة ليتصارع على حـلبة ذهـنه بطلا مـزاجه الثائر : الفرح والقلق بعنف لا يحتمل ، أطـل من شباك شقته الـمعلقة في الطابق الثالث ونـظر الى الشمس فـأحس أن حرائـقها انتـقلت إليه ، وقضى مـعظم وقته أمام الـمرآة يصطنع الحركات ويـحاول أن يتـقن الرزانة والـهدوء وتلافي الاضطراب حتى إذا حلت الساعة الـعاشرة وقف تحت الـمظلة الكبيرة وهو يفتش في وجوه الفتيات ، يبتسم لـهن مـحاولا أن يكون شديد الـود لكنه لم يلق من يهتم به فـقد انصرف الجميع الى مـشاغلهم أو مـواعيدهم وبقي وحده ينتظر بلهفة انـعكست على هيئته بوضوح .

في ذات الوقت هـمت شريكته بـعبور الشارع الرئيسي باتـجاه الـمظلة الكبيرة ، وما عرف أحد بـماذا كانت تـفكر تلك اللحظات ، لكن من الـمحـتمل أنـها اتـخذت قرارا بلـقائه مهما كان الـحال الذي سيواجهها أو أنـها أرادت قـطع الطريق على احتـمال تراجـعها لذا ارتدت قـميصا ازرقـا وسروالا نـسائيا أسودا ، كانت تسير بثقة مفرطة و شعرها الأسود الطـويل الفاحـم سـمح لنسائـم الـخريف ان تتلاعب به وتبعثره دون ان تسئ لـجمال تصفيفه ، بينما افترشت وجهها المدور الجميل نظارة بلون أزرق باهت فبدت كامرأة  ذات شأن كبير ، في تلك اللحظات ثمة سيارة تسير بسرعة هائلة راحت تقترب منها بلؤم وحسد ، الـتـفتت نحوها وحاولت أن تهرب بعيدا عنها ، لكنها لم تتمكن سوى الجري خطوات قليلة قبل ان يملأ الأسماع ضجيج الموقفات التي عجزت عن أن تحول دون الفاجعة ، فقد طار جسدها البض عاليا في الهواء بعد أن صدمتها مقدمة السيارة بعنف شديد وحين استقر على الأرض فارقت الحياة على الفور وغدت من الماضي .. ليس إلا ، رغم كل أحلام خريبط وقلقه المستفز .

أصيب سائق السيارة بصدمة هائلة لما حصل وحالما عرف أن الفتاة قد ماتت أطلق ساقيه للريح فركض الناس خلفه مما زاد جزعه ، كان ويا للصدفة يرتدي قميصا أزرق وسروالا أسود ! وصل إلى الشارع الرئيسي قرب مظلة السيارات الكبيرة وعندما استدار وجد الفرصة مناسبة لأن يختبأ خلف سياج أحد البيوت ، بينما ظل الناس راكضين باتجاه المظلة حيث كان خريبط منتظرا أمله ، صاح أحدهم بعصبية مفرطة وهو يشير إليه :

                                           ـ ذاك هو الرجل ، الذي يرتدي قميصا

                                               أزرق وسروالا أسود ، فاقبضوا عليه ..!

سمع خريبط الصراخ فصاح دون أن يفهم ما يحدث :

                                        ـ أنا خريبط ولست نسيم ، أقسم لكم أني لست

                                            نسيم !

لقد ظنهم أقرباءها الذين جاءوا يقتصوا منه بعد أن انقلبت عليه لسبب لا يفهمه ، لم يستطع أن يقول أكثر أو ان يفكر بأبعد من ذلك قبل أن  تنهال عليه اللكمات من كل جهة وينهار تحت وطـأتـها فيفقد وعيه ويكتشف الناس بعد دقيقة أنه ليس طريدتهم ، وحين استفاق لم يجد حوله سوى بعض المتأسين لحاله ، استجمع قوته وعاد إلى شقته ممزقا كورقة كتبت عليها قصيدة حب بائسة ، وظل طيلة حياته ينتظر أن تتصل به مرة أخرى ، وهو يردد على الدوام :

                                           ـ فقط .. أريد أن أفهم  ، لماذا .. ؟

 

 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home