القلم الفكري

 

رحمة بنت مالك وقضايا المرأة

محمد شاويش



 

مقال رحمة بنت مالك وقضايا المرأة من منظور شديد التأثر بمالك بن نبي

محمد شاويش

لعل مكمن الطرافة، عندي، في مقال السيدة رحمة هو أنها تطبق أفكار والدها بإخلاص كبير جداً، وبالحرف في معظم الحالات، على موضوع جديد هو موضوع المرأة.

ولا أعرف إن كان هذا أمراً جيداً، ولكني سأسوق لاحقاً الأدلة على ما أقول بمقتطفات من المقال بعد عرضه كاملاً لمن أراد الإطلاع:

 

المقال :

قضايا المرأة.. رؤية جديدة

رحمة بنت مالك بن نبي

ازداد الحديث في الآونة الأخيرة حول المرأة، وكثرت المؤلفات التي تناولتها وجعلتها ساحة لدراستها فتفننت في وصف المعاناة التي تواجهها المرأة اليوم.. ومع هذه الظاهرة وهذا الاهتمام ظهرت مصطلحات جديدة قُرنت بموضوع المرأة، منها: مشكلة المرأة، أزمة المرأة إشكالية المرأة قضية المرأة كل هذه تعبير وتعريف عن هذا العصر الذي عُرف أيضاً بعصر الجنس اللطيف.ومع هذا فإن المشكلة وواقعها يسير معاكساً لهذا الترويج وكأن واقع المرأة لا يزال هو الواقع نفسه التي تحاول هذه المؤلّفات التغيير فيه هذا إذا لم يكن قد ازداد تدهوراً.فالمرأة على الرغم مما نقرأ من نصوص الكتاب والسنة وعلى الرغم مما منحها الإسلام من مكانة لاتقل عن مكانة الرجل(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(التوبة:71) وعلى الرغم مما أوصى بها من خير لاتزال مهزومة من الداخل ومن الخارج ولا تزال تشعر بالضعف والانكسار وبعدم تحقيق الذات. وقد يضيق صدر البعض بهذا الذي أتقدم به، ولا بأس في ذلك فقد يرى بعض الرجال أن شريكته أو أمه أو أخته لا تعاني من هذه المشاعر وهذه الآلام، وهي تحظى داخل الأسرة وخارجها بطائل من الاحترام والكرامة.ويحسن هنا أن نذكر أن هناك عاملاً مشتركاً بين النساء جميعهن، يقرب بينهن ويربط بعضهن ببعض، وهو أن الله وهب المرأة من الأحاسيس والشفافية ما يؤهلها للقيام بوظيفتها كمربية وزوجة على أحسن وأكمل وجه. إنها تحنو على رضيعها؛ فتستوحي من بكائه وابتسامته ما يزعجه وما يسعده، وتتعامل مع زوج قد لا يعبر عن أحاسيسه على النمط الذي تعبر به هي.ومع هذا لا تعجز عن تلبيته والتعاون معه.. إذن فإن طبيعة تكوينها وتركيبها تجعلها عرضة للتأثر بما تشعر به غيرها من النساء، أو بما تروجه الثقافة من حولها، وذلك على الرغم مما يقدمه لها الزوج أو الأسرة من تقدير واحترام.بعد هذا يبدو أن الأسئلة التي لا بد أن تتبادر إلى الأذهان - حتى نلقي بعض الضوء على أسباب هذه المعاناة، وربما على بعض معالم الحل - هي: لماذا لم تؤتِ هذه الكتابات أُكلها؟ وما هي العوامل التي جعلت هذه الآيات الكريمة وهذه الأحاديث الشريفة واقعاً انتفع به أسلافنا في صدر الإسلام؛ واقعاً انبثقت منه نساء تركن بصماتهن على وجه التاريخ؟ وما هي الجسور التي هُدّمت فحالت بيننا وبين هذا الواقع المشرق؟

عند المراجعة للكتابات التي اهتمت بموضوع المرأة نلمس منها صنفين الأول: اهتم بتجميع الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تدل وتوضح منزلة المرأة في الإسلام وما تحظى به من حقوق وامتيازات وينبغي لنا أن ندرك هذه الحقائق وأن نقدر هذه  الأعمال خير تقديرحيث إنها تمثل قاعدة لابد منها للانطلاق لدراسة واقع المرأة ولفهم هذه النصوص وتخليصها من رواسب التقليدوالعادات 

غير أن هذه الأعمال تبدو أحياناً وكأنها للتباهي والتفاخر، أو أنها مجرد سرد بهدف رفع معنويات هذا المخلوق الرقيق - المرأة - التي كثيراً ما تُظلم، عن فهم أو عن جهل، على الرغم من الخدمات العظيمة التي تقدمها لمن حولها. 

إنها تمر خلال أطوار حياتها بأدوار عظيمة من ابنة بارة، إلى زوجة صالحة؛ ومن ثم إلى أم تتحلى بأجلّ خصال، تمنحها القدرة على العطاء لمن حولها وتخلصها من الأثَرة حتى تُشرف على إعداد إنسان متوازن فعّال وقد كان من الأجدى لو أن هذه المؤلفات اهتمت أيضاً برسم التطورات التي مر بها واقع المرأة منذ بداية رسالة الإسلام إلى يومنا هذا، الذي أصبحت المرأة فيه واحدة من اثنتين: إما جاحدة لمعنى مكانتها ورسالتها وإما امرأة رَجِلة أي صارت رجلاً مشوهاً كما أطلق عليها الشيخ محمد الغزالي رحمه الله وعلينا أن نلاحظ أن رسم هذه التطورات يستلزم توضيح أن الإنسان تكون قيمته الذاتية انطلاقاً بين قيمتين: أما القيمة الأولى: فثابتة لاتتغير لاعبر الزمان ولاعبر المكان قيمة كرمه الله بها منذ خلق آدم عليه السلام وتتمثل هذه القيمة في الامتيازات التي متَّعه الله بها من حرية عقيدة وكرامة نفس وعقل، وحفظ لأسرته إلى جانب ماله إضافة إلى الحدود التي رسمها حتى لا يعتدي على هذه الامتيازات. 

وأما القيمة الثانية: فهي قيمة اجتماعية، تتغير بتغير الزمان والمكان، أي من عصر إلى عصر، ومن أمة إلى أخرى، فهذه القيمة يستلهمها الفرد من ظروف الحياة التي يعيشها، ومن مدى حماية مجتمعه للامتيازات التي منحه الله إياها. 

وخلاصة هذه العلاقة ما بين القيمتين: أنه كلما ارتفعت القيمة الاجتماعية للفرد زادت الضمانات التي تدافع عن امتيازات الفرد لتقارب القيمة الثابتة كلما استشعر هذا الفرد، رجلاً كان أم امرأة، ارتفاعاً لقيمته الذاتية والنفسية والمادية، والعكس صحيح. 

وللتوضيح نذكر أن الله تعالى ضمن الامتيازات التي كرم بها آدم أن حرّم دمه بغير الحق، فهو بذلك وضع قيمة ثابتة للنفس البشرية، غير أن القيمة الاجتماعية لهذه النفس قد تهبط في ظروف معينة من استبداد وغيره لدرجة أن يصبح القتل أداةَ لذة، أو أداة لتحقيق مصلحة مادية وهنا يبدو جلياً أن سبب شعور المرأة بالانهزام وعدم تحقيق الذات ليس راجعاً إلى قبول أورفض النصوص التي كرمتها فحسب بل أيضاً إلى طبيعة العلاقة بهذه النصوص وأن رصد هذه العلاقة هو الذي سييسر على الدارس تصحيح الواقع طبقاً للمبادئ القرآنية.وأما الصنف الآخر من الكتابات: فهي تلك التي تناولت المرأة وكأنها عنصر مستقل عن باقي المجتمع. ويبدو أن هذا الصنف الأخير يمثل قطبين في صفة صراع ظاهري:قطب أراد انفتاحاً كاملاً وتقليداً أعمى للغرب وقطب شدّد على المرأة حتى كاد أن يخنقها وبرهن على أن الغُلُوّ يولد الغلو، أي أنه دفعها في كثير من الأحيان إلى مثل ما أراد لها الطرف الأول، وجعلها بذلك تهرب من واقعها وتلهث وراء الغرب فإن دققنا النظر وأمعناَّ أدركنا أن معاناة المرأة إنما تنبع من معاناة مجتمع بأكمله، فما الرجل والمرأة إلا صورتان لموضع واحد وهو الإنسان. إن أمراضنا متعددة، ومن طور إلى طور قد تختلف الأعراض التي تبدو على الرجل والمرأة من فكر عقيم واضطرابات أسرية، وأزمات أخلاقية، غير أن الجرثومة واحدة. إذن يجب أن يكون الحل لمعاناة المرأة منسجماً مع الحلول للمشكلات الاجتماعية الأخرى، ضمن برنامج حضاري شامل.فما أفلست المرأة إلا عندما أفلس المجتمع بأكمله.

ولن يكون الحل حلاً إلا إذا بعثنا الأمة جمعاء وسرنا في الاتجاه الصحيح، ويقول والدي وأستاذي "مالك بن نبي" في هذا الإطار: "يجب أن لا تكون نظرتنا إلى هذا الموضوع بدافع رفع المستوى المرأة ذاتها، أي بدافع من مصلحة المرأة وحدها، بل بدافع من حاجة المجتمع وتقدمه الحضاري".وقد فهم الغرب هذا الأمر، بعد أن ظل يتحاور عقوداً طويلة حول موضوع المرأة ويتساءل: هل المرأة كانت مثل الرجـل؟ هل لديها روح؟ هل يحق لها ما يحق للرجل؟ هل تحتاج إلى مثل ما يحتاج إلى الرجل؟ ووصل مؤخراً إلى قناعة بأن النظرة إلى المرأة على أساس أنها عنصر مستقل عن جوهر المجتمع لم تعد تخدم غاياته ومصالحه لذلك أراد بصفة متسرعة أن يمنحها مساواة صورية، بغض النظر عن مدى صلاحية أو بُطلان هذه النتيجة، وقد دفعته هذه المساواة الصورية إلى عرقلة أو منع الدراسات الدقيقة التي تبحث عن طبيعة الفروق بين المرأة والرجل واعتبرها فروقاً نوعية لا وزن لها في توزيع الأدوار. ويكفينا هنا أن نذكر مثالاً على أن الحل الذي يكون هدفه رفع مستوى المرأة فحسب دون النظر في البعد الاجتماعي لهذا الحل يصبح حلاً قاصراً عن خدمة ورعاية مصالح المجتمع. لقد عرض التلفاز لقطات لنساء استطعن أن ينتسبن إلى فرقة الإطفاء بعد أن أصبح الرأي العام بسبب ضغوط الحركات النسائية يشجع مثل هذه الأدوار للنساء أيضاً غير أن هؤلاء الفتيات على الرغم من الرغبة التي تغلي في دمائهن للمساواة مع الرجال وعلى الرغم مما يعتقدن ويقدرن قواهن فإنهن فشلن في إثبات جدارتهن وصلاحياتهن لمثل هذه المسؤولية، وقد كشفت هذه اللقطات عن بعض هذه المثالب، فتاة تسقط وهي تحمل سُلم الإنقاذ  أو أنبوب الماء لتطفئ النيران.

إذن فإن قبول الفتيات في مثل هذه المدارس  بهدف رفع مستوى المرأة في المجتمع كان لا بد أن يفرز نتيجة سالبة في حق المجتمع وقد اضطرت هذه المدارس إلى التخفيف من مستوى التدريب المطلوب والتغاضي عن ضعف الفتيات الوظيفي الفسيولوجي والنفسي من أجل منحهن حقاً موهوماً حق المساومة في أن تلج كل الميادين وفي هذه الظروف تنعكس النتائج على سلامة المجتمع بأكمله، بحيث يصبح مستوى رجال ونساء المطافئ دون المقتضيات التي تتطلبها مثل هذه المسؤولية فيتحول هذا الحل إلى تهديد ضد مصلحة المجتمع فالأجدى إذن رعاية لمصلحة المجتمع، الاعتراف بعدم صلاحية النساء لمثل هذه المسؤوليات من أجل المحافظة على مستوى الاستعدادات اللازمة لمجابهة النيران المشتعلة. ومن هنا فإن مشكلة المرأة ستبقى قائمة ما بقينا ننظر إليها على أساس أنها عنصر مستقل، ما لم نبحث عن حل ينسجم وباقي الحلول الاجتماعية، ولبيان هذا الأمر نقول: إن الكتب التي لم تتصور، ولم تصّور، المرأة على أساس أنها جزء من جوهر المجتمع تكون كمثل الذي يعالج  اليد وكأنها ليست عضواً من أعضاء كيان واحد، إن سلامة اليد وإن كان لها بعض الحاجات الخاصة بها كتقليم الأظفار أو غير ذلك من الحاجات تعود إلى ممارسات أسباب سلامة الجسد كله فإن ضعف الجسد أوضعفت الصلة التي بينها وبين باقي الأعضاء فإنها بدورها تهن وتضعف لهذا فإن أردنا أن تنتصر المرأة في المعركة ضد الشعور المحبط بعدم تحقيقها لذاتها، فإن علينا أن نجابه الوضع على أساس نظرة شمولية، أي على أساس أنه أزمة مجتمع، وليس أزمة عنصر أو جنس دون الآخر، ومن ثم فإن علينا أن ندرك الجـانب الفكري والثقافي المتسلط على المجتمع عامة ومن ثم متسلطاً عليها، وأن نعي ما أوضحه الشيخ "الغزالي" رحمه الله  عندما قال: "إن التخلف النفسي والذهني لا تُصاب به الأمم بغتة، وإنما يجيء بعد أمراض تطول ولا تجد من يُحسن مداواتها"ولعل من المهم أن نذكر هنا أن هذه العوامل المسيطرة على المجتمع ومن ثم على المرأة  ليست منفصلة.ولكننا نفصلها لكي نبين أهميتها على حدة وقد يحتاج بيان هذه الأمور إلى تفصيل طويل ولكن حسبنا أن نذكر هنا بعض المعالم المهمة التي جعلت المرأة تفقد ثقتها بنفسها؛ الأمر الذي حال بينها وبين شعورها بتحقيق ذاتها. ونشير هنا إلى أن اهتمام هذه الدراسة بإبراز تدخل تلك العوامل التي جعلت المرأة تشعر بعدم تحقيق ذاتها لا يهدف إلى تحديد معاناة المرأة؛ فإن أوجه القلق والتخبط الذي تعيشه المرأة كثيرة ومتعددة، ولكننا تناولناه على سبيل المثال فقط. فما هي إذن هذه العوامل التي سيطرت على البناء الفكري والثقافي للمجتمع؟ علينا أن نستوعب أن الجهل ألوان، جهل بمعناه السهل، وجهل مركب.

فأما الأول: فإن مكافحته والتغلب عليه أقل صعوبة من النوع الثاني؛ لأن صاحبه يدرك هذا النقص الذي يحمله، أما الثاني: فإن صاحبه لا يدرك حقيقة وضعه؛ إما لأنه يحمل أوهاماً يظنها علماً، أو أنه مصاب بآفة "تكديس المعلومات" أو "غمر الدماغ"، أي أنه يحمل جرثومة تجعله عاجزاً عن تحويل معلوماته إلى برنامج تطبيقي، ومن ثم تؤدي به إلى مضاعفات أشد خطورة من عدم امتلاك المعلومات.  إنه باكتسابه لهذه المعلومات التي أُفرغت من فاعليتها  يصل إلى تناقض داخلي يفرز عدم ثقته بنفسه وبالعلم، فتسيطر عليه الأوهام التي تجعله أداة لخدمة أهوائه ومطية لغيره. إن مثل هذا الجاهل يغيب عنه الفرق بين الجهل وحقيقة العلم، فينسى أن العلم إنما هو من أجل الإذعان بالعبودية لله، وتسخير الكون لأداء رسالة، وليس من أجل تحصيل ورقة أو شهادة يطبع منها نسخاً كثيرة، بينما يربط صاحبها بالعلم خيط واهٍ ضعيف ينقطع يوم  تنقطع صلته بالكلية ومن ثم يخرج منه العلم دون أن يهضمه فيتشبع به عقله، أو يتمثله سلوكه. وهذا النوع من الجهل المركب هو الذي تسرب إلى المرأة، فهي تطمح إلى تحصيل شهادة يقدرها مجتمع لم يعد يعي مسؤولياته. وكثيراً ما يشجع حركة لا تتقدم  به إلى الأمام، بل وكثيراً ما تسير به إلى الوراء. فالفتاة اليوم كثيراً ما تجهل طبيعة أدوارها، ورسالتها في رعاية المجتمع،  فتخطط إن خططت لحياتها، دون مراعاة إمكانياتها وغاياتها، ولكن طبيعة الحياة ترفض هذا التحدي، فيصدمها الواقع بخسائر حين لا تستطيع تحقيق أهداف كانت قد بنتها على أساس من الخيال والأوهام ومن ثم تصاب بخيبة أمل ترهقها بالشعور بعدم تحقيق ذاتها. لن نبحث هنا فيما إذا كانت هذه الأفكار تصدَّر إلينا من خلال غزو فكري شديد  وبأساليب شتى من مسارب جلية أو خفية، أو أننا نحن بمحض إرادتنا المسيّرة في كثير من الأحيان نختار أن نستعير أفكاراً من خارج إطارنا الفكري والثقافي لنسد به فراغاً لا بد أن يملأه شيء ما. ومن المؤسف أن الكثير من هذه الأفكار المستعارة لايمكن أن تتعايش أوتتفاعل إيجابياً مع باقي الأفكار السائدة فينتج عن هذا خليط غير متجانس يحمل جاهليات وأمراض شعوب أخرى تزيد رؤية الأمة والمرأة التي هي محور دراستنا غبشاً وضعفاً ونشير هنا إلى أن فشل هذه الأفكار المستوردة قد يعود إلى أحد سببين إما أنها أفكار لم تلق نجاحاً في أرضها فتُوّج فشلها بإعلان موتها واستبدال أفكار جديدة بها غير أن غيابنا عن ساحة الأفكار حال بيننا وبين حضور موكب جنازتها فبقينا مفتونين بها. وإما أنها أفكار صالحة داخل أجوائها الأصلية حيث تحظى بعلاقات تغذيها وتحميها بينما تتحول إلى أفكار ميتة أو مُميتة في بنية جديدة تحرمها من تلك العلاقات الأساسية. إذن.فلكي تقوم الاستعارة على أساس سليم لابد أن تتم وفق منهج يحمي علاقات أساسية ثلاث أي أن تكون هذه الفكرة المستعارة ذات ترابط إيجابي:

أولاً: مع باقي الأفكار التي تشكل الإطار الفكري والثقافي في هذه البيئة الجديدة، بحيث لا يكون هناك تعارض يؤدي إلى انعدام فاعلية الفكرة أو تأثيرها تأثيراً مضاداً.

وثانياً: مع الأشياء التي تخدم هذه الفكرة، وتساعد على تحقيق نجاحها.

ثالثاً: مع الأشخاص، أي أنها تكون فكرة تخدم غايتهم، وتحترم قيمتهم.

وعلى سبيل المثال: نذكر أن المرأة المسلمة عندما استعارت من المرأة الغربية زيها الذي يُبدي العورة بدل أن يبدي إنسانيتها قامت باستعارة مشؤومة تتحدى هذه العلاقات الأساسية الثلاث.وهذا الزي إنما يخدم غايات العالم الغربي الذي يبحث عن المتعة الآنية، والذي يعاني من أنانية جعلت المرأة تطرق باب رزقها مستعينة على ذلك بمفاتنها، وفي المقابل فإن هذا الزي يشكل خطراً على الامتيازات التي تتمتع بها المرأة داخل الأسرة وفي المجتمع الإسلامي، الذي زاده هذا الزي تدهوراً وانحلالاً. ومن ثم فإن الاستعارات التلقائية التي لا تقوم على أساس من التخطيط والدراسة والبحث السابق تشكل خطراً يهدد الأفراد بالقلق، والأمة بالتقاعس، إن هذه الحقيقة، مهما كانت واضحة، فإنها لا تزال غائبة عن أذهان حبيسة التبعية، والمرأة وسط هذه الأمواج المتلاطمة من الأفكار المستوردة - التي لا تحتوي لا الغايات ولا الوسائل - لن تجني سوى خسائر مادية ومعنوية، حينما تحاول تطبيق هذه الأفكار؛ فيكون الفشل حليفها، فتشعر أنها لم تحقق ذاتها، بينما تجهل الواقع وهو أن الأفكار تحمل سبب فشلها. إن الحديث عن الواجبات والحقوق أصبح قاسماً مشتركاً بين المرأة والرجل، فكلاهما يحفظ مجموعة شعارات تستهويه بكلمات رنانة وتعده بأمنيات بعيدة عن الواقع. والحقوق في الحقيقة ليست إلا ثمرات تأتي نتيجة حتمية لأداء الواجبات وهذه العلاقة هي التي أوضحها الله عز وجل في كتابه الكريم (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا )(النور:55). و(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (البقرة:40).ومن هاتين الآيتين وغيرهما يبدو جلياً أن الله أمر الناس بتكاليف إن صدقوا فيها تكفل الله لهم بها حقهم. وهذا أيضاً ما يقوله "ابن عطاء الله السكندري" في العـلاقة التي تربط بين الواجب والحق: "اجتهادك فيما لك، وتقصيرك فيما طُلب منك دليل على انطماس البصيرة منك"، أي أن انشغال الإنسان بحقوقه عن واجباته لن يثمر أبداً، وتلك هي سنة الله في عباده. وهكذا كان مبدأ الأنبياء، وهكذا كان مبدأ سيدنا "محمد" - صلى الله وعلى آله وسلم - الذي بشّر أصحابه بالجنة إن أدوا واجباتهم وأخلصوا فيها. ومن المؤسف أن منطق العصر قلب هذا المفهوم، وأذاب مبدأ الواجبات، بينما أقر مبدأ السهولة؛ مبدأ المطالبة بالحقوق. ولعل من هذا القبيل منطق الانتخابات الذي يعتمد نجاح المرشحين فيها على وعود قلما تتحول إلى واقع، وفي ظل هذا المنطق أيضاً ظهرت في العالم وفي البلاد الإسلامية "الحركات النسائية" التي تزعم السعي لتحرير المرأة، والتي استهوت المرأة، وسلكت بها سبيل الأماني، فأغرتها بحقوق موهومة، وأنستها واجباً أساسياً ألا وهو ممارسة حرية الإرادة والقرار ممارسة سليمة، تراعي مصالحها ضمن مجتمع بأكمله، وتضمن لها الطمأنينة التي تخلصها من القلق. ومما يشهد على ما نقوله أن المرأة حين خاضت غمار هذا المنطق الأعوج وآمنت به خسرت أكثر مما ربحت، ووقعت في الاضطراب مثلها في ذلك كمثل قرينتها في الغرب التي تطالب بأن تعامل في ساحة العمل على أساس كفاءتها لا على أساس أنوثتها وأن تُمنح مقابل عملها ما يُمنح الرجل. ومن الثابت أنها لن تنال هذا الحق كاملاً  إلا إذا انتقص منها في مجـال آخر، ما دامت تُبدي مفاتنها، وما دامت لم تقم بواجبها، فتصلح من حالها، وتخرج ضمن حدود زي يجعل العمل إلى جانبها يراها على ضوء ما تقدمه من خدمات، لا على أساس ما تعرضه من زينتها ومفاتنها.

إن الواجبات والحقوق سلسلة متواصلة، فمسؤولية الزوج هي حق الزوجة، ومسؤولية الزوجة هي حق الزوج، وهذه السلسلة هي التي تمكّن من بُنيان مجتمع راسخ، على أيدي أفراد يوازنون بين الواجبات والحقوق. وما دامت المرأة تسلك طريق المطالبة بالحقوق، فإن خسائرها ستتفاقم، حتى إنها ربما أضاعت ما تتمتع به من امتيازات؛ فزادها ذلك شعوراً بالقهر والانكسار وبعدم تحقيق ذاتها.

من المؤسف أن الثقافة في اتجاهها إلى العالمية - أو نحو ما أطلق عليه "القرية العالمية" - أصبحت ثقافة يطغى عليها طابع الغرب الغالب، فكما يقول "ابن خلدون": "المغلوب يتبع الغالب"، ولقد سيطر على واقع العالم اليوم المذهب المادي الذي يسعى لتحقيق المتعة الآنية، ولامتلاك الرفاهية. والغرب اليوم بانصراف المسلمين عن ساحة الأحداث التاريخية أصبح يدعم هذه الثقافة، ثقافة اللذة والرفاهية، بكل ما لديه من وسائل دعائية، من إعلام ومجلات وأفلام ومغنين ومغنيات..وغير ذلك، فقد غيرت هذه الثقافة المرجعية من مرجعية قيم أخلاقية إلى مرجعية استهلاكية حتى إن الفرد نفسه تحوّل ضمن هذه الثقافة إلى سلعة استهلاكية، فلم يعد الكون يسخَّر لخدمة الإنسان وإنما الإنسان يسخَّر لخدمة المادية التي تقوم على المنفعة والرغبات النفسية. لم يعد الفرد يقاس بما لديه من قيم، وما يتماثل من سلوك، أي أنه لا يقاس وفق مبدأ (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات:13)، بل أصبح يتصور واقعه وقيمته وفق ما يمتلك أو يستهلك من منتوجات. وقد أفرزت هذه الرؤية المادية القائمة على أساس المنفعة عواقب خطيرة أهمها بالنسبة لموضوعنا تغيير مفهوم العمل. إن كلمة "عمل" بمفهومها اليسير تعني أن يسلط الإنسان جهداً للقيام بنشاط ما، ولكي ندرك هذا التعريف وعلاقته بموضوعنا، علينا أن نحلل العناصر التي يجب أن تتوافر من أجل القيام بعمل ما، إيجابياً كان أم سلبياً:

أولاً: الإنسان الذي سيقوم بالجهد. ثانياً: الأداة التي يستخدمها من أجل تحقيق نشاطه. ثالثاً: الخبرات والمعارف التي ستساعد في تحقيق النشاط، أي الطريقة لتحقيق العمل رابعاً: المبرر والدافع للقيام بالعمل.

فإن اختفى واحد من العناصر الثلاثة الأولى أصبح العمل مستحيلاً، وإن انعدم المبرر، أو نقص، أصبح العمل عبثاً. والمرأة اليوم بسبب الغزو الثقافي تعاني من نقص العنصر الرابع، الذي هو المبرر؛ وذلك لأنها تعيش ثقافة مادية طغت على العقائد والأخلاق فأحالت العمل إلى مفهوم ضيق المساحة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعائد المادي بعد أن كان مفهوماً واسعاً، أي كما ورد في القرآن الكريم: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ).  (التوبة: 105).

فبعد أن كان الفرد يبحث عن عمل صالح يجمع بين بُعدين، البعد الأُخروي الذي يمنحه المبرر، ويرسي له دعائم التوازن، والبعد الاجتماعي، أصبح اليوم لا يبحث إلا عن عمل يضمن له بعداً فردياً مادياً، إن لم يحصل عليه وقع في الاضطراب، وأرهقه شعور الفشل وعدم تحقيق الذات. وهذا ما يلخص شعور المرأة، خاصة إذا لم تساهم في الدخل المادي للعائلة بسبب طبيعة مسؤولياتها الأخرى كأم وزوجة معطاء. وأخيراً فقد أردنا من خلال هذا البحث أن نرد موضوع المرأة إلى أبعاده الاجتماعية الصحيحة وربما كان هذا  الجهد خطوة في اتجاه الحل السليم كما أردنا أن لا ينُظر إلى المرأة على أساس من التبرئة والاتهام؛ فالواقع يصرخ بأن كل فرد من أفراد المجتمع يحمل بعض المسؤولية فيما نعيشه اليوم. فلا شك أن الأفراد يؤثرون في الثقافة، كما أن الثقافة تؤثر في تكوين الأفراد. والمرأة لأهميتها وخطورتها الاجتماعية أصبحت تشغل مساحة كبيرة من اهتمام أولئك الذين يخططون لتوجيه أمة بأكملها، بقصد تسخيرها لخدمة مصالحهم وهذا لايعني أن ننغلق على أنفسنا، وأن نحرم أنفسنا من تجارب الآخرين"الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها"، بل أن ننظم العلاقات التي تربطنا بالتجارب الأخرى. وواضح أن هذا لن يتحقق إلا بإعادة تنظيم طاقة المسلم وتوجيهها، وذلك بإعادة قراءة القرآن، أي قراءة سنن الله في الكتاب، وقراءة ممارسة البشر لهذه السنن، ومن ثم بإعادة تحديد دور المسلم ورسالته، فإن أدركنا هذه الحقائق نكون قد أدركنا معنى قول الإمام مالك رحمه الله حين قال: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

التعليق :

 محمد شاويش

لكن البداية ممتازة حقاً، وهي نقد نادراً ما أقرؤه للطريقة الشائعة في معالجة موضوع "الإسلام والمرأة":

بعد أن تذكر رأياً طريفاً، جديداً في حدود علمي، يقول إن المرأة بسبب حساسيتها الخاصة تتأثر بسوء أوضاع النساء في المجتمع حتى لو كانت هي شخصياً في أوضاع أفضل، تنتقد نوعين من النظرات لوضع المرأة:

النظرة الأولى تكتفي بتجميع النصوص من القرآن والسنة " وتوضح منزلة المرأة في الإسـلام، وما تحظى به من حقوق وامتـيازات.  وينبغي لنا أن ندرك هذه الحقائق، وأن نقدر هذه  الأعمال خير تقدير؛ حيث إنها تمثل قاعدة لا بد منها للانطـلاق لدراسة واقع المرأة، ولفهم هذه النصوص وتخليصها من رواسب التقليد والعادات. 

غير أن هذه الأعمال تبدو أحياناً وكأنها للتباهي والتفاخر، أو أنها مجرد سرد بهدف رفع معنويات هذا المخلوق الرقيق - المرأة - التي كثيراً ما تُظلم، عن فهم أو عن جهل، على الرغم من الخدمات العظيمة التي تقدمها لمن حولهـا.  ".

وفي الحقيقة فإن هذه النزعة للتباهي رغم أنها عريقة في التراث "الإسلاموي" المعاصر(أعني بهذا المصطلح"الإسلاموي"   التراث التمجيدي المنطلق من مواقع دفاعية، الذي وجدناه في كتابات الإخوان بالذات ومن تبعهم عن المرأة، والذي يجمع النصوص التي يظنها ترد هجمات المستشرقين والمستغربين عندنا على الإسلام لادعاء اضطهاده للمرأة، وهو كما وصفت السيدة رحمة تراث تجميعي للتباهي أو لرفع معنويات المرأة).

والمشكلة مع هذا النوع من السرد والتجميع هي مشكلة عامة نتكلم عنها في كافة الميادين وليس في ميدان المرأة فقط:

حين يعد هذا التيار فضائل الإسلام فإنه لا يهتم البتة بالنقطة الحاسمة: فلم إذن لا يسير المسلمون وفقاً لهذه النصوص؟

وهذه الإشكالية هي الإشكالية التي سماها الفقير لله في مقال له: "إشكالية تفعيل فضائل الإسلام".

ترى السيدة رحمة أنه "كان من الأجدى لهذه الكتابات لو أن هذه المؤلفات اهتمت أيضاً برسم التطورات التي مر بها واقع المرأة منذ بداية رسالة الإسلام إلى يومنا هذا، الذي أصبحت المرأة فيه واحدة من اثنتين: إما جـاحدة لمعنى مكانتها ورسالتها، وإما امرأة "رَجِلة"، أي صارت رجلاً مشوهاً، كما أطلق عليها الشيخ "محمد الغزالي" رحمه الله. "

وبرأيي فإن المطلوب لم يكن مجرد "رسم التطورات" بل تفسير المسار الذي سارته المرأة للتأكد من أننا لو أصلحنا الأوضاع لن تعود لتسلك الطريق نفسه مرة أخرى.

وكما نرى نحن لا زلنا إزاء إشكالية لم ينتبه بعد في رأيي إليها مفكروا هذا التيار، فلا زالوا على تغافلهم عن هذه المسألة رغم التجارب الكثيرة.

ورسم هذه التطورات كما ترى الكاتبة يستلزم توضيح أن للإنسان قيمتين: قيمة " ثابتة لا تتغير، لا عبر الزمان ولا عبر المكان،  قيمة كرمه الله بها منذ خلق آدم - عليه السلام - وتتمثل هذه القيمة في الامتيازات التي متَّعه الله بها من حرية عقيدة، وكرامة نفس وعقل، وحفظ لأسرته إلى جانب ماله، إضافة إلى الحدود التي رسمها حتى لا يعتدي على هذه الامتيازات."

وهي هنا كما يرى القارئ قيمة ثابت تشريعي لا يتغير كما ترى الكاتبة.

والقيمة الثانية هي " قيمة اجتماعية، تتغير بتغير الزمان والمكان، أي من عصر إلى عصر، ومن أمة إلى أخرى، فهذه القيمة يستلهمها الفرد من ظروف الحياة التي يعيشها، ومن مدى حماية مجتمعه للامتيازات التي منحه الله إياها.".

"كلما ارتفعت القيمة الاجتماعية للفرد زادت الضمانات التي تدافع عن امتيـازات الفرد، لتقـارب القيمة الثابتة كلما استشعر هذا الفرد، رجلاً كان أم امرأة، ارتفاعاً لقيمته الذاتية والنفسية والمادية، والعكس صحيح".الظروف التاريخية والاجتماعية تنزل القيمة الأولى أو ترفعها إذن.

هذه النظرة مشتقة بالأسلوب من نظرية مالك بن نبي عن المعاملين الذين يؤثران في قيمة الفرد المستعمر كما شرحها مالك في كتابه "شروط النهضة" "المعامل الاستعماري" ومعامل "القابلية للاستعمار" ولكنه سير مع أسلوب مالك وحسب وليس مع جوهر الفكرة التي هي من تطويرات الأستاذة رحمة فيما يبدو لي.

" وأما الصنف الآخر من الكتابات: فهي تلك التي تناولت المرأة وكأنها عنصر مستقل عن باقي المجتمع. ويبدو أن هذا الصنف الأخير يمثل قطبين في صفة صراع ظاهري: قطب أراد انفتاحاً كاملاً وتقليداً أعمى للغرب، وقطب شدّد على المرأة حتى كاد أن يخنقها، وبرهن على أن الغُلُوّ يولد الغلو، أي أنه دفعها في كثير من الأحيان إلى مثل ما أراد لها الطرف الأول، وجعلها بذلك تهرب من واقعها وتلهث وراء الغرب".

في وجه هذه الأشكال من النظرة للمرأة تحاول السيدة رحمة أن تأتينا بنظرة جديدة ، هذه النظرة مأخوذة مباشرة من مالك الذي تستشهد به الكاتبة:

" يجب أن لا تكون نظرتنا إلى هذا الموضوع بدافع رفع المستوى المرأة ذاتها، أي بدافع من مصلحة المرأة وحدها، بل بدافع من حاجة المجتمع وتقدمه الحضاري".

فالغرب قد عزل المرأة عن وضعها في إطارها الصحيح كعنصر نوعي له وظائفه الخاصة ضمن الإطار الاجتماعي، وقرر أن يعمل لمصلحتها المنفصلة عن مصالح المجتمع في سبيل مساواة وهمية تجعلها تتطابق مع وضعية الرجل مما جعلها تأخذ أدواراً تضر بالمصلحة الاجتماعية العامة بدعوى أنها تحقق لها المساواة، والمثال التوضيحي الذي تضربه الكاتبة هو مثال دخول النساء مجال عمل الإطفاء مما أدى إلى انخفاض مستوى هذه الوظيفة، والتنازل عن متطلباتها بدعوى حماية حق المرأة في دخول كل الميادين التي دخل إليها الرجل.

والنتيجة التي تتوصل إليها الكاتبة في هذا السياق:

" ومن هنا فإن مشكلة المرأة ستبقى قائمة ما بقينا ننظر إليها على أساس أنها عنصـر مستقل، ما لم نبحث عن حـل ينسجم وباقي الحلول الاجتماعية".

وتتحدث الكاتبة عن فتاة اليوم التي " كثيراً ما تجهل طبيعة أدوارها، ورسالتها في رعاية المجتـمع،  فتخطط - إن خططت - لحياتها، دون مراعاة إمكانياتها وغاياتها، ولكن طبيعة الحياة ترفض هذا التحدي، فيصدمها الواقع بخسـائر حين لا تستطيع تحقيق أهداف كانت قد بنتها على أساس من الخيال والأوهام، ومن ثم تصـاب بخيبة أمل ترهقها بالشعور بعدم تحقيق ذاتها."

الأفكار التي بني عليها هذا التوجه الخاطئ أفكار استوردت من إطار اجتماعي مختلف، وتستعير الكاتبة من والدها نظريته عن "الأفكار الميتة والأفكار المميتة" : " فشل هذه الأفكار المستوردة قد يعود إلى أحد سببين: إما أنها أفكار لم تلق نجاحاً في أرضها، فتُوّج فشلها بإعلان موتها، واستبدال أفكار جديدة بها، غير أن غيابنـا عن ساحة الأفكـار حال بيننـا وبين حضور موكب جنازتها، فبقينا مفتونين بها. وإما أنها أفكار صالحة داخل أجوائها الأصلية، حيث تحظى بعلاقات تغذيها وتحميها، بينما تتحول إلى أفكار ميتة أو مُميتة في بنية جديدة تحرمها من تلك العلاقات الأساسية."

ثم تحدد الشروط التي يمكن فيها لاستعارة الأفكار أن تنبني على أساس سليم وتتعلق هذه الشروط بثلاثية مالك بن نبي المعروفة: الأشياء والأشخاص والأفكار: " أولاً: مع باقي الأفكار التي تشكل الإطار الفكري والثقافي في هذه البيئة الجديدة، بحيث لا يكون هناك تعارض يؤدي إلى انعدام فاعلية الفكرة أو تأثيرها تأثيراً مضاداً.

وثانياً: مع الأشياء التي تخدم هذه الفكرة، وتساعد على تحقيق نجاحها.

ثالثاً: مع الأشخاص، أي أنها تكون فكرة تخدم غايتهم، وتحترم قيمتهم. "

وكل استعارة لا تراعي هذه الشروط تصبح "خطراً يهدد الأفكار بالقلق والأمة بالتقاعس".

"، والمرأة وسط هذه الأمواج المتلاطمة من الأفكـار المستوردة - التي لا تحتوي لا الغايات ولا الوسائل - لن تجني سوى خسائر مادية ومعنوية، حينما تحاول تطبيق هذه الأفكار؛ فيكون الفشل حليفها، فتشعر أنها لم تحقق ذاتها، بينما تجهل الواقع وهو أن الأفكار تحمل سبب فشلها.",

وتعود رحمة إلى أهم فكرة في اعتقادي تميز جوهر دعوة مالك بن نبي النهضوية: الفكرة القائلة إن الطريق السليم النهضوي الوحيد للحصول على الحقوق هو أداء الواجبات أما التركيز على الحقوق مع تجاهل الواجبات فهو سبيل الكسل والانحطاط، وهو دأب رجال "البوليتيكا" الذين يخدرون الجماهير بالوعود الانتخابية المعسولة التي لا تتحقق، وعود خطاب يعد الجماهير ب"حقوق" تنزل عليها من السماء، كما كان الناس أيام انحطاط الصوفية ينتظرون الخيرات  من "الزردة".

وتطبق السيدة رحمة على أوضاع المرأة هذه الفكرة الأثيرة عند مالك بن نبي، التي يركز عليها الفقير لله في كتاباته في السنوات الأخيرة:

" وفي ظل هذا المنطق أيضـاً ظهرت في العـالم وفي البـلاد الإسلامية "الحركات النسائيـة" التي تزعم السـعي لتحرير المرأة، والتي استهوت المرأة، وسلكت بها سبيل الأماني، فأغرتها بحقوق موهومة، وأنستها واجباً أساسياً ألا وهو ممارسة حرية الإرادة والقرار ممارسة سليمة، تراعي مصالحها ضمن مجتمع بأكمله، وتضمن لها الطمأنينة التي تخلصها من القلق.".

" ومن الثابت أنها لن تنال هذا الحق كاملاً  إلا إذا انتقص منها في مجـال آخر، ما دامت تُبدي مفاتنها، وما دامت لم تقم بواجبها، فتصلح من حالها، وتخرج ضمن حدود زي يجعل العمل إلى جانبها يراها على ضوء ما تقدمه من خدمات، لا على أساس ما تعرضه من زينتها ومفاتنها.".

الواجبات والحقوق متكاملة في المجتمع فواجبات جزء هي حقوق جزء آخر، وقيام الجميع بواجباتهم يعني حصول الجميع على حقوقهم!.

" وما دامت المرأة تسلك طريق المطالبة بالحقوق، فإن خسائرها ستتفاقم، حتى إنها ربما أضاعت ما تتمتع به من امتيازات؛ فزادها ذلك شعوراً بالقهر والانكسـار وبعدم تحقيق ذاتها.".

وتتكلم السيدة رحمة بعد ذلك كلاماً وجيهاً عن وضع العالم المعاصر، ووضع العالم الإسلامي فيه بخاصة:

 غيرت هذه الحالة العالمية مفهوم "العمل":

" فلم يعد الكون يسخَّر لخدمة الإنسان، وإنما الإنسان يسخَّر لخدمة الماديـة التي تقوم على المنفعة والرغبـات النفسية. لم يعد الفرد يقاس بما لديه من قيم، وما يتماثل من سلوك، أي أنه لا يقاس وفق مبدأ (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات:13)، بل أصبح يتصور واقعه وقيمته وفق ما يمتلك أو يستهلك من منتوجات. ".

لقد فأحالت العمل إلى مفهوم ضيق المساحة، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعائد المادي، بعد أن كان مفهوماً واسعاً، أي كما ورد في القرآن الكريم: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ).  (التوبة: 105).

فبعد أن كان الفرد يبحث عن عمل صالح يجمع بين بُعدين، البعد الأُخروي الذي يمنحه المبرر، ويرسي له دعائم التوازن، والبعد الاجتماعي، أصبح اليوم لا يبحث إلا عن عمل يضمن له بعـداً فردياً مادياً، إن لم يحصل عليه وقع في الاضطراب، وأرهقه شعور الفشل وعدم تحقيق الذات.

وهذا ما يلخص شعور المرأة، خاصة إذا لم تساهم في الدخل المادي للعائلة بسبب طبيعة مسؤولياتها الأخرى كأم وزوجة معطاء." 

 

 

 

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home