قصة

 

أشجان ليل دامس !!!...

صالح اهضير



بمجرد أن انكفأ قرص الشمس وراء التل الشامخ مخلفا وراءه بقايا مزيج من خيوط نورانية ذابلة،صعقت لهول النبإ وتسمرت مكانها كنصب بلا حراك..ارتج الكائن الجنيني في أحشائها وثار ثورانا في انتفاضة عارمة فاستبد بكيانها وجع غير معهود..أحست بدوار ثم تهاوت أرضا مغشيا عليها

ما أن التأمت جراحات البلدة لبضعة أشهر حتى فجعت ثانية في أحد أبنائها في رحلة اللاعودة عبر متاهات الآفاق الضبابية والجزر النائية الموحشة..تمجّه أحشاء بحر كاسر منبوذا بالعراء بعد أن تحطمت المطايا وتطايرت الأحلام أشلاء…

يتلقى الليل صفعة مدوية..عويل وصراخ وأنّات تخترق ستائره البهيمة..في غوره تتبدد سحائب الكرى من أعين الأهالي والأصحاب والأقرباء ..يُصادَر من جفونها إلى أجل غير معلوم فيهرعون إلى اقتحام نتوءات المسالك الترابية بلا شعور في اتجاه البيت المفجوع…

مسح الشيخ المتهالك بقايا قطرات من دمع حارقة على وجنتيه الملتهبتين بظهر كفه المرتعش على مقربة من الأرملة المصدومة ثم همس في أذنيها بصوت مبحوح بعد أن استفاقت من نوبتها:

-       لا مرد لقضاء الله يا ابنتي !!..هوّني على نفسك وعلى هذا البريء الطاهر في أحشائك..

ألجم الحزن لسانها..شعرت برعدة قوية تسري في أوصالها ثم تلمّست أجزاء من بطنها المنتفخ براحة كفها..انتابها على التو إحساس قديم مستحضرة لمسات أصابعه الخشنة في ذات المكان..تصغي إلى صدى همساته ترن في أذنيها..يعدها بالحلم الجميل هنالك بعيدا وراء تخوم البحر بعد أن يزدان الفراش بالطلعة البهية وتتهيأ له الأسباب والظروف .. يعلو وجهها الصبوح وهج ابتسامة لا إرادية عابرة لا معنى لها سوى أن شيئا ما ينذر بسوء الطالع..تتقاذفها لجج الحيرة بين الأمل واليأس:

- أرجوك يا عزيزي وأتوسل إليك بحق حبنا..لا داعي لهذا السفر !! 

حملتها أجنحة الذكرى بعيدا..إلى بداية اللقاءات الأولى: عند المنبع المائي،إبان مواسم الحصاد والحرث والجني ..قبل إشراقة صبح جديد،حيث الوادي تجلله شملة من ضباب كثيف..يتبادلان عبارات الشوق والوداد وينسجان أحلاما لغد باسم ثم يفترقان على موعد جديد في غفلة عن أعين الرقيب..

استفاقت من غفوة الذكرى..تمنت لو أن الزمان يعود بها القهقرى حتى لا تشقى بحاضرها المقيت..

في فناء الدار،تربض النسوة وأصواتهن تتعالى..ينتحبن غير آبهات بوخزات برد قارس..الثكالى والأرامل منهن يتقاسمن مع بعضهن البعض مرارة ذات المصاب..

المعزّون من الرجال يقبعون في ركن منزو يتبادلون أطراف الكلام حول مثالب الفقيد ويخوضون في شؤون الحياة والموت:

-       كلنا لها..

-       كان رحمه الله من خيرة الشباب..

-       آه من شباب اليوم !!

-       وماذا بإمكانهم أن يفعلوا..في بلدة يخيم "الشيح والريح" في كل شبر من أرجائها ؟ 

البعض منهم يتحلق حول شاب،نحيف البنية،حاد النظرات،صديق زوج الثكلى الحميم،كان يحادثهم بعبارات خافتة مستعيدا ذكريات مغامراته في اقتحام سطوة البحر مع ثلة من أصحابه الذين قضى معظمهم نحبه..ثم يعرج بعد ذلك على سرد الحكايا تلو الحكايا عن حوادث مماثلة في القرى المجاورة وغيرها من البلدات النائية..كان يتابع حكاياته بلا توقف رغبة منه،بلا ريب،في صدّ أنظار الأفئدة المكلومة عن الانشغال بهول الصدمة..

السّمر يتواصل ممتزجا بأشجان ليل دامس، والمأتم تشتد حدّته وتخفت من آن لآخر..وشيئا فشيئا يشرع الظلام في لملمة شتاته..بصيص من أنوار الفجر تلوح من خلف التل الشامخ ..بدأت الحياة تدبّ في كل جنبات البلدة ليستفيق كل ذي حاجة لحاجته..غير أنه هنالك بعيدا،بين أركان البيت المفجوع،لا يزال سواد قاتم يغمر المكان ورائحة الموت تفوح ..يحملها إعصار بحر يرغي ويزبد ولا تهدأ ثائرته ....

 

صالـح اهضـير/المملكة المغربية

 

 

 

   




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home