قصة

 

صغيرة و شتات

مجدي السماك



صغيرة وشتات

بقلم : مجدي السماك

عاد مع طفله من المدرسة تحت سماء داكنة ممطرة صاقعة ، جلبه من المدرسة لشدة البرد وغزارة المطر في ذلك اليوم الشتوي بامتياز من أيام كانون ، توقف أمام أحد المحال التجارية بانتظار السماء حتى تكف عن صب مائها . فجأة زعق الطفل بلهفة : بابا ، اشتري لي مثل هذه اللعبة و صوب سبابته إلى الجهة الأخرى من الشارع ، نظر الأب لتلك الجهة بنظارته الطبية السميكة مثل قاع القنينة و قد ملأها الرذاذ و البخار حتى غبشت ، اللعبة عروس بلاستيكية أو من قماش ، متسخة ممزقة لها شعر منكوش بعشوائية ، مرمية على قارعة الطريق أقرب إلى الرصيف . قال لطفله بثقة الأب العارف : هذه اللعبة ذات موديل قديم و لا يوجد مثلها الآن في السوق ، ثم إنني لا احمل في جيبي نقودا زائدة أو حتى ناقصة ، لكن الطفل الحاذق مثل الجن الأزرق قال : نأخذ معنا هذه اللعبة و نغسلها في البيت حتى تنظف ريثما تجد لي لعبة جديدة كبيرة مثلها ، قال الأب بنبرة جادة حازمة : اسكت يا ولد .. كفاك غلبة . لكن الطفل لم ييأس وأصر بعناد و أخذ يجذب والده من طرف معطفه و الأب يقاوم بعناد أكبر وصبر . لا يعرف الأب ما الذي دفع خطاه ليقطع الشارع و يتجه صوب اللعبة حين أقلعت السماء عن سكب مائها الغزير، أصبح هو واللعبة وجها لوجه و أخذ بتفرسها مندهشا فاغرا فمه كالأبله لا يصدق ما يرى و تملكته رغبة بعدم التصديق مثل أي إنسان يهرب من حقيقة مرة مؤلمة كاسرة للقلب .. اللعبة إنسان . قاطبة الوجه وترتجف بقوة و تهتز، حافية القدمين لا تلبس سوى بلوزة صيفية رقيقة مثل الورق الشفاف مبتلة ملتصقة بجسمها في هذا الطقس القارس و القارص للروح ، فكاها يصطكان مثل ماكينة خياطة أمريكية الصنع ، ساقاها عاريان رقيقان رفيعان كسلكين متقاربين ، ملامحها تشي بأنها لم تجاوز السنة الخامسة من العمر أو السادسة على الأكثر ، أمسك بأصابعها الرقيقة الرفيعة كالسجائر و سألها بفضول: ما اسمك يا صغيرتي المسكينة .. لكنها لم تنطق ببنت شفة و أخذت تسعل سعلات حادة و تبصق بلغما أخضرا تكشطه من قاع صدرها الملتهب . حملها إلى المستوصف الحكومي و عرضها على الطبيب ، جلب لها كبسولات المضاد الحيوي ، هو شريط مستطيل مليء بالكبسولات الحمراء ، ما إن رأته بيده حتى نتشته بقوة و أفرغته في جوفها ظنا منها أنه حلوى بون بون.. مد إصبعه في حلقها و جعلها تتقيأ على الفور كل ما ابتلعته . أخذها إلى بيته و البسها من ملابس أولاده الشتوية ما يناسب حجم جسمها الصغير ..أخذ الدفء يدب في لحمها وشحمها حتى شعشع وجهها النحيل بالحياة و لمع . وضع لها الطعام فأخذت تأكل بكلتا يديها و تزلط الطعام زلطا و تسف حتى ملأت بطنها و أتخمته . توجه بصحبتها إلى بيتها ، كانت تمشي على أقل من مهل كأنها تدوس بيضا تخشى كسره ، كان يحدق في وجهها الصغير المدّور كصحن فنجان القهوة بين الفينة والأخرى . الطفلة ملتزمة بالصمت و هو للصمت أيضا لجأ ، صمت أصمت من صمت القبور، و مع اقترابهم من لوح زينكو قديم أزاحته الطفلة بحركة سريعة مباغتة كالساحرة و انزلقت منه إلى الداخل مسرعة كالهاربة من خطر محدق مباغت . عادت بنظرات وديعة تأذن له بالدخول بإيماءة بريئة من رأسها ، لمّا فات و بقي قرب الباب ضاق صدره بدخان متصاعد بكثافة من كومة حطب تحاول الاحتراق لبث الدفء ، دخان يحجب الرؤية و يعيق التنفس ، و لكنه لمح عبر الدخان كومة لا يعرف ما هي .. تقدم بضع خطوات أخرى .. الكومة مومياء ممددة على أرض ترابية صاقعة ، مزيدا من التقدم بخطى متخاذلة مرتبكة مترددة .. المومياء مغطاة ببطانية متسخة ممزقة رمادية داكنة ، أصبح قرب المومياء بالضبط و اتضحت معالمها بجلاء ما بعده جلاء .. يا الهي ! المومياء رجل عجوز؟! و ضع يده على الصدر جهة القلب فشعر بنبض خفيض واني ، نقل يده قرب فتحتي الأنف ، نفس دافئ بطيء تسرب لكفه وشعر بدفء إنسان حي . سأل الطفلة مندهشا : من هذا !؟ أجابت : هو جدي في قيلولته . استيقظ العجوز على جلبة الصوت .. حدق جدها بالرجل مليا ثم رحب ببضع كلمات متقطعة و أومأ إليه بالجلوس ، أخذ الرجل يجول ببصره عله يرى شيئا يصلح للجلوس ثم سأل برفق : أين والد هذه الطفلة ؟ أجاب العجوز بصوت متهدج : مات . بلا وعي سأله : هل تم دفنه ؟ ثم استدرك نفسه و سأل: كيف مات ؟ فقال العجوز: انفجرت به قنبلة من مخلفات إسرائيل . تمتم الرجل : خرجت إسرائيل و تركت لنا الموت بأشكال وأساليب شتى . ثم سأل : أين أمها ؟ فقال العجوز : منعتها إسرائيل من العودة إلى غزة . سأله بنزق : أين بقية أهلها من أعمام و أخوال و أجداد أو أي أحد من أقاربها ؟ فقال العجوز : إنهم في مخيمات لبنان و الأردن ،لا تسمح إسرائيل بقدوم أي شخص منهم إلى غزة . فقال الرجل : إذن أنت و حفيدتك مقطوعان من شجرة . قال : نعم . قطعتنا إسرائيل من الدنيا كلها. رجع الرجل إلى بيته .. في اليوم التالي عادت البنت إلى بيته تطلب اللعب و اللهو مع طفله الصغير، الذي حسبها بالأمس لعبة . قال الرجل في نفسه : ليست المشكلة أن يموت إنسان ، إنما المشكلة أن لا يعش إنساناً . Magdi_samak@yahoo.com




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home