قصة

 

نهاية الذئب الميكافيلي

عباس يونس



                      نهاية الذئب الميكافيلي . .

 

                                                                                    إلى الدكتور ريكان إبراهيم

 

تمدد الذئب العجوز لاهثا وأخذ يدعك ظهره الأجرب بسن صخري مقوس ينتصب بين الرمال كخنجر نابت في جسد الصحراء ،وهو ذات السن الصخري الذي شهد هزيمته قبل عدة سنين مضت..(لعله الموت..) فكر الذئب بألم ، وشعر ببرد قارس يستولي على رجليه، حاول أن يتقيه فدفن أطرافه بالرمل الملتهب لكن البرد كان ينبع من عظامه، هزته ارتجافة عنيفة لم يقو بعدها على الوقوف، أحس جفنيه ثقيلين  فظل يكابد لئلا ينطبقا،لم يخف مما هو فيه لكنه حزن لضعفه وعجزه المهين ،في الليلة الماضية لم يقدر أن يعيد أغنيته القديمة التي تعود أن يخيف الآخرين بها أو يسعد غيرهم كما شاءت سخرية الأقدار !! ،فقد تـملكه خوار شديد وخرج صوته ضعيفا مبحوحا فاقدا لكل المعاني فلم يسمعه أقرب مخلوق منه، سقط مغشيا عليه وظل نائما طيلة النهار ..لم تستطع حتى شمس الصحراء إيقاظه كأنما حلت عليه رقدة أبدية ، لكن آلام ظهره المتقرح جعلته ينهض ، وقضى كل الليل زاحفا على بطنه ، وحالما تدب في جسمه نبضة قوة تتولد في غفلة من يأسه المطبق.. يقف مترنحا في بحث عابث عن الحي وكلابه ولكن.. دون جدوى ، فقد رحلوا وابتلعتهم كثبان الرمل و محت ريح السموم أثرهم ، وظل وحده الآن.. ملقى فوق صخرة خشنة هي الوحيدة التي بقيت معه مجبرة ولو استطاعت لهربت من منظر القروح المتقيحة التي ملأت ظهره وبدت كأنها بركة متأسنة لا تطاق .

 مرت من جنبه سحلية مسرعة ،وحين أبصرته ممددا مرتخي الفكين ، هزت ذيلها متشفية به وقالت:

-         هيه يا أبا سرحان  ! هل دار الزمن دورته ؟

     مت .. وأرجو أن تشعر بي وأنا أنـهش قلبك الأسود !.

أشاح بصره عنها باحتقار ولم يعرها أدنى اهتمام ..غير أنه انزعج من فكرة أن تأكل قلبه سحلية ،ولو كان أسدا أو نسرا لهان الأمر عليه ،لكن أن يكون في جوف سحلية فبئس النهاية إذن !.

( يا لهواني..ويا لسوء الخاتمة !!) .. فكر الذئب المقهور واستغرق في غفوة قصيرة .

في تلك الساعة تماما أحست الكلاب التي عرفته منذ زمن طويل أن الموت  قد داهمه  وأنـها ستفقده حتما.. فراحت تعوي.. بالتوالي حينا أو معا حينا آخر كأنـها تعزف لحنا أوبرا ليا له طعم الفجيعة،كان الوجوم مخيما على المسافة المتسعة باستمرار بينها وبين ذلك الذئب الذليل ، فمنذ ليلة أمس عندما اضطرب الحي وراح صوت الإنسان يجهر بالرحيل ، تدافعت الجمال والأغنام في مسيرة لا تعرف مقاصدها ، واندفع الركب بعيدا في عمق الصحراء  لكن الكلاب ما كفت عن التلفت.. لعل الذئب سمع الضجيج ،ومرت الساعات تلو الساعات و ماتت الآمال بظهوره ،قلقت الكلاب  لذلك فقد تغيب عما اعتادوا عليه لسنوات طويلة مضت ، ولم يؤد دوره في المسرحية اليومية المكررة التي مثل فيها الجميع ، أنه نذير شؤم ، لكنها الآن تشعر به وهو في نزعه الأخير .. والكلاب لا  تخطئ رائحة الموت أبدا .. ولو بعدت المسافات.

أفاق الذئب من غفوته وحاول أن يعوي فما استطاع لذاك سبيلا و لم يقدر على تحريك لسانه ،استسلم لضعفه وازدحمت في رأسه الذكريات التي كان الحتـف راعيا يسوقها إلى حيث التذكر ، أحداث بعيدة وأخرى قريبة حضرت دون انتظام ..بعضها يسابق بعضها كأنما خشيت هول العدم  الذي يطاردها دون رحمة، فأخذت تتقافـز تبغي الخروج من رأسه المتعب قبل أن تـهلك معه، بيد أن الموت طوقها كطوفان هائج مخيف ،وراح يغرقـها  ويذيـبها كحلم هاجمته اليقظة بغتة ، ولم يبق في الرأس الخاوي المتكئ على كومة رمل ملأها لعاب الانهيار إلا صور تلك الليلة الحالكة الغريبة التي زرعت في روحه كوابيس بدلت كل حياته وشـغلته حتى في لحظاته الأخيرة ، في تلك الليلة تنازل عن ذاته وسلمها رهينة ذليلة ورضي أن يكون ممثلا على مسرح مضجر بلا جمهور بعد أن كان ذئبا اجردا مهابا يملأ الفلاة سطوة، لقاء ماذا ؟.. لم يكن الثمن إلا  أن يبقى حيا بضعة سنين ظنها تحت سيف الخوف المخادع  الأبد بكليته ..لكنه تيقن بعد يوم واحد فقط أنه لم يعد يحيا رغم أنه يعيش  !! .

كانت ليلة هرب منها القمر ..وخفتت فيها النجوم ، عندما وقفت خمسة ذئاب فوق رابية من الرمل المتحرك الذي يرسم في كل حين شكلا جديدا، نظر من كانوا يظنونه أحكمهم إلى الحي القريب الزاخر بالفرائس ..وأطلق عواء الواثق من نصره فتعالت أصوات الذئاب تعاضده  فيما حملت الرياح الحارة  نباح الكلاب المتحدية وثغاء الأغنام  المرعوبة، انطلقت الذئاب تجري نحو غنائمها ولم يمر بذهن أي منها أن الموت ينشر لهم شباكا محكما !! كان كمينا نصبه الإنسان وخدمته سعة حيلته وعشرة كلاب متمرسة شرسة ، نشبت معركة لا تصدق ،سال فيها الدم غزيرا وغزا الألم الجميع ،كانت المخالب كالسيوف القاطعة..تـغرس في اللحم الحار فتمزقه كأنه صفحة رمل شقت بوتد ،قتل بعض الناس والكلاب..لكن الذئاب أبيدت ولم يبق إلا الذئب الحكيم  الأجرب ، لقد كانت الخسارة عظيمة على كل من قاتل ..واقلهم أذى من فقد ثلث دمه ..وعندما تيقن الذئب من هزيمته ترك ساحة المعركة تتبعه خطوط من دمه الذي كان يتساقط منه كالمطر ، لم يهزم ..مع انه خسر المعركة ،ظل يجري بسرعة وانقطع نباح الكلاب فالتجأ إلى سن صخري وراح يتفحص جراحه ..كانت عيناه تذرفان الدمع وهو يفكر بجماعته التي خسرها دفعة واحدة ..وبينا هو كذلك أحاطت به الكلاب من كل جانب ،تحفز للقتال و برزت مخالبه المغطاة باللون الأحمر القاني ،لم تكن لديه أدنى فرصة للنجاة ..لكنها سنة حياة الذئاب وفي اللحظة التي قرر فيها بدء القتال خاطبه كبير الكلاب وكان ذا صوت أجش عميق ..(لنتوقف عن العراك فأنت ميت لا محالة .. ودعنا نتفق !)..دهش الذئب وشعر بارتياح يغلبه الحذر فيما اكمل الكلب كلامه ..(لنتفق ! أنت تبقى تمارس دورك فتطلق عواءك كل ليلة ولا تهاجم .. ولن نقتلك الآن.. على أن نتقاسم معك اللحم الذي نحصل عليه ، ولا قتال بعد اليوم..لنجعلها لعبة نخدع بها الإنسان،لنعيش جميعنا) ..نظر الذئب إلى عصبة الكلاب التي أحاطته و حسب الأمر بين الموت أو الحياة المطمئنة ..واتخذ القرار ..( موافق ..سيما أني آخر الذئاب هنا )..وفي هذه اللحظة بالذات تخلى الذئب عن كونه ذئبا وغدا بحجمٍ اصغر من أي كلب !.

ظل الرحل يسير بعيدا.. ونسيت الكلاب أمر الذئب الأجرب حالما سمعت عواء ذئاب المكان الجديد الذي وصلوا إليه..أما هو ..فقد ظل يصارع الموت دون طائل وتمنى لو أنه مات قتيلا عزيزا في تلك الليلة المشؤومة ..ولم تمض سوى ساعات حتى كانت السحلية تقطع قلبه الذي خاف ذات مرة ..!  

 

 

                                                                            عـباس  يونس  ا لعـنـزي          

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home