القلم العلمي

 

للخروج من أزمة البطالة

أحمد دعدوش



 

للخروج من أزمة البطالة: لا بد من أولا من إتقان لغة العصر!

 أحمد دعدوش

لا بد لنا في البداية من التمييز بين النظم الإقتصادية المتبعة في مختلف الدول العربية، الأمر الذي يزيد من تعقيد مهمة الباحث دون التطرق لكل منها على حده. ففي الوقت الذي اختارت فيه الكثير من هذه الدول النهج الإشتراكي إبان جلاء الإستعمار الأجنبي عنها، آثرت دول أخرى تطبيق نظام السوق (الليبرالي) بناء على عدد من المعطيات التي تتناسب مع شروطها الإقتصادية والتنموية، كما اختارت دول أخرى في وقت لاحق الإنتقال من النظام الأول إلى الثاني كما حدث في مصر مع بداية السبعينات.

إن الحديث عن النهضة العربية وملامح تعثرها يتطلب منا العودة إلى النشأة التاريخية لقيامها، فبعد نجاح حركات التحرر الوطنية في إجلاء المستعمر، شاع تطبيق مبدأ الإكتفاء الذاتي لتحقيق الأمن الغذائي، وتوجهت الجهود الوطنية لتأمين الغذاء الكافي دون الحاجة للاستيراد. كما تنوعت أساليب تطبيق هذا المبدأ بين عملية الإصلاح الزراعي وفق الطريقة الاشتراكية، أو استصلاح الأراضي البور وتمليكها، أو التخصص في انتاج السلع الزراعية الاستراتيجية كالقمح والقطن.

وكان ذلك قد تزامن مع سياسة إحلال الواردات التي كانت شائعة في معظم الدول النامية آنذاك، والتي تقوم على مبدأ محاولة تصنيع كافة السلع التي تقوم تلك الدول باستيرادها، وذلك للاستغناء عن الاستيراد من الدول الصناعية المتقدمة. وكان شيوع هذه النظرية متزامناً مع صعود الحركات الوطنية التي كان لها الفضل في تحرير تلك البلاد، والتي وجهت الأنظار إلى هدف أوحد وهو التخلص من التبعية للأجنبي بكل أشكالها.

إلا أن هذه السياسة سرعان ما أثبتت فشل الاعتماد عليها في حل المشكلات التنموية للدول العربية ، فقد بدأت هذه الدول باكتشاف عجزها عن اللحاق بالدول المتقدمة عبر محاولة التقليد في صناعة كل ما تحتاج إليه. إذ أدى ذلك إلى التضحية بالكثير من متطلبات الجودة تحقيقا لغرض الإشباع، فأصبحت معظم منتجاتها على قدر كبير من الرداءة التي تجعلها عاجزة عن تلبية الحاجات الأساسية.

وكانت هذه السياسة قد بدأت بالتجلي خلال عقد الثمانينات، ويمكن استخلاص هذه النتيجة بنظرة سريعة إلى العجز الذي أصاب الميزان التجاري لمعظم الدول العربية غير النفطية، إذ بلغ هذا العجز في دولة مثل سورية على سبيل المثال حوالي 12723 مليون ليرة سورية في عام 1987.

 لم تكن سياسة إحلال الواردات في الحقيقة هي موطن الخلل، بل إن تطبيقها على الشكل الذي حدث كان هو المسؤول، إذ أن دولاً أخرى مثل ماليزيا كانت قد حققت نجاحات كبرى في الفترة نفسها التي بدأت فيها جميع الدول النامية – ومنها العربية- بتطبيق هذه السياسة.

لقد تمكنت ماليزيا من تخفيف العبء عن ميزانها التجاري مع الخارج عبر توجيه الاستثمار في عقد الستينات نحو الصناعات صغيرة الحجم، وتلك المتخصصة في صناعة الأغذية والكيماويات ومواد البناء والبلاستيك وغيرها من المستوردات، كما أصدرت قانوناً لجذب الاستثمارات الأجنبية في تلك المجالات في عام 1968، على عكس الكثير من الدول العربية التي كانت رافضة لفكرة التدخل الأجنبي.

إن نجاح التجربة الماليزية يعود في الأصل إلى عدم الوقوف عند هذه المرحلة، فقد انتقل الاقتصاد الماليزي من سياسة إحلال الواردات مع بداية السبعينات إلى سياسة التصنيع من أجل التصدير، إذ بدأت الحكومة بتشجيع هذه الصناعات عبر جذب الأموال الأجنبية الباحثة عن العمالة الرخيصة والضرائب المنخفضة والتسهيلات في التصدير، وكانت معظم هذه الاستثمارات موجهة نحو صناعة الالكترونيات والأجهزة الكهربائية. وخطت بذلك خطوات واسعة نحو التصدير للدول المتقدمة، وتوفير القطع الأجنبي.

أما في الثمانينات فقد بدأت ماليزيا بالتوجه نحو الصناعات الثقيلة وتأسيس مصانع السيارات والأجهزة الكهربائية المعقدة، فضلا عن الصناعات المعتمدة على الموارد المحلية مثل المطاط والأخشاب. وفي هذه المرحلة كانت صناعات النسيج والالكترونيات تساهم بنحو ثلثي القيمة المضافة للقطاع الصناعي.

وهكذا فقد وجد الاقتصاد الماليزي نفسه قادراً على دخول عقد التسعينات بجدارة، حيث تمكن من التحول بسهولة نحو صناعة التكنولوجيا المتقدمة، واحتلال مركز متقدم على الساحة العالمية في هذا المجال.

وبالطبع فإن هذه التجربة الفريدة كانت تقوم على أسس تنموية أخرى مهمة، ومنها سياسات الحكومة الاجتماعية في تعليم النشء علوم الكمبيوتر واللغات الأجنبية منذ الصغر، بالإضافة إلى تشغيل النساء في الوظائف المناسبة، وتدريب ربات المنازل على مهن يدوية مربحة، وكذلك تأهيل أسر المزارعين للانتقال إلى مزارع ذات انتاجية عالية بدلاً من الانتاج العائلي المتواضع. بل إن رئيس الوزراء الماليزي محاضر محمد كان قد أوصى بمنح كل شاب أو فتاة من العاملين في الدولة في فترة الخطوبة إجازة لمدة شهر كامل يتم خلالها الالتحاق بمجوعات عمل ودورات مجانية للتأهيل الاجتماعي والنفسي قبل الزواج، مما جعل نسبة الطلاق في ماليزيا تنخفض إلى أقل مستوياتها على مستوى العالم.

 قد يطول هذا الحديث الماتع عن التجربة الماليزية، إلا أن الدروس التي نود التركيز عليها في هذا المقام هي ما يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

1- ضرورة التطلع إلى سياسات اقتصادية أكثر مرونة، إذ باتت العلاقات الدولية اليوم أكثر تعقيداً وميلاً نحو التشعب، كما أن اعتماد سياسة إحلال الواردات في هذه المرحلة لم تعد مجدية، خصوصاً بعد انضمام معظم الدول العربية إلى منظمة التجارة العالمية التي ترفع الحواجز عن الاستيراد بشكل يصعب التحكم فيه.

2- إن نجاح الكثير من التجارب التنموية في الدول التي قطعت شوطاً كبيراً في هذا المجال، يعود إلى تأسيس قاعدة تنموية قوية، ولا يقصد بها هنا الاكتفاء بإقامة البنية التحتية للصناعات الثقيلة كما كان شائعاً في الأدبيات الاقتصادية، بل أيضا التركيز على البنية الاجتماعية المؤهلة لقيادة المشروع التنموي.

3- لم يعد الاقتصاد اليوم قائماً على الجمع بين رأس المال والعمل والأرض لإنتاج القيمة المضافة، بل أصبحت معادلة الاقتصاد المعاصر تعتمد في الأساس على كل من الإدارة الفعالة واحتكار المعلومات، وأصبحت كل من العمالة المدربة معرفياً وإدارياً، والمعلومات سريعة الانتقال، هي رأس المال الأعلى ثمناً أينما وجد.

4- لقد تطور مفهوم القوة الاقتصادية للدولة في العصر الحديث من التوسع المكاني واستغلال الموارد الطبيعية إلى ما يسمى باقتصاد الدولة الواقعية، والتي تقوم بعملية المزج الصحيحة لكل من رأس المال والمعلومات والعمل، وذلك عبر إعطاء الأولوية لقطاع الصناعة المعرفية على حساب الإنتاجين الزراعي والصناعي الثقيل. ويمكن النظر إلى كل من سنغافورة وسويسرا كمثال جيد للدولة صغيرة المساحة وقليلة السكان، نسبة إلى ارتفاع الدخل وضخامة حجم الصادرات من صناعات دقيقة وخدمات ومنتجات معرفية (برامج كمبيوتر).

5- بناء على ما سبق، فإن قوة اقتصاد الدولة أصبحت تقاس بمدى تأهيل ومعرفة سكانها، وقدرتها على تجاوز الأزمات الاقتصادية التي قد تمر بها من جراء انفتاحها التجاري على العالم المتقدم، وتعد ماليزيا هنا مثالاً جيداً في تخطيها لأزمة شرق آسيا في نهاية التسعينات، وذلك في اعتمادها على الذات، ورفضها للسياسات الإصلاحية للبنك الدولي والتي أثقلت كاهل دول كثيرة أخرى كالأرجنتين والفلبين.

 

وأخيراً، فإن التوصيات التي يمكن طرحها في هذه العجالة تتلخص في توجهين اثنين:

الأول: فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية:

ينبغي الأخذ بعين الاعتبار التطورات العالمية التي أدت إلى انتقال موازين القوى من الصناعات الثقيلة إلى البرمجيات والمعلومات اللامحسوسة، والتي تنتقل بين القارات دون أي عوائق جمركية أو اعتبارات سياسية. إذ أن جودة المعلومة ورخص تكلفتها هما الأساس في هذه المعادلة.

وقد أدركت الهند أهمية هذه التطورات في وقت مبكر، مما جعلها تنافس الولايات المتحدة على المرتبة الأولى في تصدير البرمجيات (السوفت وير)، وهي الصناعة التي وفرت لها دخلا وصل إلى 6.2 مليار دولار عام 2001.

ويمكن هنا أيضا الاستشهاد بتجربة دولة عربية صغيرة (الأردن) والمسماة بمبادرة (ريتش) المنطلقة في عام 1999، والتي حققت نموا في قطاع التكنولوجيا والاتصالات وصل إلى 167 مليون دولار بعد حوالي ثلاث سنوات فقط.

ويتخلص دور الدولة هنا في تشجيع الاستثمار المحلي وكذلك جذب الاستثمارات الأجنبية للعمل في هذا القطاع، وإقامة المدن التكنولوجية، وتقديم التسهيلات المطلوبة من إصلاحات تشريعية وضريبية. والأهم من ذلك كله توفير التعليم المجاني أو الميسر للشباب بما يتناسب مع متطلبات هذه الصناعة، إذ نلاحظ أن نظم التعليم لا تساعد على اكتشاف مواهب الأطفال منذ الصغر، فضلاً عن أنها تمنع الكثير من الطلاب عن التخصص في المجالات التي يرغبونها، بسبب ضيق فرص التعليم الجامعي الحكومي للتخصصات التكنولوجية، مما يدفع الكثير منهم للتخصص في مجالات غير مرغوبة، وبالتالي يتحولون في غضون سنوات إلى خريجي جامعات عاطلين عن العمل.

الثاني: فيما يتعلق بالشباب الراغبين في إنشاء مشروعاتهم الخاصة:

أدعو هنا جميع الزملاء من الشباب والفتيات المهتمين بمعالجة مشكلة البطالة وانخفاض الدخل القومي، إلى التفكير بلغة العصر التي تستلزم الإسراع باتخاذ المبادرة لمعالجة الركود، واستغلال الموارد المتاحة بأقل قدر ممكن من التكاليف.

وأرى أن صناعة المعلومات هي الحل الأمثل لمعالجة هذه المشكلات دفعة واحدة، وتحقيق العوائد المطلوبة على الصعيدين الفردي والقومي، للأسباب التالية:

1ـ لا تحتاج هذه الصناعة إلى بنية تحتية تقيمها الدولة كإنشاء المطارات والموانئ وشق الطرق، بل كل ما نحتاج إليه هو مكاتب عصرية توفر أجهزة كومبيوتر متطورة وخطوط اتصال سريعة بالانترنت.

2ـ رأس المال المطلوب لهذه الصناعة يتركز في التدريب والتأهيل العاليين وإتقان اللغة الإنجليزية، وهي أمور يمكن تحصيلها عبر منح الشباب والفتيات فرص التدريب والتعليم المجاني أو الميسر، فضلاً عن استغلال الكثير من الطاقات المهدرة، والاستفادة من الخبراء العرب المغتربين في الخارج. ولا ننسى هنا أن المجتمع العربي هو من أكثر المجتمعات شباباً، إذ تصل نسبة الشباب إلى حوالي 60 %.

3ـ هناك الكثير من الشركات التي دخلت هذا المجال بإمكانيات متواضعة، فقد أخبرني أحد الخبراء المصريين عما رآه في إحدى زياراته للهند، إذ تكتفي الكثير من الشركات هناك بمكاتب صغيرة وعلى مستوى متواضع من التهوية والتكييف، إلا أنها تغص بعدد كبير من المبرمجين القادرين على تلبية متطلبات السوق العالمية من التكنولوجيا الراقية عبر اتصالهم بشبكة الانترنت. وهذا أمر يمكن توفيره في كافة الدول العربية.

4ـ لا يتطلب الأمر انتظاراً للإصلاحات المأمولة من الحكومات، إذ نجحت الكثير من الشركات البرمجية في عدد من الدول العربية في توقيع العديد من عقود التعاون الخارجية أو تصدير برمجياتها بعد تحقيقها للشروط والمتطلبات الدولية.

5ـ قد تكون هذه الصناعة هي وحدها المؤهلة للتوسع السريع في المستقبل، إذ من الصعب التكهن بتوسع المشاريع الصناعية الصغيرة مقارنة بما حققته الكثير من الشركات التي بدأت صغيرة، وبجهود عدد قليل من الشبان الطموحين- خذ شركة مايكروسوفت على سبيل المثال-.

6ـ المستقبل القريب يعد بالكثير من التطور لهذا القطاع، وقد تجني الشركات الصغيرة ثمار أسبقية دخولها هذا المجال في غضون سنوات قليلة.

 إنها نصيحة أهمس بها في أذن كل شاب وفتاة طموحين: علينا أن نعي متطلبات العصر، وأن نثبت وجودنا في هذا العالم الذي لا هوادة فيه. فالحماس وإرادة النجاح قد لا يكفيان ما لم ندعمهما بالتوجه السليم والمعرفة الصحيحة، وحسبنا أن نعلم أن الواقف في مكانه وسط التيار، هو كالمتراجع إلى الوراء، خصوصا وأن سرعة التيار قد بلغت حداً لم يشهده تاريخ الإنسانية من قبل.

 




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home