كتاب العدد

 

قاموس ملوك فرنسا

ديدييه فوير وجان دندكور



قاموس ملوك فرنسا وزوجاتهم
  تأليف :ديدييه فوير وجان دندكور 
 
   قام بتأليف هذا الكتاب الموسوعي كل من الباحثين الفرنسيين ديدييه فوير وجان دندكور، وهما مختصان بتاريخ فرنسا وشخصياتها وأمجادها على مدار التاريخ. ويقدم الباحثان هنا صورة تاريخية دقيقة عن جميع ملوك فرنسا منذ البداية وحتى النهاية، أي حتى اندلاع الثورة الفرنسية وسقوط النظام الملكي وبداية النظام الجمهوري الذي لا يزال مستمرا حتى الآن. ويتوقف المؤلفان مطولا عندما يدعونه بالملوك الكبار، أي فرانسوا الأول، وهنري الرابع، ولويس الرابع عشر الملقب باسم الملك الشمس، وهو الذي بنى قصر فرساي الشهير الذي يعد من أروع معالم فرنسا السياحية الآن.
 
وفيما يخص الملك هنري الرابع الذي عاش في القرن السادس عشر ومات مقتولا في بداية السابع عشر، يقول المؤلفان ما معناه: لقد تحول هنري الرابع إلى أسطورة بعد اغتياله من قبل متعصب كاثوليكي عام 1610. وكان قد ولد عام 1553، أي أنه لم يعش أكثر من سبعة وخمسين عاما. ومع ذلك فقد ترك اسمه على صفحات التاريخ الفرنسي بصفته واحدا من أعظم الملوك وأكثرهم نفعا لشعبه. لماذا؟ لأنه هو الذي صالح بين شقّي فرنسا المتصارعين، أي الشق الكاثوليكي والشق البروتستانتي. ومعلوم أن فرنسا كانت منقسمة آنذاك انقساما خطيرا إلى مذهبين أساسيين يتصارعان على الحقيقة المسيحية. فكل واحد منهما يدعي أنه يمثل المسيحية الصحيحة أو الحقيقية.
 
وقد دارت بينهما المعارك والحروب، وسالت الدماء أنهارا حتى جاء هذا الملك الطيب وأوقف نزيف الدم بطريقة تشبه المعجزة. فالأحقاد كانت كبيرة جدا بين الطرفين وما كان أحد يتوقع أن يستطيع أي شخص مهما علا شأنه أن يطفئ نار العصبيات الطائفية البغيضة.
 
ولكنه استطاع ذلك بذكائه وحكمته وعمق تفكيره. ومعلوم أنه هو كان من أتباع المذهب البروتستانتي، أي مذهب الأقلية المضطهدة في البلاد. ولم يصبح ملكا إلا بعد أن تخلى عن مذهبه الأصلي واعتنق مذهب الأغلبية الكاثوليكية. وكان ذلك قبيل دخوله باريس حيث لفظ عبارته الشهيرة: باريس تستأهل قداسا كاثوليكيا! فذهبت مثلا. وكان يقصد بذلك أن من يريد أن يحكم باريس ويصبح سيدها ينبغي أن يعتنق مذهبها وأن حكمها يستأهل أن يغير الإنسان مذهبه لأجلها.
 
فهي مدينة المدائن وعاصمة العواصم. ثم يشرح المؤلفان مدى عظمة هذا الملك وأهميته بالنسبة لتاريخ فرنسا قائلين: لم يكن من السهل عليه أن يقيم المصالحة بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين. فكلا الطرفين كان مصرا على موقفه، والأغلبية الكاثوليكية كانت تعتبر البروتستانتيين هراطقة ينبغي استئصالهم كليا وتطهير أراضي المملكة الفرنسية منهم. وفي الجهة الأخرى كانت هناك فئة متشددة تعتبر هنري الرابع خائنا لأنه تخلى عن مذهبه واعتنق المذهب المعادي، أي المذهب الكاثوليكي.
 
وهي ذات الوقت كان المتعصبون من أبناء المذهب الكاثوليكي غير واثقين من إيمان الملك هنري الرابع أو من تحوله إلى مذهبهم. كانوا يعتبرون ذلك بمثابة الغش والخداع لكي يحكم فرنسا. وكانوا يقولون: إنه لم يغير مذهبه إلا ظاهريا وإنه في أعماقه بقي على عقيدة المذهب البروتستانتي الخاطئة بل والكافرة.هكذا نلاحظ أن الرجل كان مشبوها من قبل المتعصبين في كلتا الجهتين. والواقع أن التعصب حليف التعصب المضاد من الناحية الموضوعية.
 
وربما لهذا السبب فإن الأصوليين الكاثوليكيين قرروا اغتيال هنري الرابع الذي سطا على عرش فرنسا بشكل غير شرعي بحسب زعمهم. فهو هرطيق زنديق على الرغم من كل إعلاناته الظاهرية بأنه اعتنق مذهب الأغلبية. وعلى الرغم من أنه كان يصلي في المناسبات العامة في الكنيسة الكاثوليكية إلا أنهم لم يصدقوه.
 
ولهذا السبب أطلقوا فتوى تبيح اغتياله. ولكن بما أنه كان محروسا جيدا فإن محاولات الاغتيال كلها باءت بالفشل. وأخيرا نجحت إحداها على يد متعصب شهير يدعى: رافاياك. وقد أصبح اسمه مشهورا في تاريخ فرنسا حتى الآن. ولا يزال الشعب الفرنسي يلغيه ويرى فيه رمز الشر والتعصب كلما ذكر اسمه. وكان رجلا شابا قوي البنية جدا. وقد سلحوه بخنجر مسموم شديد الفتك. واستطاع أن يعترض عربة الخيول التي يركبها الملك مع بعض مساعديه. فقد اضطرت العربة إلى التوقف في شارع «ريفولي» وسط العاصمة الفرنسية بسبب الزحمة.
 
وعندئذ اقترب رافاياك ووجه الطعنة إلى الملك من الخلف، ثم أتبعها بعدة طعنات أخرى قاتلة. وهكذا سقط واحد من خيرة رجالات فرنسا تحت ضربات التعصب الطائفي الذي حاول معالجته أو وضع حدا له لكي يعيش الشعب الفرنسي بأمان وسلام بكل طوائفه ومذاهبه ولم تتخلص فرنسا من التعصب الطائفي إلا بعد قرنين من ذلك الزمان، وبعد انتصار التنوير الفكري والثورة السياسية الفرنسية.
 
ثم ينتقل المؤلفان بعد ذلك للتحدث عن ملك آخر لا يقل شهرة وأهمية إن لم يزد هو: لويس الرابع عشر. وهو الملقب بلويس الكبير صاحب مشروع قصر فرساي العظيم، كما أنه ملقب بالملك الشمس نظرا لسطوته وهيبته وإشعاعه في تاريخ فرنسا. وقد حكم ستين سنة تقريبا. وهو أطول العهود في تاريخ البلاد. ولكنه فعل عكس سلفه الكبير هنري الرابع. فبدلا من أن يصالح شقي فرنسا مع بعضها البعض راح يستأصل الشق الآخر، أي الأقلية البروتستانتية، لكيلا يبقى في البلاد إلا مذهب واحد هو: مذهب الأغلبية الكاثوليكية.
 
وعندئذ طرح الشعار الشهير: إيمان واحد، ملك واحد، قانون واحد. وبدءا من تلك اللحظة اتبع سياسة العصا الغليظة تجاه «الهراطقة» البروتستانتيين. وخيّرهم بين التخلي عن مذهبهم بشكل فردي وجماعي واعتناق المذهب الصحيح في رأيه، أي المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني، أو الرحيل عن البلاد.
 
وكانت النتيجة أن استسلم قسم من البروتستانتيين له وأعلنوا تخليهم عن مذهبهم. ولكن القسم الأكبر رفض ذلك. وعندئذ أرسل الملك جنوده ومخابراته لإجبارهم بالقوة على اعتناق مذهب الأغلبية. واستباح مدنهم وقراهم وقتل منهم أعدادا كبيرة. ومن لم يقتله فرّ من البلاد إلى الدول الأوروبية المجاورة وبخاصة ذات المذهب البروتستانتي كانجلترا، وهولندا، وألمانيا.
 
وهكذا هرب من فرنسا ما لا يقل عن ثلاثمئة ألف عائلة بروتستانتية بسبب هذا الاضطهاد الطائفي الذي لم يشهد له التاريخ مثيلا من قبل.ولا تزال فرنسا تأسف على هذه الصفحة السوداء من تاريخها. ومع ذلك فإن لويس الرابع عشر يعتبر من أعظم ملوكها لأن فرنسا أصبحت في عهده أقوى دولة أوروبية. وقد كان ملكا جبارا صاحب معارك وحروب لا تنتهي.
 
وكان الناس يقدسونه أو يعبدونه وكأنه ظل الله في الأرض. وكان يقول: الدولة هي أنا. أنا فرنسا كلها أو فرنسا متجسدة في شخصي. وعندما اقترب أجله لم يصدق الناس أنه سيموت من كثرة ما حكمهم ومن كثرة قوته وجبروته. وعندئذ قال لمن حوله: هل ظننتم أني مخلد؟ أنا أيضاً إنسان وسوف أموت كبقية البشر. وحده الله باق. ثم لفظ أنفاسه الأخيرة عام 1715. وبعدئذ فتحت صفحة جديدة في تاريخ فرنسا سوف تقود إلى الثورة مباشرة.
 
 منقول




  أرشيف كتاب العدد

اطبع الموضوع  

Home