القلم السياسي

 

اليمن : مظاهرات واعتصامات وعروض أزياء

زياد ابوشاويش



اليمن : مظاهرات واعتصامات وعروض أزياء !

بقلم : زياد أبوشاويش

شهدت الأيام القليلة الماضية جملة من التطورات الملفتة في طول اليمن وعرضه ربما كان حجم التناقض بين بعض مكوناتها هو ذاته ما يمثل الحياة اليمنية بكل ما فيها من ضجيج الحياة بؤساً وسعادة ، فقراً وغني ، جمالاً وقبحاً ، يسراً وعسراً .

هذا هو اليمن  وعلى الجميع أن يتقبل هذا الوطن بما فيه ولو كان التغيير ضرورة وهو الآن كذلك فلماذا لا يكون ذلك عبر هذا الموزاييك الجميل الذي يرينا في صفحته الأولى حجماً كبيراً من الاحتجاجات عبرت عنها مظاهرات شملت معظم الأراضي اليمنية واعتصامات كان أكبرها في تعز المدينة الهامة والمكتظة بالسكان الفقراء . وفي صفحته الثانية أو بالأحرى على الوجه الآخر من ذات الصفحة العرض الجميل لأزياء عرائس اليمن من كل المحافظات تلبسها وتتبختر بها صبايا جميلات وفي ريعان الصبا ، يحملن في وجوههن كل ملامح اليمن بسمرته المحببة وبجمال جباله وأوديته وسهوله وبصفاء زرقة مياه بحره وخليجه ، بتاريخه وجغرافيته وقبائله وعشائره..... وبملامح تجعل الزائر لليمن والمراقب لما يجري بها يقر بأنه ربما يأتي الجديد من هذا أل "يمن " الذي يزخر هذه الأيام بكل ما قلناه حول التطورات الملفته . أليس في هذا رسالة يمنية تقول بأن هذا لا يلغي ذاك ؟.... وأن الحياة في اليمن يجب أن تستمر حتى لو كان مرها أكثر مما يجب فالنقيض لا يعرف إلا بالنقيض .

لقد شاهدت العرض الجميل الذي قدمته العرائس اليمنيات من كل المحافظات وفي ذات الوقت كنت أشاهد اعتصام تعز الحاشد بشعاراته المطلبية العادلة ، وبغضب البعض فيه وتكشيرهم عن أنياب التمرد والثورة ، وفي المقلب الآخر من العرض وجوه باسمة وملامح جمال يمني أخاذ وملابس ترفل بها شابات تبدو على ملامحهن مظاهر العز والعيش الرغيد .

إذن هو النقيض يناطح النقيض في اليمن السعيد ، ومنه يأتي الجديد والغريب والعجيب .

وفي الصورة أيضاً سلوك الحكومة والنظام فهو أيضاً يأخذ وجهي الصورة في تعامله مع المعارضة ومطالبها ، فتراه تارة يقدم تنازلات يسميها البعض رشاوى لوجوه معارضة لإسكاتها ، أو بعض التقديمات للفقراء وأصحاب الحاجة قاصداً تهدئة الأمور وإعادة الأمن لنصابه بطريقة سلمية وجميلة تشبه أزياء فاتنات اليمن ممن رأينا في عرض العرائس ، وفي الوجه الآخر يكشر النظام عن غضبه ويقوم باستخدام العنف والقمع في تطويع المعارضة الخارجة عن حدود الانضباط كما يراه النظام وأجهزته الأمنية . فتجد الضرب والهراوات وأحياناً إطلاق نار واعتقالات في وجه نقيض لجمال الصورة في صفحتها الأولى ، وملامح الصبايا التي تعكس وجه اليمن الجميل والحضاري .

ولإكمال الصورة فان هناك تحركات توحي بحملة جديدة ضد التمرد الحوثي تحضر لها الدولة بعد فشل كل الوساطات وخاصة القطرية واتضاح وجود ذيول للقصة لابد أن تطوى صفحتها في أقرب الآجال بحكم أن اليمن يحتاج اليوم إلى سلام يؤهله لمعالجة جملة من المشاكل التي يعانيها البلد مثل قضية الجنوب والفقر الذي بلغت نسبته 40% ، والبطالة التي بلغت نسبتها 50% ، وهذه النسب تمثل ألغاماً خطرة لأي نظام مهما بلغ استقراره وقدرته على التكيف مع تململ الشعب وخصوصاً عماله وفلاحيه وعاطليه ، وبذلك يضع النظام المزيد من الخصوم في حسابات الصراع الدائر بشكله الطبيعي في هذه المرحلة والذي قد يتحول في أي وقت إلى شكل عنفي غير محمود العواقب إن لم يبادر النظام بتسوية الأمور للحفاظ على السلم الاجتماعي .

إذن فيمننا في حاجة إلى مزيد من الوقت للعلاج ، ولا بأس بمظاهر العز والرفاهية التي نأمل أن لا تكون خادعة وللدعاية.... ونرجوها تطال كل فئات الشعب اليمني للخروج من عسف العوز الذي يعض الكثير من العائلات اليمنية بنابه الجارح .

إن قضية أهم من كل ذلك أيضاً تنتصب أمام الدولة والسلطة ، تتعلق بتعزيز الوحدة اليمنية وحمايتها ، وهذا الأمر لايمكن أن يتم بتجاهل أسباب ما يعانيه اليمن ، ولا تغطيه عشرات عروض الأزياء بكل جمالها ورغبتنا في أن تعبر عن حقيقة اليمن السعيد وأحلام شعبه في غد أفضل لكل مكوناته الاجتماعية ، وان لا يقتصر تعميم الخير على فئات محددة تجيد النفاق للنظام ولا تشعر بالآخرين من أبناء جلدتهم .

كما ينتصب أمام الحكومة والرئيس على عبد الله صالح جملة قضايا من نوع احتجاجات المتقاعدين ، ومشكلة انقطاع الكهرباء الضرورية لأي عرض للأزياء!!! كما لأي طالب لمراجعة دروسه ، وكما قضايا الفساد التي تنخر عظام الدولة والشعب أيضاً ، وكما الاستعداد لجولة جديدة مع الحوثيين كما أسلفنا .

ومسألة أخرى لازالت تقض مضجع كل اليمنيين المهتمين بمستقبل بلدهم تتعلق باستمرار تأخير قانون حمل السلاح واستمرار حالات الثأر بين القبائل والعائلات دون أن تتمكن الحكومة من وضع حد لها وما تعكسه من صورة بشعة حان الوقت لتغييرها بطريقة قانونية وبحزم صادق وبلا تردد . إن حكومة المؤتمر الشعبي العام وبجهد مطلوب من السيد رئيس الجمهورية وهو المعروف بحصافته وقدرته على التكيف مع أعقد الظروف وأصعبها لابد أن يجترحوا الحلول المناسبة لهذه المعضلات ، كما للنظر بجدية في مطالب هؤلاء الذين يقدمون هذه المطالب بطريقة حضارية عبر المظاهرات السلمية والاعتصامات الهادئة..... ، وإظهار كل الشجاعة في اقتحام العقبات وتطويعها لمصلحة عموم الناس كما الشفافية في التعامل مع قضايا الخلل الإداري والفساد الحكومي المستشري في مفاصل الدولة ووضع اليد على الجرح وبها المراهم لتلتئم الجروح في أقرب وقت .

إن اليمن بكل ضجيجه الآن إنما يمثل نموذج الحياة العربية بإخفاقاتها كما بنجاحاتها وعلى العقلاء فيه أن يجعلوا الحياة تميل لاشراقة تلك الابتسامات التي أسعدتنا بها تلك الجميلات اليمنيات اللواتي عرضن أجمل ما في حياة اليمن سناءً وبهاءً  ، والذي نجعله أكثر جمالاً بتعاوننا جميعاً على البر والتقوى وتصدينا للاثم والعدوان .

زياد ابوشاويش

Zead51@hotmail.com

 

 

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home