قصة

 

ديسم

إسحاق الصاحب



                                      

                 ديسم                            إسحاق الصاحب

 

 

      << المدينة رضيع تتحرّكُ فيه صورة وحيدة محفوظة ومقدّسة هي الأرض الصغيرة الممتلئة بالرغبة المحدودة، ثم المدينة تصبح طفلة شاردة عارمة بالضحك لا يستثيرها إلا اتساع فرحها ويرافقها كثيرًا هدوء حكيم، لا تستقرُّ بعيدًا، تحاول أن تخجل فينقلب خجلها صمتٌ بديع، تحرّكُ أطراف عينيها بين الأرض والحاضرين، تكوّمُ أصابعها في بعضها، ثم تطلق إبهاميها وراء تسابق ما عندما ترسلهما في دوران متكرّر، يرسلها إلى عمق أحلامها  دون أن تضبط ذاتها تنام وتنمو بسرعة، ثم تصبح المدينة مراهقة بمنعطفات قلقة وطرق وشوارع متوتّرة جدًا وغايات طويلة تتصادم فيها الخطوط وتختفي بها الجبال المجاورة، والبنايات كحثٍ فوق الأرض لتتجرّد من العبق الأول والأحلام المعدودة، أن لا تكوني وحيدة، كثافة الصور والحركة، خيارات كثيرة لكنها غير محددة تتسابق لتوفّر ضجة ظاهرة عمومية وأخرى خفية وعميقة تسربل القلق والـ ـ سـ عـ ادة، تتّسع وتكبر وتلتهم مساحات أكثر.... في هذه الدائرة المنتفخة الكثيفة الم..ع..ا.ني والمتناقضة إما بداية أو في نقطة ما، أليس السواد الذي يغطي رؤوسنا هو أفقنا دومًا في المدن الجديدة، نعم كل واحد منا يحمل مدينة في داخله متشابكة ومزدحمة ومكتظة ومرهِقة و مرهقَة، وتحمل تواريخًا عديدة، و المطر هو الوحيد الذي يثير شهوة الكلام وإطلاق الصدور،  يتسرّب الكلام الصدري غالبًا لشخص استفهامي لمجرّد أن لحظة الإفصاح توافقت مع قمّة الامتلاء من المدينة، كل ما يوجد في المدينة محبوك في رؤوسنا كذلك و كل مدينة في داخلنا تحمل لمسات صاحبها،... في داخلي توجدُ مدينة حارة مليئة بالارتجاف الطفو لي كمدينة أولى، أعود إليها دومًا أو تعيدني هي لمجرد حالة ما، والقلق مدينة جديدة وسيّدة، أصواتها وساكنوها وحركاتها ولمساتها تختلف كثيرًا عن الأخرى، إنها مزدحمة وكثيرة الألوان ومتقاطعة بالتناقضات وتسير على نظام واحد هو السّرعة وتتأثّرُ بأكثر من مجال، تمتلك قدرة ما تستجيب بها لهذا التحديث أو التعصير، أليس هذا أخطر جهاز لتسريع المدينة والقضاء على التقارب بين الطبقات والأف..أوووف،..>> يوقفه رعد المطافئ يتبعه بريقها وصوت رجل يهمس عاليًا "إنه حريق مجدّدًا " عن كلامه الباطني، يوقفه عن مقارنته العمق الذي يتحرّك بالدم و الواقع الذي يتحرّك بالإسمنت والحديد، واقف قرب العمود الإشهاري وتحيطه تعابير المدينة الشاردة الزخِمة، البنكين الجارين ويقابلهما هذا الفندق الهارب إلى السماء وعلى الجهة المقابلة له تعاتبه هذه البناية الطويلة أفقيًا محاطة بسور تراقب خلفه كل الذي يحيطها أعين هذه الأشجار الأقدم من الجميع، يتبع خط أحد الطرق الملتقية هنا أمامه فيجد المدينة تبتعد، ترتفع في تلك النقطة ثم تلتقي بخط سمائي الذي يبلع بفاه كبيرة الطريق ثم سياراتها وبناياتها في حفرة الأفق، بينما تبقي سحابات دخان تبعثه كل لوثاتها المختلفة، ديسم وحده يحاول أن يحافظ على  التلاقى بين مدينتيه العميقتين، ليس فقط في التاريخ والمكان بل في تداخلهما في الحدود،... إنها مغامرة مجنونة..، هذا النفث الساخن قد اعتاده منها منذ الفقد..، جدران وسقوف حمراء وبيضاء وحديد وزجاج تتمازج بالكثافة القلقة والسرعة المتوتّرة،..بعد زمن لم يفطن لحفرة الأفق التي حجبت وأخذت ذلك الزمن والمكان بعيدًا زمن الطفولة، لقد تباعد كثيرًا و محاولة الهروب إليه دومًا وهاجسًا سوف يفجّر قنبلة موقوتة لن ترحم أي طرف، ستأخذ الأخضر واليابس هنا... لذا فان غريزة البقاء في العمق جعلت لكل مكانه، تتفكّك لحد الساعة ويرضى هو بالبديل، الزمن أحيانًا يمتلك خططه ويطبقها دون أن نشعر ونقنع بها آخرًا، لقد أصبحت مدينة الطفولة الأولى صورة خالدة كلما زاد في السن،.. أما الجديدة الزاحمة القلقة، رغم المتبادر يحبها، كل هذا يشعره بالحماس والإرهاق، هذه المدينة المتطلّعة بكل أشكالها المتناقضة التي تبدو جميلة دون أن يتنفّسها وإلا من أين الإرهاق،.. كل الذي شيّد لم يكن بداعي أن يلتقي فيها سحريًا أو يرسم فيها سرًّا جماليًا،..كثيرًا ما مقت طرفًا أو جهة، لم يرد أن تأخذ مبادراته دائمًا طابعًا علميًا، هو يريد أن يحفظ ملحًا روحيًا و يلتزم بعقد رحيمي يعتمد على الحياة دومًا، يمقت الأماكن واللافتات واللوحات التي خطفت سريعًا مجالاً واسعًا من مدينته الداخلية العميقة كأنه يتنصّل أحيانا مما فعلته المدينة المقابلة وما فعله هو بنفسه في مدينته.. لا بل كثيرًا ما يدخلها بسعادة.. برغم كل الذي خسره فيها أمام ما فعله آخرون بالمقابل،.. الآن تأخذ إمتيازية ورائحة وعمقًا وكذا عبقا يخصّهما فقط...توقفت الآن أغلب تلك المشاريع وتحولت النظرة العامة إلى خطة التوافق التي دخل بها إلى العولمة والصناعة" أقل الأضرار بسرعة مثالية"، نعم عليها أن تعبّر عن  ذاتها "المدينة" بفعالية تفصل بين التاريخ والواقع..، وتمسح عنها الهاجس الخوفي من السرعة المتوتّرة، لم يبقى الآن سوى أصحاب المدن الشاردة الجافلة بمنطق ثقيل بطيء، أما هو قد عرف هذا رغم تأخّره و رسّخ واقعًا يتناغم مع الجوار والتكنولوجيا وأصبحت سياسته الخارجية حريصة على ترميز معظم أرائه في المناوشات والنزاعات والتأكيد على جملة وحيدة " السلام خير" ،فقط  ليتدارك كل ما فاته،..أصبحت تلك الفترة التي كان فيها منعزلاً هادئًا  تعبّر عما يطلق عليه حقبة تاريخية للمدينة، أصبح الآن دبًا مدنيًا مهذّبا بفعل جرح وحيد وتاريخ يمتلكه هو فقط،  قبل هذا كان عالمًا خرافيًا مثل الأخطبوط تمامًا، ذا عمق وحيد وأيادي بعيدة في داخل هذه المركبة التي تنغرس بين كتفيه، لقد قال لوالده الدب المجنون يوم كانا جالسين كعادتهما أمام التلفاز، عندما تسمّرت عينيه على صورة ذلك المخلوق المجهري " ديسم " كانا يتناقشا عن كبر المدينة ودخولها حقبة مادية خطيرة يصبح فيها الضعيف تيسًا يحتجب عن الإسمنت ويخجل من رائحة البنزين..، هكذا قال الدب الكبير والده كما يطلق عليه إخوته، أما المفتون بماليزيا ابنه فهو يصفها بالمدينة التي تراهق بالإسمنت وتحتلم بالزجاج والحديد ولا تنام إلا على تناقضات وتوترات أهلها كرقصة مفضّلة، عندما ذاب في تلك الصورة بل ولبس شيئًا مهمًا منها، وامتزجت غرابة إمعانه بصوت المعلّق : "هذا المخلوق المجهري الذي يعيش طويلاً يعيش على مخلوقات مجهرية دونه يمتلك أظافر تشبه أظافر الدجاج بأطراف عديدة وعمق الطبقات  لقطبنا المتجمد هي موطنه العجيب، بطيء الحركة يشبه حلزونًا معرّى"،.. ابتسم وقاطع والده بصوت الذي عثر على ما يريد: "حقا  هذه الحياة التي أحسد المجهريات القطبية عليها، أن تكون متحرّرًا من جحافل فعل الواقع التي تركنك لخيال وطموحات وأحلام تغالبك وتصيبك بالدوران والقيء وتجعل الحقيقة بين المدينة العميقة وفعل المدينة المقابلة شيء متعب و مقرف للغاية، ..المدينة حسار، التفاهة والمجون، أتعرف يا كبير القوم  لن يقلقني طول حذائي ولا لونه أه آه حياة البرود والثلج، حياة بلورية مجهريه بعيدًا عن مغابن الإنسان  ..." في ذلك الحين خرج عن عهد والده به فكان الأب ينصت كما لو أنه أمام محاضرة حول المدينة التي خاطت عصر التوتر والتعب، لم ينبش فمه بأي قول ولم يعقّب على ولده لكنه شعر في قلق فلذته، بعمقه، ضجيج دواخله، وتعقبه لأشد الأشياء وقعًا، ابن لهذا العالم القلق حقًّا، لكن الحرية التي  انتزعها معه انتزاعًا من المجموعة الكبيرة حولهما المتوتّرة بين التقاليد و الجمود، جعلت من ديسم حرًا وعميقًا مع نفسه أكثر مما تصوّر،...  هذا الديسم لم يفلح في رد اعتبار لوالده رغم وعده بذلك بعد استمرار والده في إملاء كل ما عيّره به إخوته عنه منها ما قيل وبقية أضافها لترجيح طاقة ديسم وقدرته إلى حد يصبح فيه ملكًا كاملاً لهذه الترشيحات والتوصيات المسبقة،.. صادق ديسم على مستقبله بإبهام والده عندما رفع حاجبًا وضرب بقبضتيه على ظهر الكرسي و بصوت استفزازي لإرادته" أنا لها وسأصنع لوالدي مجدًا" لكنه بعد لحضات استرجع وقال بتمتمة بينه وبين نفسه يباعد بين هذا وما يريده حقًا"آج..لا...أم..لا  " ،... محاولاته المتكرّرة  لحفظ القرآن منافسة لأبناء العمومة والخؤولة لكنه كلما أسرَّ  على ذلك كبرت جنيته  لتوقفه عند "النبأ" العظيم، رغم أن هذا الشيخ يعرفه أصحاب هذه المدينة والبلدات المجاورة بسيد  المشيخة القرآنية الذي خرّج أجيالاً وأعمارًا مختلفة،.. وعندما أصبح ديسم على مشارف الخامسة والعشرين تعلّق بأهل الكهف وألهبته آياتها وموسى وخضره وذو القرنين فحفظها في يوم وليلة... لم تمر سوى قليل من الشهور عن وفات والده "الدب المباح" في أن يكون ديسم علامة فارقة بين أبناء إخوته و لطالما اتهمه أكبر إخوته بأنه لن يكون أبًا مثاليًا قط ولا يمكنه أن يلد سوى جراثيم و طفيليات تحمل أحد مساوئه أو تفرّخ ضعفها، لا يبدو أنني أرتكب نميمة أو غيبة  إذا صرّحت أن والد ديسم فجّر كل قلقه وتوتّره في ارتكاب كل المساوئ حسب تدرجها ولم يبقى له سوى القتل ليكون سيّدًا للجريمة في عائلته لولا  دعاوي والدته" الخونية" لقد رأت منامًا يبدو فيه ابنها بوجهه لكنه في جسد بعوضة تتقاتل عليه الحشرات ذلك الذي جعلها تقفز من سكونها وروتينها واستوحشت من الرسالة شرّا مستطيرًا سيحلّ بالعائلة، فانتقلت لتسكن معه في البيت الذي جناه من سرقات متوالية، تربصت به هناك، وجعلت من نفسها رقيبة أخرى، لأيام تميّز وتحلّل تصرفاته بل وأصبحت تنهره كطفل صغير وتعاتبه وتتوعده الغضب والعذاب الإلهي في الدنيا قبل الآخرة، وكانت خطتها في تزويجه من بنت البادية صديقة الأبقار والغنم هي أقصى ما قدّرته، لكنه جعله يهدئ أمامهما ويفحم عمقه بوحي جديد يتوافق مع حضور هذا الجسد البيضاوي الذي يشبه في تناسقه سمكة صغيرة خرجت توًا من الماء، مليء بالحداثة الفطرية، نهدين وعنقٌ وشعرٌ و و كلها تربّت جيّدا على الفطرة،..يفاجئه و يحاصره هذا الجسد وسحره من غير أن يتوقّع أن تخفي البداوة كل هذه الرغوة، كلما أوغل فيها وجدها  تقتربُ أكثر من ظلٍ عشبي يزخر حوله بأشجار نعيمة لذيذة، وكلما لمس شفتيها عهد فيهما بلسمًا بحريًا، وكلما تحرّك فيها ذابت حياته القلقة المدهونة بعطر العرق الخفيف، لم يكن عالمه المتدكن حديثًا يدل على توبة والراكد لم يدل على وفات الحيوانات التي تدافع وتروّج له حياته الملتوية " الجنس والسّرقة"، وبهذا الترتيب دومًا، حديثًا أصبح ينام عميقًا بعد أن يعطي زوجته رغوتها المفضلة- هو معلّم في الرغوة لكن كذلك جسد هذه الأنثى التي اختارتها له أمه يتناسب كثيرًا مع ذكوريته-  تنام هي على ذلك بسعادة العمر أما هو مع الحلكة التي تصيب بيته دومًا يضع بقرب ذلك المستطيل الفضيّ عن نافذته فنجان قهوته ليستثير دودة السطو، يفلح في وكز فكرة جديدة يدرسها بلطف ويحدّد جوانبها التي قد تحمل ضعفًا يصححها يتأكد من صورتها، ثم ينقاد سعيدًا فوق سجّاد جنيته ليحطّ على كنزه الخشخاش، والدودة ترسمُ خبثه في عمق رأسه و ترقصُ فوق خيوط حيله، "اللطف والتكتيك سيكوّن قوة فعّالة تمامًا إذا ما أخذت مع ذلك دوشًا وفلمًا آكشينيًا إيطاليًا أو أمريكيًا أكيد ستتقن بعدها  صقل الألوان في لوحتك" ،" لا تشحذ خططك عندما تسطع الشمس وتصبح واقفة، وإذا كنت  قبالة من الليل وتنهمر أمطار موسمية، فلا تفوّت الفرصة ففي ذلك الموسم يمكنك أن تشعل كل أحلامك البسيطة وتحقّفها  " يحفظ عقيدته كدستور وطني ويمارس به السرقة والكذب وعندما يكون في موسمه المزدهر و يغيب لتركيب ذلك عن البيت أيامًا وليالي عديدة، لم تكن الأم تعرف أن غيابه المدجّج بتبريرات العمل الاستثنائي في بلاد الجنوب- لتوفير الحياة الرغيدة- رغم دهائها أنه تدليس وكذب توافقي مع الجريمة، لكنها  رغم كل الرادارات حسبت فيه خيرًا ما، أكيد من زوجته التي بمجرد أن تعيد عليها السؤال عن زوجها تتذكّرُ الرغوة الملهبة التي تصيبها معه فتقول عنه أنه "نعم الزوج"، غادرت الأم البيت و الأمان الذي لاحقها بعضًا من الوقت فتُر عندما عاودها نفس الكابوس بصورة أضخم عندما رأته بوجه مسيخ يلبس جسد عقرب تحيطه النيران من كل جانب، لم تستطع أن تفعل شيئًا رغم تفكيرها الطويل وبعثها لجميع طفولته والطريقة التي ربته بها، فكان أنها صنعت فوق واجبها، فتُرت منه كذلك ولم تستطع أن تنقذه من حفرة الأفق، وعرفت أنه سيلدغ نفسه يومًا ما، إنها تعرف الوالدة تمامًا دقائق هذا الابن الذي كان آخر ما أنجبت وأول من ظل من الأبناء والأحفاد، كذا تأكدت من قولة المأثور عن الحاجّات" كل عش تمرج منو بيضة" وهذه آخر بيضاتها التي طفرت،..زير نساء والسطو على أملاك الغير حاجته والكذب مائه دومًا، ويخدمه شرّه "بستر غير عادي" ذلك الشيء الوحيد الذي راهنت والدته  عليه، خاله قال له يومًا بعد نقاش كهربائي جعل من الاثنين  يرغيان ويتراميان بالأواني إلى أن دخلا في عراك قضى على الفوارق التي بينهما إلا أنه أوضح القلق الخفي الذي يحمله خاله هذا أيضًا، تهالكا عن آخر ما يمتلكان من نفس فجمدا فوق بعضهما، جلست بقربهما الأم الحائرة فنطق تعبًا الخال: " أقول لك أختي أن ابنك هذا أكيد قد أنجبته من دب عنيد" لكنها اكفهرت وزمجر عمقها بشدّة، استدارت إليه وقالت له : " انصرف لا أريدك الآن إنك عكس ما توقّعتُ تمامًا، سأحل مشاكل عائلتي دونكم أيها الرّجال الصّفر"، ثم أمسكت بولدها الدب بيدين قوّاهما الغضب الكبير منه، أفرغت عينيها فيه، وكأنها تتحدّاه، ثم دفعته عنها وقالت له بصوت نديب: " إسمع أيها الولد المراهق، إذا لم توقف عمليات السرقة والطيش على أجسادهن، فأقسمُ لك أنني بـ ريئـ ـة منك وستنتهي وحيدًا معذّبًا، وهذا أقل ما سيحدث لك، وبيتك هذا لن أدخله ما حييت"، هذا آخر ما سمعه منها،انصرفت إلى بيتها ولم تره إلى أن أنهكه العذاب المتّصل، قبل ساعات من وفاته كانت تقبّله بقوة كأنها قد رأت ابنها من جديد ينتهي معذّبًا، أما هو قبل أن يركنه السرطان، فيعرف جيّدا أنه يدور في فلك فيلم أمريكي لا يعرف مغزاه ولا أي نهاية سينتهي، لكن كلّ الذي أراده أن يصنع من ولده على معايير نسبية للعائلة ثم على مقاييس النجاح في عصرنا الحاضر" عصر العلم والسّرعة "  وإن كان قد رضي عن ابنه بشكل أو بآخر بينه وبين نفسه كشخص قلق مجابه للاستفهام،  باشتهاء مرضي سريع أصبح الدب شمعة ملقات في طرف الغرفة مليئًا بقلق آخر بألم عنون نهاية مدينته... في حاضرنا يصبح ما ترك الأباء من رزق وأولاد أهم من كل شيء أليس كذلك؟.. لقد أفرغه العذاب من كل نزواته ولذاته ورغواته، من سلطان طال مقامه، و حاكه في أشهر أقرأ فرد للقرآن عرفته العائلة في تاريخها الحديث،...  ابنه ديسم طفرة أخرى عن العائلة، الذي يبدو أنه عكسٌ، يقنع بالقليل وأهدأ ظاهريًا من والده، لكنه ثورة في العمق البعيد يشبه عنكبوتًا، بعد يغرق في دوائر ومشاريع عمودية، تبدأ صغيرة ثم لسويعات يغلبه عرقه ودمه وذكرى والده كدوامة فتصبح هواجس تتحرّك داخله كمجتمعات تتنفس معه وتشق طرقًا كثيرة، بل تكاد برأسها الطويل وفروعها المتعدّدة تغلب عمره ، يتحوّل إلى بقعة طينية تنشف على تلك الصورة بعد زمن .. وبعد زمن آخر تصبح أحلامه وآراءه كلوحات سنّت بأيادٍ عميقة في الطرق الملتوية لهذا الرأس الصغير نسبيًا، أو جداريّات باهتة مخنوقة رسخت في مداخل معظم عوالمه، لقد أصبح رأسه الصغير مواقف عديدة متلاصقة ومتقاربة  ،..  "حفظ الكتاب والتخرّج دكتورًا طبيبًا" هي جمّ ما أراد المرحوم...، لن يكون كذلك بعد أن رحل، دوما لم يعده بذلك كليًا، فهو يحفل غالبًا بالفلاحة وما يتعلّقُ بها وآخر مشاريعه قبل تسرطن والده أن يفتتح دكانًا للخضر والفواكه لكنه على بعد تنهدات ولوالب حلمية أصبح سوقًا كبيرة، دافع بشدة عن هذه الرغبة التي اكتسحته حتى اقتنى كتبًا علمية في هذا الاختصاص" الخضر والفواكه"،  يراعي ويخصص وقتًا طويلاً للمعرفة في فوائدها والفيتامينات التي تحملها وأثرها على جسم الإنسان، ولم يكن هذا إلا رغبة منه في أن يثبت لوالده أن هذا المجال خصب دومًا يمكن أن يحاط بالأرقام والمعرفة، ويفيد خلقًا كبيرًا ويعوّضه عن التطبّب، على عكس تشاؤمية والده الذي يرى في رغبته هذه أنه يهندس لحياة خادم..ديسم يرى أنه سيكون صاحب فضل تمامًا ويقول<<: كلنا خدّام لكن بطرق مختلفة وملتوية في أفهام الناس، لن أراعي أو أفرّق بين الفقير أو الغني كلٌ يشتري من عندي ويزورني حسب إمكاناته، إنني أغذي وأزود و أكبّر دائرة كبيرة ومتنوّعة من الأطوار البشرية والخَلقية، الأطباء المعلمين الموظفين الشيوخ النساء الطيور الذباب النحل الناموس..، بدوني و فاكهتي وخضري هل بإمكان أمثالك أن ينجبوا أولادًا أصحاء أعتقد أنهم سيولدون دون أعضاء تناسلية أو دون مؤّخرة تأكد أبي،أأ سيرسب أغلب المتعلمين>>،...بعد وفاة والده بأشهر قال إن الموت في حدّ ذاته يركل عنه حرية خفية إلى أقرب الناس للميت.. وهكذا تتملّكه حرية فكرية طفيفة أعطاها قليلاً من الرعاية عندما بدأ والده في تشويش بعض من أفكاره واستراتيجياته المبعثرة، الآن تمامًا " كن وأفعل ما تريد، الطريق لك وحدك " وإنما أكبر من هذا وأصدق وأعمق قد ربطت ديسم ووالده السافل، صداقة وحب جعل من والده يقطع كل صداقاته و تحولا هما في بعد زمني صغير عن الحدود التي تفصل ولدًا عن والده، يتبادلا أغلب المواضيع  الغرام والحب و الجنس المعولم والأسرار الخفيفة...، أما ديسم بادئا وقد عرض عليه والده أن يثير أيّ موضوع يشغله أو يزعجه مهما كان، هو كان حين ذاك عند الفترات الأولى من طفولته عندما أراد أن يبادله شعور وفعل الابن لوالده وأن يحاول قدر ما استطاع أن يمثل أمام الأمور المتناولة، وأن يكبره ويجله بالاحترام والتقدير وأن لا يحلق أمامه وأن لا يتفرّج معه حتى النشرات الإخبارية التي أصبحت تستعرض الجمال والإغراء المبطّن، أن لا يتكلّم عن الأشياء التي تكبره، أن لا يحمل ولده ولا يقف مع زوجته مستقبلاً ووالده أمامه...تمامًا  كالحدود القانونية التي تجمع أبناء البلدات بآبائهم، كل هذا تضاءل أمام هذه الحرية الهاربة والمتأججة، أكيد من طول افتقاد هذا الأب للأولاد بعد زواجات عديدة حتى أصبح يشك في سلامة آلته، رغم تأكيد الأطباء، وقد حصل على هذا الديسم الذي كبر أمامه بل وأصبح أطول منه، لقد صاغ والده عن الطاعة المعهودة نمطًا خاصًا، قد يكون والده من أصحاب الحرية العشواء، لعدم قدرته على تحمل المسؤولية التقليدية كاملة، لكن من وجوه أخرى كطريقة كلامه التي تخلو من البرود ونظراته المليئة بالصدق والبريق الصافي، والابتسامة التي تعلوه فقط له، يبدو منها عارفًا لما سيؤول إليه الأمر... والحكمة تخرج من فاه الزاني والسارق والكذّاب...منذ توقف الخفقان ووري "الخضراء" أبو الديسم، توقفت الحياة لأشهر في الفردين الباقيين سوى من تلك اللوحة الفنية التي كان ديسم يسرُّ و يراعي كثيرًا البقاء في وسطها، يقرأ الكهف من ذلك الكتاب الرباني الأخضر الحجيّ، في وسط غرفته يعيدها كأنه ينقّب عن سرّ فيها، يحيط حوله العديد من الصور الفوتوغرافية المتنوعة لوالده، من الباهتات بالأسود والأبيض التي تعبر عن أحلامه القليلة الثقيلة والطويلة، إلى الصور المتحمسة لأكثر من جهة وحلم، إلى آخر صورة بدا فيها متهالكًا وحائرًا ومغتبطًا سعيدًا ومريضًا جدًا كالزمن الذي تركه، هذه الأخيرة يسندها ديسم على رجل الخزانة المدعدعة..يُطرق بابه البارد، منذ أمد قد أصبح بأنفاس الملائكة، يتحرّكُ إليه ديسم من أمام صورته الرمزية، ويتوجّه إليه،... "لا أعرف كيف وصلوا بهذا الجمع بموعد أو بصدفة"، بينهم ثلاثة فتيات حسانٍ تلعب القصيرة "خيرة" دور العارفة بالحياة وحكمتها، هذا ما استشفه ديسم من عشرته معها في مقر عمله، شيّد الطريق أمامهم، دخلوا إلى غرفة الضيوف الباردة، لم يسعهم المكان بغرفة الضيافة التي تشبه كهفًا بسطحها المظلم، وسقف التزيين الثاني يبدو مهتّكًا ومهشّم الأوصال في أكثر من جهة، قد سكنته خيوط عنكبوتية وغبارية في جوانبه، كما أن الحشرات تبعث أحد أفرادها كمراسلين بين الجهة والأخرى دون خجل أو خوف من مطاردة أو رشٍ، جلس البعض ووقف الآخر وبدأت الأسئلة تختلط ببعضها، والتشديدات، عليك أن تعود لعملك،.. إن المدير لا يرحم وقد هدّد بتنحيتك فور نهاية هذا الأسبوع إذا لم تحضر،... لله ما أخذ ،.. إن لله وإن إليه راجعون .. الموت لا يجعلك رغم قساوته يفقدك المواصلة والتضحية بعملك... لم يثر ذلك شيئًا بعيدًا أو خوفًا مهجّسًا عنده بفقدان الوظيفة التي حارب والده من أجل أن يخلُفه فيها، لقد أصبح بكل المجد الذي دومًا أراده في عمقه يتبخّر أو يختفي جراء فقدانه شعوره بالوجود :

- في الحقيقة أشكر لكم زيارتكم هذه جدًا، ولا تعلمون مدى غبطتي بها، وبالنسبة للمدير سأفكر في رغبته

كأنه سيّد الموقف ..

- أين هي أمّك نريد أن نُمسّي عليها

نطقت خيرة بصوت الأنثى العارفة للتقليد ...

وهو خاطب البنات بصوت أهم من الأوّل :

- نعم هيا.....ستكون سعيدة بوجوهكم!

     دخل على أمه في غرفتها، أخذ إذنها، أعطى الإشارة للبنات كي يقبلن،.. تحمل خيرة الهادئة كيسًا بلاستيكيًا شفافا يظهر علبة الحلوات...سلّموا عليها ورغم حزنها الطافح على وجهها، جهرت بفمها ترحيبا طيّبا، وجهّزت جسمها بالحركة تنفسّت عميقًا وقالت دون أن تشعر:

- هيا يا بنات إلى المطبخ الأخضر والأسود، لكم شايًا وقهوة ، هذه ساعة طيّبة.....!؟

....رنّت جملة الشاي في عمقه بعيدة قريبة، جذوة للماضي للحاضر القريب، عندما كان يقضي ليلاً طويلاً  و والده مع "الدومين" والسينما الأمريكية والحديث الطويل، فبرقت عيناه بأسىً،أغمضهما فنام البريق أو ذهب إلى عمقه عندما فتحهما، عاد إلى شلته في الضّيافة، وراح يقضمهم الزمن صمتًا أكثر من العبارات المتعثّرة ببرود ديسم، حضرت الرائحة أولاً ثم وصلت القهوة بيد الأم، لم تكن كبيرة، إنها في الأربعينيات من عمرها، سلّمتْ على الحاضرين بعينيها، بدت عندما اختلطت بوجوه الضيوف أكثر تعبًا وإرهاقًا، وقف  ووقف صديقه وقال :

- هات عنكِ !

، دفعه إلى مكانه وحمل عن أمه القهوة، عبّرتْ عن سعادتها به ،وتأملتهم وكأنها تبارك لهم زيارتهم ثم قالت:

- إن صديقكم لم يسعد في حياته قط حتى بي أنا، مثلما كان يحتفي ويسعد بوالده ؟!  

رد أصدقائه بتمتمة وهز لرؤوسهم يوضح عدم وجود رد بمقاس كلامها ؟! بينما ديسم ابتسم و وقف و قبّل رأسها مرتين!

وجد ديسم نفسه واقفًا قرب الباب وحيدًا ترن أصوات أصدقائه مختلطة بشهيق يأتي إليه متثاقلاً من العمق

..... انصرف لأمه التي يصله صوتها تباعًا ، تغط في نحيب وبكاء كأنما قد توفي رجل البيت ومعيلها وخادمها اللحظة ولما لا ملاكها..، تماسكَ، أمسك بوجهها الذي بدا يحمل مفارقتين، بكاء الطفولة وحنينها ووجه يسنُّ الطريق نحو منتصف القرن يبكي للموت.. لم يكن يعرف أن الاندمال صعبٌ للغاية ومليءٌ بالشدٍ والإيذاءِ هكذا، حضنها طفلاً بقوة لتتذكّر أنه نفحة منه، ومواسيا قال لها:

- إذا كنت غير مبالية بي أتمنى أن توافيني المنية كي يخلو لك المجال لبكاء أعم، أرجو...

وقاطعته، خرجت من حضنه، مسحت دموعها وقالت بصوتين مختلفين :

- لا حبَيْبِي، إنني بك فقط سأحيا،ووالدك رغم كل الذي هوجم به كان طيّبًا، لم يفرّط في حق الزوجية الرائـ ـ ـ ع يعرف كيف يحاورني، كيف يسكُنُني كيف يكرمُني، يسعدُني بسيل ورغبة لا تنضب ولا تتغيّر، يشعرني بمكانة رفيعة،... لن أدوس على ما في هذا القلب من حرقة لكنني أريد أن أكون صادقة مع اللحظة،... حبيبي لقد عشنا الهدوء رغم كل الضغوط، هل تتذكّرُ سوءًا منه في الحياة التي جمعتنا نحن الثلاثة ؟

  يهز رأسه بثقل كأنه يراعي فقط شعورها وإلا فقد كان والده شيئًا آخر، وهو يضع يدها بين كفتيه ويراودها...




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home