القلم السياسي

 

الارهاب في الجليل... أين المستنكرون؟

نهاد عبد الاله خنفر



 

الارهاب في الجليل... أين المستنكرون؟

نهاد عبد الإله خنفر/ فلسطين

لقد أمضيت أيامي الاخيرة متفكراً ومتتبعاً لكثير مما ينشر ويقال على صفحات الصحف، وفي كل وسائل الإعلام تقريباً، بما فيها ما تبثه مختلف الإتجاهات على الشبكة العنكبوتية، فوجدت أن الدنيا ومن فيها أو الأكثر يستنكرون الإرهاب وينكرون على الإرهابيين أعمالهم وأفكارهم وغُلُوُّهم وعُتُوُهم.  وقد تكرس ذلك من خلال المواقف الحاسمة التي أبرزها الإعلام الغربي والشرقي على حد سواء، وبطبيعة الحال فقد توفر الإعلام العربي على المخزون الأكبر مما وصل إلينا من أصوات المنكرين والمستنكرين لما حصل في لندن وشرم الشيخ أو ما قد يحصل في المستقبل من أعمال مشابهة، وقد كنت أحد أعضاء الفريق الذي انضم إلى تلك الحلقات المتسلسلة من المواقف المنددة والمحللة للآثار والأسباب التي وقفت أو تقف على سلم تلك العملية المعقدة وغير الواضحة والمرتبطة بالحدث الإرهابي على امتداد العالم.

بعد ذلك تلقفت بدهشة شديدة وبصدمة استفزازية أكثر شدة نزعت عني ما كنت عليه من أفكار منطقية تبحث عن الموضوعية الشائكة والمختلطة على كثير من الأفهام والعقول، بعد العمل الإرهابي الذي قام به جندي إسرائيلي ضد أهلنا العرب في منطقة الجليل، ولم تنته الخسائر التي أوقعها إلا بتدخل قَدَرِّي فرضته ظروف انتهاء الذخيرة، أي لو تمكن هذا القاتل من حشو سلاحه بذخائر جديدة لكانت الكارثة الدموية أكثر وحشية وإرهابية مما رأينا بكثير، أقول هذا وقد وضعت نصب عيني تلك الهجمة الإعلامية الشرسة على ما يسمونه الآن العنف والإرهاب والتطرف الاسلاميمع مقتي ورفضي لهذا المصطلح جملة وتفصيلاً - وما تبعه من هجمات رسمية امتازت بالعنف والتطرف من قبل الحكومات التي شعرت نفسها في زوايا الاستهدف من قبل بعض الجماعات، وعلى رأسها الحكومة البريطانية ممثلة بتوني بلير، الذي صادق على عدد كبير جداً من القوانين الجديدة التي تفرض سطوتها على كل ما من شأنه أن يعرف نفسه على أنه عربي أو إسلامي إلا بعد التنسيق مع الحكومة البريطانية، ليضفي المسلم على نفسه شرعية التدين وإن حاولوا إظهار ذلك بغير هذا المظهر أو على أي منوال آخر، توني بلير بذاته يعلم تمام العلم ومن خلال موقعه الرسمي أن الفلسطينيين أنفسهم يتعرضون للإرهاب صباح مساء، ولهذا فهم يمقتونه ويهاجمونه ويتطيرون من القائمين عليه، ولذا وجدناهم من أكثر الناس فاعلية في إبداء استيائهم العارم مما حصل في لندن وفي شرم الشيخ، وهذا بطبيعة الحال ينطبق تلقائياً على فلسطينيينا في مناطق 48 لكن وجد هؤلاء الناس أنفسهم وأنا منهم بأن الدماء الإنسانية تخضع لأعتى حملة عنصرية تفريقية تميز بين دماء نقية ودماء ملوثة، بين دماء غالية الثمن ودماء رخيصة، بين دماء تستحق الإستنكار والإستنفار والثأر لها ولأصحابها بكل الوسائل والطرق، وبين دماء تسقط فريسة لكونها لا تنتمي إلى عرق من الأعراق أو جنسية من الجنسيات ولهذا فهي لا تستحق الكثير، فهي لا تستحق إلا أن تذكر بخبر عابر عن تساقطها من بعض الأشخاص، كمن يتحدث عن ولادة قطة بعملية قيصرية في إحدى حدائق الحيوانات القائمة في ركن مظلم من أركان الأرض. أو لأراهن بأن الإهتمام بها سيكون أكبر من تلك الدماء، أقول والقول حق وواجب لمن أراد أن يفهم، لمن أراد أن يعطي للإنسانية أبعادها الخاصة دون انحراف بها إلى مفاهيم ممتزجة بالخطيئة والمزاودة، بأن الدماء هي الدماء فهي حمراء لدى الأسود والأبيض والأصفر والأحمر، وهي سيان في جسد المسلم والمسيحي واليهودي والهندوسي والبوذي، وكذلك في الشرايين العربية والبريطانية أو المصرية أو غيرها، قبل أن يقول قائل بأنني قد دخلت دون استئذان إلى حقول الفلسفة الكلامية أو في واحدة من أركان القوالب اللفظية التي لا تعطي لهذه المقالة أي معنى سوى الكلام والتكرار والتسول على جسد الحقيقة الممزق، وأبدأ بالحديث الفعلي عن ذلك الحادث الإرهابي الذي أخشى كما يخشى الآخرون وبحق بأن يتكرر مرات ومرات ضد الأخوة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة داخل اسرائيل 48, ذلك الذي أشرت إليه في السطور السابقة والذي راح ضحيته عدد من العرب بين قتيل وجريح، وبالرغم من النتيجة المأساوية التي حصلت والتي لا تختلف من حيث المبدأ مع ما حصل في لندن ومع ما حصل في شرم الشيخ، إلا أننا لم نر ولم نسمع أيا من تلك الحكومات وأدواتها الإعلامية تتحرك باتجاه أدانة هذا العمل كجزء من محاربة الإرهاب ونبذ العنصرية ومحاولة وقف الهجمات العنصرية التي قد تتحول في حالة الصمت عنها إلى حرب إبادة جماعية كما حصل فعلياً في بعض المناطق التي يعيش فيها المسلمون مثل البوسنة والهرسك التي لا زلنا نتابع أخبار مذابحها ومقابرها الجماعية حتى يومنا هذا، فإذا كان الصمت والسكوت العربي والغربي والإسرائيلي بطبيعة الحال هو عنوان الرد على هذا الحدث الذي يحمل من الخطورة ما لا أرى أحداثاً مماثلة قد تحمل شيئاً منه، فلا أتردد إن قلت بأن الحبل على الجرار كما يقولون، لأن البوادر الإجمالية لطبيعة الرد الذي قوبل به الحدث إعلامياً على الأقل لم يكن إلا إشارة إلى تطوير الأمور وتحفيزها وزرعها في ذهنية أي شخص إسرائيلي آخر من السهل عليه أن يمارس هذا العمل دون حسيب أو رقيب.  ولمن يسأل، هل هذا هو الحدث الأول والأخير؟ أجيب نعم، إن الحدث بالظروف التي رافقته يعتبر حدثاً مميزاً عن سابقاته لكونه يترافق مع حملة دولية لإدانة الإرهاب وتمزيق أواصره وتفتيت خلاياه، وسن القوانين الرادعة لسحق المحرضين عليه، بل ونفيهم وجلدهم وتجريمهم.  وهنا تأتي جدية المسألة وهي أن الحرب مستعرة الأوار ضد ما يعرف بالإرهاب، إلا أنها تنطفيء أمام إرهاب آخر لا مجال لتبريره تحت أي من الذرائع، إلا من خلال الصمت على هذه الجرائم بقصد تفعيلها وتحفيز دعاتها وحضهم على العمل الجاد ليقوموا بغيرها مرة ومرتين وثلاثة مرات.

إن الاتفاق بأن الإرهاب والإرهابي يحمل هويته بنفسه دونما إشادة أو إشارة أو بلورة من أحد، فهذا معناه أن شكل العمل هو الذي يحكم، أي لا فرق بين إرهابي عربي أو يهودي أو غربي أو شرقي، وإذا اتفقنا على ذلك فمن الضروري أن نلاحظ بأن هناك نوعاً من الإرهاب لا يتم العمل بحزم على استنكاره أو محاربته وهو الإرهاب الموجه إلى المواطنين العرب وتحديداً في المناطق الفلسطينية التي يعيش الفلسطينيون عليها في الداخل وفي حدود عام 67 , وهنا أعاود الكرة بالحديث عن التمييز الدموي الذي يرفع من قيمة دماء ويحط من قدر أخرى، وهذا ما سيدفع الكثيرين إلى التفكير ملياً في الشروط والأسباب التي تقف خلف ذلك، مع ما سيولده ذلك من أسئلة ستكون الإجابات عليها مزيداً من الكراهية ومزيجاً من الشعور بالظلم وبالإنضواء تحت مظلة الإستفزاز الذي سيؤدي إلى مزيد من الدمار ومزيد من الإحتقان الحاقد على التعاطي الظالم مع المفاهيم الإنسانية التي تضع بعض الناس في خانة الأنقياء وتضع بعضهم الآخر في خانة السفهاء, وهذا مما يحرف الشروط الإنسانية القائمة عن مسارها الأساسي في البحث عن اللغة المشتركة، فلكم كان حري بمن طالبوا العرب والمسلمين باستنكار ما تعرضت له لندن، بأن يفعلوا كما فعل العرب والمسلمون، ويعملوا على استنكار ما حصل في الجليل.

لكأنني قد أصبت بمشاعر غير محدودة من الإحباط واليأس لما رأيت الإعلام العربي وقد انطوى على نفسه في طرح هذه القضية وإبرازها كما ينبغي لها في أخذ حقها، وحفز الآخرين على الإلتفات إليها، على الأقل كرسالة واضحة المعالم ثابتة الأركان، بأن الدم العربي يسقط بغزارة دون أن يلتفت إليه أحد، وبأن الدم الغربي يسقط وليس لأحد أن يتجاهله أو يتغاضى عن أي قطرة دم فيه حتى لو كان الغربي ظالماً والعربي ذبيحاً مظلوماً، كما يحصل في العراق مثلاً. الصورة تتكرر الآن، يطلبون من العرب أن ينكروا الإرهاب ويحاربوه، وينكرون على العرب أن ينتصر أحد لدمائهم، حتى لو سقطت على أيدي الإرهابيين كما حصل بالأمس القريب في الجليل، في هذا المقام يتطاول السؤال بعنقه المشرئبة مندساً دونما إذن مسبق، ماذا لو أن نفس الحادثة قد وقعت ضد اليهود، ومن شخص عربي؟؟ كيف سيكون الموقف؟؟ بالتأكيد كان الأمر سيتحول كما يحصل إلى أغنية إرهابية جديدة يرددونها في كل لحظة، بأن الإرهاب الفلسطيني يجب أن يقتلع من جذوره وبأن المنظمات الفلسطينية ما هي إلا منظمات إرهابية ويجب محاربتها وتدميرها دون تردد أو تراجع، ولوجدنا بأن العالم بكل دوله على الإطلاق قام ولم يقعد، حتى يدفع الفلسطينيون الفاتورة مضاعفة مرات ومرات، وحتى تطالب قيادتهم بتسديد الفوائد القانونية المترتبة على ذلك، على شكل تنازلات وتعهدات بملاحقة واعتقال الإرهابيين. لم يحصل شيء من هذا لأن هوية المنفذ واضحة وشخصيته ذات عرق نقي، وبالتالي فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بل وعلى إخواننا من الفلسطينيين الذين قُتِلوا أن يشكروا الرب على أن جعل نهايتهم على يد من قتلهم، وأن يتقدموا بخالص المودة لعائلته التي نَمَّت في قلبه حصد الأرواح العربية ليكون الخلاص على يديه وعلى فوهة بندقيته أكثر طهارة، وأكبر استعداداً للقاء الخالق دونما تردد. وفي الختام كيف لهم أن يحاربوا إرهاباً يزرعون بذوره، ويروون جذوره ويشذبون أغصانه، لا نطلب فعل شيء من أحد، فطموحنا يتضاءل، يتراجع ويبحث عن المستسنكرين، إنهم غير موجودين، وبالتالي لكم الله يا أهل الجليل.

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home