قصة

 

حكاية الضرس المخلوع

مجدي السماك



حكاية الضرس المخلوع بقلم مجدي السماك

توجهت إلى ذلك المقهى الكائن في وسط الشارع المزدحم المكتظ بالسابلة و المحال التجارية و كأن كل سكان الكرة الأرضية تجمعت في هذا الحي الشعبي على ضيق شوارعه وصغر مساحته المحدودة في ذلك الركن من بقايا فلسطين.. طلبت فنجان قهوة بلا سكر وشيشة وأخذت أقرقر بها مع كل شهيق أشفطه من جمراتها المتوهجة الحامية و أنفث الدخان في الهواء دوائر متلاحقة متعاقبة فعج بها المكان كما الضباب ..

كان ظهري للشارع ، وجهي للحائط مما جعل عيني تركزان البصر على صورة كبيرة لقرد يلبس برنيطة و بيده قرن موز واليد الأخرى تمسك مقبض مقود دراجة هوائية .. واضح أنه يقلد الإنسان و هو محق في ذلك بحكم تقارب الشكل .. الإنسان كذلك يقلد القرد في قلة أدبه ، أليس قتل الملايين من اجل الموز والنفط قلة أدب .. هذا عدا عن الاغتصاب والكذب و الغش و الأحتيال ، و إن كانت بعض هذه الصفات لا يمارسها القرد خاصة استعباد الإنسان لأخيه الإنسان على مر الزمن .. أدرت الكرسي و عكسته ليصبح ظهري اتجاه صورة القرد ووجهي للشارع فوقع بصري على رسمة لعظمتين متصالبتين بينهما جمجمة بجانب ترانس كهربي كإشارة تحذير من الموت .. أخذت أفكر في الموت مستغربا من الإنسان الذي يكرهه و يخشاه .. على الرغم أن الإنسان يعرف عن القبر أكثر مما يعرف عن بيته ، و يعرف عن الموت أكثر مما يعرف عن الحياة ، و طالما أن الأمر كذلك فمن المؤكد أنه يعلم عن الجنة أكثر مما يعلم عن الكرة الأرضية بأكملها.. قطع خلوتي مع نفسي شاب اسمه لبيب وقف أمام المقهى و هو شاب حظه من اسمه قليل بعض الشيء ، لكنه في غاية الطيبة و البؤس و الشقاء .. له وجه مستدير كالصحن ، جسمه ممتلئ و بشرته داكنة ومشدودة مثل الدف ، يحتذي شبشبا ممزقا و مغبرا فبدا كأنه ورثه عن حنّين ، تخرج منه أصابع قدميه كرؤوس القنافذ .

رأيت خده منتفخا و يضع في فمه قطنة بيضاء مرنخة بالدم و يكز عليها .. بالكاد يستطيع الكلام مع بعض الآهات التي يصدرها بين الفينة والأخرى .. سألته عن حاله فقال : لقد خلعت ضرسي المسوّس عند طبيب الأسنان .. ثم سألته عن أجرة الطبيب فأجابني بحروف متقطعة .. و لكني فهمت بأن ثمن خلع الضرس المسوّس غاليا بعض الشيء ، عرفت بأن الطبيب قد استغله و أخذ أجرة أكثر مما يجب أن يأخذه ، بات واضحا أن الطبيب حوّل مهنته الإنسانية إلى عمل تجاري بحت .. فوجدتني اسأله دون إرادة مني : هل أخذ الطبيب ضرسك المسوّس الذي خلعه ؟ فقال لبيب : نعم . صرخت بوجهه : هل أنت مجنون حتى تعطيه طوعا ضرسك المسوّس المخلوع يا أبله .. ألا يكفي ما أخذه من نقود منك ...

قال : ماذا افعل ؟

قلت : عليك الذهاب إلى الطبيب لتطلب منه ضرسك المسوّس المخلوع ، إياك أن يضحك عليك ويرفض إعادته .. كأنه لا يكفي فمه قلة ما يدخله من طعام ، سواء أكل جاهز أو تفصيل ، فوق هذا كله ضروس مسوسة مهكعة.. ذهب لبيب بهمّة إلى طبيب الأسنان .. تفاجأ الطبيب بطلب لبيب و أخذته الدهشة ، و حصل بينهما بعض المشادات الكلامية .. و لمّا قرف الطبيب لا سيما و أن المرضى ينتظرونه في الصالة الصغيرة كي يأتي دورهم على أحر من الجمر ، أراد بسرعة أن يخلص من هذه الورطة و ليس لديه متسع من الوقت .. تناول أي ضرس بشكل عشوائي من سلة القمامة و أعطاه إياه قائلا له بنرفزة ظاهرة : خذ .. هذا هو ضرسك .. هيا اخرج من هنا .

عاد لبيب يحمل ورقة صغيرة متسخة و ممزقة و قد وضع بها الضرس ليريني إياه ، لمّا رأيته قلت له بجد صارم و أنا ادقق بالضرس وأعاينه : هذا ليس ضرسك ، انه أشبه بضرس بغل كبير الحجم ، هيا عد إلى الطبيب ثانية وأحضر ضرسك .. عاد إلى الطبيب مهرولا على عجل .. و لمّا وصل إلى العيادة حصل معه نفس ما حصل في المرة الأولى من مناكفات مع الطبيب و مشاحنة و جعجعة .. عاف الطبيب نفسه و أمسك بسلة القمامة وقال له : خذ كل هذه السلة المليئة بالضروس لك و حدك وانتقي منها ما تشاء من ضروس .. لا أريد أن أرى وجهك التافه هنا مرة ثانية .. هيا انصرف يا غبي من هنا.. المرضى في صالة الانتظار غرقوا في قهقهة مجلجلة عميقة رنانة سرت طرقعتها في المكان مثل دردبة الطبل البلدي .. جاء عندي إلى المقهى و معه سلة الضروس كلها .. فقلت له : أين ضرسك بالضبط من بين هذه الضروس؟ فقال ببراءة : لا اعلم .. نظرت إلى السلة المليئة بالأسنان والضروس التي نخرها السوس ، على كثرتها تخيلت و كأن كل ضروس الناس اقتلعت من أفواهها و ألقيت في هذه السلة الشبيهة بالدلو .. قلت لنفسي : إن ضرسا واحدا سليما أفضل منها كلها وأنفع .. يكفي ما تلحقه بنا من عذابات وآلام .. طلبت من لبيب أن يعود لطبيب الأسنان مرة أخرى كي يسأله ليحدد له الضرس بالضبط وعلى وجه الدقة بالتحديد .. فعاد ثانية إلى الطبيب ليطلب منه كما قلت له .. أخذ الطبيب يبعبع ويلعلع بأصوات غير معهودة و قد تملكته ثورة عارمة أخرجته عن طوره حتى أخذ يشد شعره ويشتم نفسه ولبيب أيضا ، مما اضطر الزبائن في الصالة إلى تهدئته و أحضروا له عصير الليمون كي يهدأ و يريح أعصابه على حين أخذ صدره يعلو ويهبط بشكل مضطرب .. بعد وقت قصير عاد الطبيب إلى رشده و أخذ يعاين ضروس لبيب القابعة في فمه و خمن بأن أحد الضروس أقرب ما يكون إلى الضرس المخلوع المسوّس المطلوب .. عاد إليّ وقال : هذا هو الضرس.. حدقت بالضرس مليا وبحلقت ثم قلت له : نعم انه هو .. من قهري أمسكت بالضرس ورميته بكل عزمي في المدى البعيد .. نظر لبيب إليّ بدهشة و سألني : لماذا فعلت ذلك ؟ أجبته محاولا إخفاء خطيئتي : كي تذهب وتحضره إليّ ثانية .. ذهب إلى مكان الضرس وأخذ يبحث عنه حتى أدمس الليل و أكمل البحث في اليوم التالي و لم يجد الضرس .. لكن الضرس موجودا وحيدا في المكان الذي سقط به تماما. ذهبت مع لبيب في اليوم التالي لنبحث عن الضرس فوجدته قرب حاوية الزبالة .. تملكني إحساس بأنه ضرسي و يؤلمني في فمي و يرتج منه جسمي وجعا .. أمسكت بالشاكوش و طرقته حتى فرتكته و دشدشته .. سألني لبيب ببلادته المعهودة : لمّ فعلت ذلك ؟ قلت له بعصبية : كي أنتقم لك من العذابات و الآلام التي ألحقها بك ضرسك المخلوع على مدى الزمن .

Magdi_samak@yahoo.com هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته  

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home