القلم النقدي

 

المدينة وعذابات الشعراء

موسى زناد سهيل



نوستالجيا الينابيع **
المدينة وصورتها التقليدية في الشعر **

موسي زناد سهيل
ناقد و باحث
واذا كان لعبد الصبور اصحاب استدرجت نهايته المحزنة من افواههم كلمات يتيمة كان مجلسه هنا يرحمه الله)، وهي كلمات مواساة موسمية عابرة ينتهي بعدها كل شعور بالاسي في نفوسهم ، فأن الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود صور نفسه حمالاً اجبرته الظروف كي يسد رمقه فمات،
لكنك الحمال ، لم يطعموا
فيك ولم يخشوا اذاك الرهيب
(رغيفك الطاهر غمسته
من عرق زاك ودمع صبيب
فرحت لم يسكب عليك امرؤ
دمعاً ، ولاقلب رقيق يذوب
قد مر اهل الدرب لم يأبهوا
للمهمل المطروح فوق الدروب
ويتفق حجازي مع سابقه في كون الانسان ليس الا عدداً ورقماً وكفي فمولدة يزيد عدد المواليد ووفاته تزيد عدد القبور ، اما من هو، ولماذا يعيش وهل نال حقه من الحيا، فهذه امور لااحد يفطن اليها ، فقد يموت طفل ، كذلك الحمال ، في زحمة المدينة ثم يتوقف نهر الشارع لحظات تكفي فقط لألقاء نظرة علي جثته المهصورة تحت عجلات السيارة ثم ينصرفون مسرعين كل الي بغيته هذه التعاسة يصورها حجازي في قصيدته (مقتل صبي) ، واذ نقرؤها بتمعن ودهشة ، نراه يرتجف من ضياعه في زحمة البشر:
(الحارس الغبي لايعي حكايتي
لقد طردت اليوم
من غرفتي
وصرت ضائعاً بدون اسم
هذا انا
وهذه مدينتي
هكذا يظل الشاعر مستاءً من موت الصبي الذي لم يحفل لموته احد فعاد الناس الي تدافعهم في الشوارع من جديد ، وعاد الترام والسيارات الي ديدنها علي الطريق ، وظل يمشي حتي الفجر تائهاً ، تعيساً لايدري الي اين يسير ، كدأب الشاعر كمال اسماعيل،
الأيام
في كر الفجر وفي فره
صفحات غبشاء تتراكم
والاقلام
لاتحفر فيها صورتي الاولي
في هذا البحر المتلاطم
انطح سقفاً من صخر
امتثل لامره
اركب زورقي المقدام، وزورقي حذاء
والمجداف رغام
وفطوري من طهو العاصفة الهوجاءحساء
يأسف الشاعر لتركه قريته، وينعي ايامه بين المدينة التي اصبح فيها قلبه نصفين لم ينل من ايامه سماءً ولالثم ارضاً تصاغر امام جبروت المدينة مذ دخل وسط المعامع فيها وتضاءل حتي بات نفسه وكأنه حبة رمل عفراء هائمة وسط صحراء ممتدة واسعة يصطرع علي مفرشها مع الحبيبات الصغري المتزاحمة خوفاً من عاصفة هوجاء تناطحها بصخرة كبيرة صماء، فلا مناص في هذه الفلاة الخواء الا بالعودة الي القرية فلم يعد له في هذه الغابة وجود ، ابصر ذاته الزحمة ضعيفاً امام الحيتان الكبيرة التي تدير المدينة بقبضات وعلاقات تشبه تلك التي عبر عنها عالم التحليل النفسي (اريك فروم) فيما اسماه (نيكروفيليا) حيث يحب الفرد النيكروفيلي، كل ما هو آلي وينظر الي الحياة نظرة ميكانيكية.
قلب الشاعر القروي ، الجياش ، الواهن، صحا من اضغاث الحلم فما التصق بلهاته الجافة غير كابوس ساخن هذا الريفي البسيط الذي كان كالطير الغافي فوق الشط الساجي قد ارهقته عقد الحياة في المدينة فأشجته الذكري الي قريته وتكأكأت في خواطره احلام الي جذوة النور التي ماتت سجينة في مدنة فأبحر يحلم بالحب من ابنة الريف التي تلهب بحق قلبها دون الغام ورياء.
(حبيبتي من الريف جاء
كما جئت يوماً ، حبيبي جاء
وألقت بنا الريح في الشط جوعي عرايا
فاطعمته قطعة من فؤادي).
وقبل ان يدهم الموت ابتهاج الحب في قلب الشاعر كان قد استجدي حباً عند بنات المدينة دون جدوي فحسناوات المدينة يبحثن عمن يزيدهن جمالاً بماله، اما الشاعر الريفي فليس لديه ما يهديه الي محبوبته الا العواطف المتدفقة، وحتي الورد الذي يهديه ينقلب شوكاً في يديه، والكلمات، ولم يبق غير الكلمات، تفيض من جوانحه بنغمة ثكلي، لعل واحدة ، يوماً ، تفتح له يديها تحضنه عيناها يقابل حجازي اميرة ، في قصيدته (قصة الأميرة والفتي الذي يكلم المساء)، اميرة من سيدات القصور ، يضم قلبها الف حب كما تضم خزانتها الف ثوب وتدعوه لتقضي معه ليلةً ممتعة ، وما ان اقبل الفجر الشارق حتي رمته كما تخلع ثوباً قد سئمته،
(وابتسمت قائلة ، الا أانت شاعر كبير
يا سيدي انا بحاجة الي امير
الي امير
وانسد في السكون باب)
لم يكن من سبيل امام هذا الشاعر الا ان يتخذمن حلمه الواهي وسادة وان يرسل من قلب يأكله الالم وينخره الوهم، كلمات تذوب اسيٍ علي اللسان والاحساس بالغربة ينمو ويغلي وهكذا هي حال الشاعر سليمان العيسي.
امدينتي هذي التي
غرقت بهفات الحرير؟
امدينتي هذي التي
تغفو علي وهج العبير؟
لا .. لا انا ابن الحائط المهدوم والكوخ الحقير).
ولكن حتام يبكي الشاعر، وهل هناك للبكاء دموع؟ وهل يجدي الدمع نفعاً امام عنهجية المدينة التي تتخم احشاءها المتناقضات؟، لا اظن ذلك ، بيد ان عيون الشعراء ما انفكت تلتقط مشاهد التناقض التي تطعنهم في الاعماق منهم، ماالفوا في قريتهم ، وما عرفوا من اهلهم سكون كأنه معبد، ووئام بين الناس كأنهم ملائكة، وبهجة وضحكات وفتيات رقيقات وفيات مخلصات واما هنا، في واقعهم المديني فصراخ وضجيج وشوارع ضخمة وفسيحة تسيل فيها انهار من النور لاينافسه الا جموع فتيات مزوقات، بثياب مهفهفات ، وصدور مرفوعة ورؤوس مصعرة واجساد نفختها التخمة ثم في العالم السفلي من المدن، حيث الشوارع ضيقة معتمة وبائسون يتوسدون الارصفة ويلتحفون السماء تمرالي جانبها الاقدام المسرعة المتسابقة دون ان يعبأ بأحدهم اي احد سوي الرب الصمد والشاعر المرهف الحس يتعاطف مع هؤلاء ، ويحب بطبعه الفقراء ، ويتخيل الطبيعة تشاركه تعاطفه فتحنو، مثله، علي البؤساء الذين يؤمنون بالضحي البسام والخير لكل الأنام، وعلي ذلك المنوال كتب عبد الوهاب البياتي قصيدة اسماها (مدينتي والفجر).
(لكنما القمرة
احب في احيائها الفقيرة السوداء
صبية عمياء
تؤمن بالفجر وبالانسان
وترفض الاحسان
من عاشق فقير)
عاش الشعراء ابناء القري، اذاً، حياة في المدينة كلها اسي وعانوا في بحبوحتها ضيقاً وقذي، وتقلبوا في ليلها علي حياة تطفح بالقلق والضجر ونالوا من نسائها قسطاً من الصد والهجر، وارهقوا في نهاراتهم بالكد والعمل، والخيبة والامل، وقد يتوهم البعض ان تلك ظاهرة عالمية، حيث صار الشعر تهويماً وعماهة في اللامعني، كما كتب اليوت، مثلاً الارض اليباب، والشيخوخة، فوصف الانحطاط سلعة لصيقة بالتطور الآلي، وامسي الشعر في عصر الماديات، او اغلبه، خلاء فارغاً من الوجدان الحي الخيال الطري والافق النبوي او الصوفي قد يكون الامر كذلك في الحصاد الجمعي لكل الشعر في العالم اماالذي تناولناه من شعر فلم تكن صورة المدينة فيه تقليد لصورتها في الغرب بآلاتها وصخبها وضجيجها، وانما تلاقت مع الشعر الغربي في الملامح واختلفت في التناول، وما يعاضد قولي هذا سطور من مقالة لعبد المعطي حجازي، بعنوان (تجربتي الشعرية) جاء فيها ،(كان شعر خروج تحول ، شعر معاناة وتمزق بين عاملين متناقضين من السلوك والتقاليد والقيم، ولم يكن رفضاً للمدينة ولاتشبثاً بالقرية، وانما كان شعوراً بالانقطاع ، ومحاولة لمد الجذور في ارض المستقبل، كان محاولة للتغلغل في تفاصيل عالم معادٍ غير مفهوم ورغبة في الكشف عن مأساة انتقالنا الي عصر آخر غير العصر الذي قدمنا منه مثقلي الروح بالاسطورة الشعبية التي تتحدث عن علامات انتهاء العالم وقيام الساعة)، تلك هي صدمة المدينة لشاعر القرية التي يضيع فيها حتي الاسم وهو منتهي الضياع..
فالشاعر الذي ارتحل الي مدينته راسماً في مخيلته آمالاً وسيعة فلا يكاد يدخلها حتي تقابله بأوصاب مريعة وتناقضات فظيعة حتي يغدو امره الي ثبور يغلبه كل مغلب فأذا استغاث من الرتابة والضياع لايغاث وفي عوارض محنته ، تلك تتلهف روحه حنيناً الي ينابيعه الطفولية الاولي في قريته الي بساطتها وسحرها فيحلم بالعودة الي تلك الحياة الأثيلة ليتخلص عند عتباتها من جروح عميقة وآلام محيقة وآهات دفيقة ليرتمي هناك في احضان الوداعة والطيبة وعمق الحياة.عنوان الباحث البريدي؛musa_znad@yahoo.com










  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home