خاطرة

 

صهيل الذاكرة

عدنان كنفاني



صهيل الذاكرة

 

تلفّت حولي..

رباه.! أين أنا.؟

أتراني أسقط من السماء إلى لا قرار.؟

وحشةُ تحمل أشواكها على صدى الصمت، وتحشوه في حلقي، وتسحب من ظلال الروح، آخر خيوط الفرح الذي كان..

كيف تجرأتُ وقلت لها اذهبي، وافرحي، وخذي قلبي معك..!

وما أن أغلق الطريق نوافذها عني، حتى أهلكني الندم..

قلت لها اذهبي، ودعي نسيم البحر يتخلل ضفائرك المتعبة فقد تكسرين رتابة العذابات.

واغسلي قدميك بزبد الماء كلما صدم الموج صيحات النوارس، فقد تبدّلين معالم الطرقات المملّة.

واهدئي ذات مساء تحت جُنح سماءٍ تقرّب النجوم إليك، فتزهر المصابيح ببريق النور، وتقدّم حزمها الملوّنة بأجنحة الفراشات إليكِ عرابين ذكرى لفارس يسكن ضفّة الصمت البعيدة..

آه يا حبيبتي.. منذ متى لم تكوني بعيدة أيتها القريبة حدّ الشريان.؟

وكم كنّا نكسر دوّامات البعد، وعقم الوقت معاً في فضاءات اللقاءات المعلّقة على أمواج الرياح.؟

الآن أدرك قسوة أن نفقد حتى فسحة اللقاء على موجات الأثير..؟!

أسمع تردد أنفاسك، وسقطة دمعتك، وصدى ابتسامتك.. وأعيش بين أصابعك النازفة حروفاً كأنها ترسم أمامي خريطة وطني المذبوح..

يومها كانت تتوسل أن لا تسافر.. قلت لها لا تجزعي.. سأهديك من وجيب قلبي، وزفرات كبدي ذلك الرباط الذي سيبقى يشدّني إليك

فخذي قلبي واذهبي..

سافر قلبي معها، وأغلق عني كل صناديق البريد.. وآثر أن يسكنها..

رباه..

أتلفّت حولي.. لا شيء هنا يوحي بالحياة.

غابة متشابكة السدود تُسكنُ وراء ظلالها السوداء، دوائر من صمت قاتل.

لا شيء حولي غير أغصان تنبت من جوف الجذوع الضخمة، وتغطي فرج الفضاء.

أين العصافير التي ما فارقت صبوتنا يوم كنا نهمس بالبوح..؟

أتراها حملت زغاريدها وسافرت هي الأخرى يوم قلت لحبيبتي اذهبي.؟

الماء يجري في جداول من يباس، ولا خرير..

وسكون النسيم يسقط تباعاً في حفر الطين.

أين جيوش النمل، وخفق الفراشات، وقفزات أرنب كان يرقبنا كلما هدأت بنا الريح.؟

رباه..

ما أوحش هذا العالم وهو غارق بالصمت المخيف.

حاولت أنجو من حصار الوهم، لكنني ما تجرأت دفع خطواتي إلى بحر من رمال صفراء..

لماذا تقول لها اذهبي.؟

صوت أعادني إلى رتم الحياة، حسبته نقيق ضفدع فارق هو الآخر مثلي نصف روحه.

جاءني من عمق الوحشة، حزيناً كبحّة ناي أتعبته مسارات السنين، فجف ماء القصب فيه، ليصبح الصدى الموجع لعجوز ما فارق حزنه، وأصابعه تعوّدت فتق عرى الألم.

من أنت أيها الغريب مثلي.؟

أتراك قلت لها اذهبي ثم أعلنت غُربتك.؟

لم يجب.. بل ركب قشّة ناجية من صمت الغرق، وسافر إلى الضفّة البعيدة، وترك لي نقيقه الموجوع.

لم تعد أشرعة المراكب تأتي بقبلات اللقاء..

وما عادت الأشجار تُسقط غير الثمار العفنة..

أيها الصديق المسافر إلى بادية الدهشة.. عد ففي سفرك هلاكك..

تعال إلي

فنحن في الوحشة صنوان

وفي الغربة رفيقان، وفي حلكة الوحشّة غريبان

لا تسافر، وابق معي.. فقد كرهت ألوان الوداعات، وتعال إلي ننتظر شراعاً تائهاً يحمل إلينا النبض الباقي فينا، ويعيدنا إلى حومة الأمل..

تعال يا صديقي ودعنا نعلن قسماً لا نحنث فيه

أن نمسح من قاموس المفردات كل الحروف التي تشكّل رعب الفراق

وأن نربط بالقيود التي لا تفتّها مطارق الحياة نصفينا إلينا

وننتظر ذات صباح تطلّ علينا الشمس، تخترق تشابك عناكب الوحشة

وتعيدنا إلى صدرين ما غادراهما أبداً..

عندما تشرق الشمس ذات صباح

يومها.. يومها

أقسم إنني لن أقول اذهبي.

 




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home