خاطرة

 

و كان لي وطن !!

ندى محمود



حيث العشب الأخضر كنا ... حيث تلال الربيع الندية كنا .. كانت حياتنا .. بسيطة .. هادئة .. هانئة .. كنت آنذاك طفلاً في الخامسة .. كنت غالباً ما أسمع صوت مناجل الفلاحين تضرب تراب الأرض فتفوح منها رائحة العراقة .. تلك الرائحة التي لازمتني سنيناً طوال .. و رغم أني كنت دائماً مشغولاً باللعب و اللهو في التلال و المروج إلا أنني لا زلت أذكر كيف كانت تلك الخراف الصغيرة تلهو في المرعى و كيف كان صاحبها يقودها جماعات إلى مزرعته الصغيرة ... و أنا أراقب المشهد من بعيد ... يا الله كم كان رائعاً !! كانت أمي تقول دائماً : " هذي بلدنا و هذا خيرنا .. ما بدي إياك تتنازل عن شبر من أرضك و لو لآخر نقطة من دمك .. يا ولدي " .. ما زالت كلمات أمي تدوي في أذني كالصداع .. لن أنساها ما حييت ... و الآن .. و احسرتاه ... واحسرتاه !! .. لو أنك تأتين يا أماه لتري ما حدث ؟؟! .. لقد فرطنا و انتهى الأمر ... و لكن لم يكن ذلك بإرادتنا بل كنا مجبرين على ما نفعل ... أماه .. لو تعلمين كم بكيت .. حين تركت المنجل !! .. حين تركت الحقل !! حين حزمت الأمتعة و أقفلت بيتنا بالمفتاح .... هاهو ذا المفتاح يا أماه ... ها هو ذا بيدي ... الآن ماذا يفيد يا أماه ؟!! .. أنا أعلم أنه لا يفيد شيئاً و لكني ما زلت متمسكاً به .. ساظل حافظاً له .. سأورثه لأحفاد أحفادي من بعدي يا أمــــــــــــــــاه .. فهو الكنز و هو الورثة الثمينة التي لا نستطيع التخلي عنها و لو لآخر نقطة من دمي .. أمــــــــــــاه ... نامي قريرة العين .. فالأمانة بيد أمينة .. الآن .. أنا رجل مسن قد تجاوزت الستين و لي أبناء و أحفاد و عزوة و لكن ... ليس لي وطن !! ... كان لي وطن .. أما الآن .. فأنا ضائع .... بين ثنايا زمن أغبر !! أيريد العالم أن يقنعني بان هذا المكان الموحش الصغير الذي لا يساوي شيئاً هو وطني ؟؟!!! لا و الله .. خسئتم أيها الأنذال .. خسئتم أشبـــــــاه الرجال !! ... هذا ليس لي بوطن .. وطني كان هناك .. هناك حيث المروج الخضراء و التلال الوردية .. هناك حيث القرنفل .. البنفسج .. حيث النرجس ... هناك حيث المنجل .. حيث الطابون ... رائحة العراقة ... حيث شمس تسطع بلا قيود .. حيث قمراً ينير السمــــــــــاء بلا حدود !! هذا هو وطني و لن أرضى بغيره وطنا ... أمـــــــــــــــاه ........ عجزت الكلمات عن التعبير ... و فاضت المقل بدمع غزير .. فاتركيني أموت ها هنا قرير .. رغم أني كان حلمي أن أموت في وطني .. و أدفن تحت ترابه ... تحت قمره المنير .. أماه .. اتركيني .. اتركيني ... أعبر ...... حتى و إن عجز التعبير !!!




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home