القلم السياسي

 

الديمقراطية من وجهة نظر عبد الناصر

محمد علي صابوني



الديمقراطية من وجهة نظر عبد الناصر

يقول عبد الناصر عن الديمقراطية "الديمقراطية عملة واحدة ذات وجهين: سياسي واجتماعي .. وبغير الوجهين تصبح عملة زائفة لا سعر لها ولا قوة ."

و يأخذ الكثير من المؤرخين على فترة حكم عبد الناصر خلوها من الديمقراطية بمفهومها الغربي من تعددية حزبية و حرية الرأي و النشر .. إلخ. و لعله يكون من الإنصاف أن نتأمل بداية الثورة لمعرفة كيف و لماذا سارت الأمور في مسارها الفعلي. لقد نشأ عبد الناصر ليجد زعماء الأحزاب و قد قتلوا روح ثورة 1919 بتكالبهم على الحكم، و يقول عن ذلك: ".. كنت أسعى مع وفود الطلبة إلى بيوت الزعماء نطلب منهم أن يتحدوا من أجل مصر، و تألفت الجبهة الوطنية سنة 1935 بالفعل على أثر هذه الجهود.

وعند قيام الثورة، وعدت الحركة بأن الجيش سوف يعود إلى ثكناته فور أن يستقر الحكم، و لكن لم يكن من الممكن تصور أن تقوم الأحزاب بشكلها الذي كانت عليه بالقدر الكافي والمرضي من الإصلاحات التي أعلنتها الثورة هدفاً لها. و في 31 يوليو صدرت "الأوامر" إلى الأحزاب بأن تطهر صفوفها أسوة بالجيش، و في 8 سبتمبر صدر قانون تنظيم الأحزاب يشترط موافقة الحكومة على برامجها و زعمائها، و في 6 أكتوبر أصبح النحاس "رئيساً شرفياً" لحزب الوفد بما يعني نهاية زعامته السياسية.

وكان السبب وراء الاصطدام الأول الذي نتج عنه استقالة علي ماهر من رئاسة الوزارة في 7/9/1952 ، و قيام محمد نجيب بتشكيل وزارة جديدة، هو الإصلاح الزراعي، فالكثير من أقطاب الأحزاب و الحياة السياسية كانوا من كبار ملاك الأراضي، وبالتالي كان هناك تعارض في المصالح من أول محاولة للإصلاح، و صدر قانون الإصلاح الزراعي بالفعل بعد يومين، في 9 سبتمبر 1952، و قبض على العشرات من أعضاء الأحزاب، و كانت النتيجة المؤكدة لقانون الإصلاح الزراعي هو استحالة التعاون بين السياسيين القدامى بمصالحهم التي ترتبط بالثروة - و بين الحركة الوليدة بأهداف الثورة. و بذلك يمكن اعتبار أن إلغاء التعددية الحزبية ارتبط أساساً بهذا القانون. و كانت الضربة الأخيرة في 16/1/1953 عندما صدر القرار بحل جميع الأحزاب السياسية و مصادرة أموالها لصالح الشعب.

و سواء أصاب أم أخطأ، فقد آمن جمال عبد الناصر بأن الديمقراطية السياسية لا يمكن أن تتحقق في ظل سيطرة طبقة من الطبقات لأن السلطة يجب أن تكون هي سلطة مجموع الشعب، وأن الصراع بين الطبقات يجب أن يحل سلمياً عن طريق تذويب الفوارق بينها، مع تجريد الرجعية أولاً من جميع أسلحتها، وبذلك يمكن تجنب الحرب الأهلية وأضرارها ويفسح بعد ذلك المجال للتفاعل الديمقراطي بين قوى الشعب العاملة من فلاحين وعمال وجنود ومثقفين بالإضافة للرأسمالية الوطنية، وكما يقول :-ليست الديمقراطية الحقيقية أن نجعل الناس ينفثون عن شكواهم، ولكن هي أن نجعل الناس يغيرون بإرادتهم ما يريدون تغييره.

إن الديمقراطية من وجهة نظر عبد الناصر لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تحققت الديمقراطية الاجتماعية والديمقراطية الاجتماعية تعني تأمين الرزق للعامل و للفلاح، والقضاء على الاستغلال بكل معانيه، فإذا تحققت الديمقراطية الاجتماعية وأصبح كل فرد آمناً على غده وآمناً على رزقه، فلابد أن تتحقق الديمقراطية السياسية.

وكان عبد الناصر يرى أنه لا يمكن الفصل بين الثورة الاجتماعية والثورة السياسية، فلا يمكن أن تتحقق العدالة الاجتماعية إلا إذا تم القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال وأن ثورة 23 يوليو قد أسقطت دكتاتورية الطبقة المالكة (الرأسمالية)، ولكنها لن تستبدلها بديكتاتورية الطبقة العاملة (البروليتاريا)، بل بتفاعل سياسي و اجتماعي بين تحالف قوى الشعب العامل، وبذلك أغضب عبد الناصر الرأسماليين و الشيوعيين معاً! ؟

وقد حدد عبد الناصر وسائل أساسية للعمل الديمقراطي منها:

أولا : جماعية القيادة فهي ليست عاصماً من جموح الفرد فحسب وإنما هي تأكيد الديمقراطية على أعلى المستويات.

ثانيا: حرية الكلمة أي حرية الفكر فكما يقول الميثاق : إن حرية الكلمة هي المقدمة الأولى للديمقراطية.

ثالثا: ممارسة النقد والنقد الذاتي، فلا يقوم تفاعل الأفكار إلا بممارسة كل فرد حقه في نقد باقي الآراء.

ولقد حدد عبد الناصر الديمقراطية الاشتراكية بأنها ليست عملية تنفيس وإنما هي إرادة تغيير قائلاً :

إن جوهر الديمقراطية هو العمل معاً في جماعات من أجل أهداف تتخطى بكثير المصالح الطبقية المباشرة للأفراد، فتصبح الديمقراطية عملية ثورية تهدف لإقامة المجتمع الذي بغيره لا يمكن أن تتحقق الحقوق للجميع، المجتمع الاشتراكي الذي ينعدم فيه الاستغلال الطبقي، وتكون الدولة فيه هي دولة جميع العاملين.

و كان عبد الناصر يؤمن بالإرادة الشعبية و يحذر من الاعتماد على الفرد في مناسبات عديدة قائلاً :

إني لأرفع صوتي هنا أمامكم محذراً من الاعتماد على الفرد. إن الشعب يجب دائماً أن يبقى سيد كل فرد و قائده. إن الشعب أبقى و أخلد من كل قائد، مهما بلغ إسهامه في نضال أمته". و لكن الشعب المصري و العربي لم يكن مستعداً لأن يستمع لأي حديث يلمح بعدم وجود ناصر في موقعه كقائد للأمة بأسرها.

و في محاولات لبناء الشكل المنشود للممارسة الديمقراطية كما رآها في تلك المرحلة، كان تشكيل الاتحاد القومي، ثم الاتحاد الاشتراكي، و اللجنة التنفيذية العليا، و التنظيم الطليعي، و غيرها من التنظيمات السياسية التي قصد بها عبد الناصر أن يصبح "تحالف قوى الشعب العاملة" بديلاً عن التحزب، و كانت المناقشات الحادة في مثل هذه التنظيمات و القدرة على نقد السلبيات و خاصة بعد النكسة، دليلاً على نجاح جزئي في هذا الصدد. و لعل ما حدث في 1965 عندما حل الحزب الشيوعي المصري (و كان حزباً سرياً محظوراً) نفسه بنفسه و انضم أعضاؤه للاتحاد الاشتراكي، يعد أيضاً دليلاً على ذلك.

و في 1968 و بعد ثورة الطلبة و إصدار برنامج 30 مارس، بدا أن عبد الناصر أحس بأن التعددية الحزبية لا بديل عنها لإقامة حياة ديمقراطية حقيقية، و يبدو أنه قد أحس بأن الشعب يعتقد أن الفساد السياسي و عدم جدوى الديمقراطية التي تقوم على حزب واحد، قد تسببا بصورة مباشرة في النكسة، فنجد البيان يتحدث عن قيام دولة المؤسسات، و المحكمة الدستورية العليا، كما وضع البيان خطوطاً عريضة لدستور دائم، ووصف عبد الناصر التغيير الذي تطالب به الجماهير بأنه:

يجب أن يكون أكثر بعداً، و أكثر عمقاً من مجرد استبدال شخص بشخص. إن التغيير المطلوب لابد أن يكون تغييراً في الظروف و في المناخ، و إلا فإن أي أشخاص جدد في نفس الظروف و في نفس المناخ سوف يسيرون في نفس الطريق الذي سبقه إليه غيرهم.

و هناك من الروايات التي تقول أن التنظيم الطليعي السري الذي أقامه عبد الناصر، كان نواة لحزب يؤسسه عبد الناصر في المرحلة التي تلي "إزالة آثار العدوان"، عند السماح بعودة التعددية الحزبية، و يحدد سامي شرف التاريخ المخطط لذلك بعام 1975، و لكن القدر لم يمهل عبد الناصر ليرى ذلك اليوم. ومهما يكن من أمر تلك التنظيمات السياسية في عصر عبد الناصر، فقد أفرزت مجموعة ضخمة وصفوف عديدة من القيادات السياسية لا زال بعضها لليوم يمسك بمقاليد المسرح السياسي و الإداري للدولة مثل: "د. فتحي سرور، د. عمرو موسى، د. مصطفى خليل، د. فؤاد محيي الدين، د. عاطف صدقي، د. عصمت عبد المجيد، ممدوح سالم، الشيخ عبد الحليم محمود، م. مشهور أحمد مشهور، د. عبد القادر حاتم، د. أسامة الباز، د. حسين كامل بهاء الدين، د. رفعت المحجوب" و الكثيرين غيرهم، بل و منهم من قام بدوره في عملية الإصلاح الاقتصادي و السياسي في الفترة الأخيرة.

و بينما يرى الكثيرون الآن أن نتائج الاستفتاءات و نسبة 99.9% كانت دليلاً على زيف الممارسة الديمقراطية في تلك الفترة، فإن ناصر نفسه كان يتساءل عن ذلك في حينه، و إن كان ذلك يمثل الواقع بدقة أم لا. و من المرجح أن بعض المسئولين قد تورطوا بالفعل في المبالغة في نسب التأييد (مثل أولئك الملكيين أكثر من الملك)، و لكن من الإنصاف أن نذكر أن عبد الناصر كان يتمتع بتأييد الشعب المصري و العربي كله بصورة غير مسبوقة، و لم يكن في حاجة لتزييف الانتخابات للفوز بالتأييد المطلق للجماهير، بل أن الواقع يقول أنه حتى على فرض وجود تعددية حزبية في تلك الفترة،ما كانت لتتغير شعبية عبد الناصر أو قدرته على جعل الجماهير تلتف حوله و تؤيد سياساته.

محمد علي صابوني




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home