دراسات هامة

 

ولادة تفكك فلسفي جديد في لغة الشعر

رحاب حسين الصائغ



في (مُعجمٌ بكِ) للشاعر محمد حلمي الريشة

ولادة تفكك فلسفي جديد في لغة الشعر

 

رحاب حسين الصائغ*

 

تناولت أوهام فنجاني، بينما أغيب مندهشةً في رؤيا مخضبة بفتوحات الشاعر محمد حلمي الريشة ومجموعته الشعرية (مُعجمٌ بكِ). شاعر ربط حسه الشفاف باحثًا عن قفلٍ في عمق الرؤية الشعرية لقصيدة النثر. وجدت ظاهرية الطرح متمكنة بعملة الأدبي المتقن. يبوح دون تقليد وتقيد، بل فتَّت خطوط العجز والجدل كلها بما حملته مجموعته (مُعجمٌ بكِ).

المفهوم الجمالي للغة الشعر هو ما يهز نفس البشر وعقولهم. ما يحدث في هذا العالم من قريب أو بعيد، معاناة كبيرة زمكانية، تأثر المجتمع بها والوضع العام لمسار الحياة، وعيشنا مع عالم اللا واقع المفروض، بدل أن تكون الحياة  نجومًا وأقمارًا تراقص نفوس الشباب. تغذي الأحلام الصافية. يدهشني، بل تؤلمني همجية نحوتات زمننا المعاصر. كيف يفكرّ صنّاع الموت باسم السلام طاحنين المشاعر؟!  

ما ستحمله هذه الدراسة النقدية، وكالعادة، التناغم الجمالي فيما أبدعه شاعرنا الوسيم كقصائده التي تشبه الحدائق اليابانية بما تحمله من رقة وعذوبة، أو الجنائن المعلقة وسحرها الأخّاذ.

شيءٌ ما متداخل في الرمزية المستخدمة تقودك للشعور بالألم المطحون بين سطور هذه المجموعة الشعرية المعذبة. سيكون عدم دخولي مدرسة أو نظرية معينة أهم وجهة لمساري في التحليل. سأعمل على التداخل في مضمون الأفكار التي لها خبرات قد تكون مختلفة عن مفهوم العالم، نعيشها ونقاسيها نحن دول عالم الثالث، في مجال الشعرالمعاصر( قصيدة النثر) التي تحمل سمات الوجدان، وانعكاسات لنظرة الذات. هي محاولة التحام كامن في نزاهة التعبير الذي ينسكب في بياض ذلك الفضاء النقي، والإبداع الذي يعتمد خلق صورة شعرية فائقة الدقة بمضمونها القائم على ذائقة الشاعر.

الشاعر محمد حلمي الريشة عنده القدرة على اغتصاب الغربة الزاحفة نحو الموت. يخرجك بقدراته الخلاّقة في غزل المفردة وإعطائها رمزيةً في نسيج وحياكة الصورة الواعية. طليقة في مشاعها. تجمع ندى الصباح برقته. تحمل الهدوء الذي بفوح عبيره في المفردة بغنج. قصائد لا تخجل من عيون الفضلاء. إنه مُطّلعٌ على أسبابِ التجاوز. فاهمٌ كيف يدق إسفين صوت دليل شعورنا ببعضنا آخذًا بالمثل القائل: "ازرعْ غصنًا من الخير، قد يأكل من ثمره حفيدك، أفضل من أن تترك البلاد جرداء"، لأن أي بداية في لحظة معينة تساعد على خلق لحظة إبداع في زمن آخر، أو قد تكون مجرى لأساس جديد. الشعر جزء من فنون أخرى ابتدعها الإنسان كي يقول للآخر: "أنا أبدعت بما أنجزت، فهل لك مثلي؟". لم أحمل سلاحًا، فالموت لا يمثّل الحياة. بسلام نفّذت فكرتي التي أريد بإحساس جسدٍ تألم وتداعى خياله. بتفاعل عشت القضية. غيّرت البطش. بريشتي وإزميلي وقلمي، رسمت ملحمتي. نحتّ إلهامي. أبحرت بزورق أفكاري. بعقل دافعت عن مصيري. رسوماتي هي حارس كهوفي. ألواحي الطينية شهدت على مقدرتي وقدراتي. أذِنتْ لي طقوس الشعر بممارسة إبداعي.

بشعورٍ جمالي أضاف الشاعر محمد حلمي الريشة إلى سمات أسلوبه ذاتًا فوق ذوات. قلَّبَ جمال أفكاره بلحظة عاصفة أدهشتنا. أثار الرغبة في الحزن والفرح بصورة عجيبة مميزة خرجت من صميم أعماقه ومحيطه. جاء إبداعه من عدم تخلّصه من انتمائه، انطلاقًا من هذا يشعرنا محمد حلمي الريشة بالتخاطر في حدائق صحرائه قاضمًا قهر الرجال. لا يقصد خضوع المرأة الموصومة بحوّاء. حاذق ببراعةٍ يذلل انثيالة المفردة بغزوٍ جديد. عالج العقم الفكري بذوق أصيل غير مهزوز مكتسبًا جاذبية حين ينتقل بين اختصاراته النوعية. يقول في قصيدته "رواغ":

لا تَدَعِيهِ يَشْعُرُكِ

- هذِهِ اللَّيْلَةَ -

أَنَّكِ وَحْشٌ ضَئِيلٌ

وَجَنَازَةُ سَرِيرٍ أَعْمَى !

 

الرواغ إمعان في التربص وتعمد في الغدر. انقلاب في ظلماء ميتة. منطقيًّا؛ يقف اللامنطق في الرمز الشعري موقف الضد. هذا ما يغمرنا به ناب قصائده بالمعنى اللغوي. بحركة لولبية يناقش ما يثير الحياة في مكمن صفاتها، يقول:

البَيَاضُ الَّذِي هَبَّ فُجْأَةً

- مِنْ فَرَاغِهِ -

لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ ابْتِلاَعَهُ

بِلَمْسِةِ عَيْنٍ يَتِيمَةٍ

وَبِأَرْمَلَةٍ سَودَاءَ مُبْهَمَة !

 

تحذرٌ موزون بعناصر التناغم المترابطة. جوهر الشيء من ارتفاعات النفس صعودًا بالزمن، ممسكًا بيده نثر زجاج حادة التماعاته كلآلئ الموج الفضية حين ينعكس عليها ضجيج الشمس. في المقطع الخامس نجده يقول:

تُحَاوِلُ ابْتِلاءَهُ

بِقُصْفَةِ صُرَاخٍ مُمَغْنَطَةٍ

لكِنَّهُ ..

أَصْبَحَ أُذُنَ ارْتِيَابٍ ثَرِيٍّ ،

وَلِحُزْمَةِ مَا سَخِرَتْ مِنْهُ أَسْلاَكُهَا الرَّطْبَةُ

لَمْ تَعُدْ تَصْلُحُ حَتَّى

لِنَشْرِ غَسِيلِهَا الأَبْكَم !

 

التفاعل الإنساني تصطحبه انقلابات زمنية في قصيدة "خشخاش". عنوانها يفتح ما يدور عند الشاعر من تنوع متناغم، وكما يُعرف الخشخاش أنه نوع من أنواع الزهور الجميلة، وما تحمل من دلالات عناصرها، بل رائعة الجمال يستمد من عنوانها اختياراته في الذوق السامي ناسجًا قاموسه الشعري بحفاوة، يعلم مأساة نسيجه الناضج، قوامًا بقوله في المقطع الثاني من القصيدة:

أُقَلِّمُ شَوْكَةَ الغَسَقِ بِكِتَابِ الحَنِينِ ..

مَا مِنْ مَسَاءٍ إِلاَّ وَأُخْدُودُهُ نَافِرٌ

كَنَصْلٍ أَعْشَى

 

- إِذًا ؟

- ...

 

انتماء مدغم بفكرة التوحد بالجمال نافذًا بجاذبية العقل القامع عرقلة الخطوط الشخصية المقاومة. تتفق مع حقيقة شعوره. يعطينا حرية فهم الحالة متذكرًا أنه لا بد من استمرار الحياة، حتى لو ولد بدون مشيمة تقوي من عزمه:

تَذَكَّرْ ..

- أَيُّهَا الغَامِضُ فِي فَرَاغِ رَحْمٍ - :

هاأَنَذَا أَشُدُّكَ إِلَيَّ

بِصِيغَةِ حَامِضِ نَهَرِي ؛

ذلِكَ الَّذِي يُسِيلُنِي

مَقْذُوفًا       نَحْوَ       مَتَاهَةِ       فَرَاغ

 

حالة موت تعمل على إنعاشها بعد رجةٍّ قد تزيد من ارتعاشات الوجد التي أصبحت كحالة جنسية لا طعم فيها حين تكون لحظاتها مغتصبة. غريزة منكوبة بجمود لذتها. فاترة من كل شعور، حيث يقول:

كَأَنْ لَمْ يَكُنْ صُبْحٌ سَيَأْتِي

- ذَاتَ نَوْمٍ - ؛

بِدَوَرَانِ بَيَاضٍ حَوْلَ بِذْرَتِهَا

أَوْ ..

بِاهْتِيَاجِ ثَغْرٍ مِلْءَ وَرْدَتِه!

 

تحت سيقان الخشخاش يرفض الموت وعتمته. يتأوه بنكهة الخشخاش فوق جفاف لا يعرف الشمس. لا بد أن تصيبه العفونة، ثم يعدم نفسه أمام خيانة منحته خشونة الموقف. اعتمد بريد السرّ. أصبحت المسافة معدومة داخل الشك بنفسه إذ يقول:

وَلَمْ

نَكُنْ

أَحَدْ!

 

يواكب تحدياته الشعرية بوسائل معاصرة للحقيقة المعيشة بذات لا تنتظر أبدًا الانحناء. أبعد ما يكون عليها الوصول للطريق بتآكل الزوايا. هياج في الفكر والتاريخ إلى آخر القصيدة. يمرّ بتضاريس بيولوجية طبوغرافية في قصيدة "رغوة" التي تحمل جنونًا أمتع جوف الانزياح في المقطع الأول، يقول:

لاَ أَحَدَ يَشُدُّهُ إِلَيْهِ

فِي مَسَائِهِ الضَّيِّقِ

فَحِينَ وَصَلَهُ انْتِظَارُهَا

رَأَى الفَرَاغَ يَتَفَرَّسُ مَلاَمِحَهُ

وَسَمِعَهُ هَمْسًا :

كَأَنَّهُ ...

هُوَ!

 

ما دامت هناك أسرّة للقبور، يبقى المساء نافرًا، والعقيدة قائمة يحنّطها القصور المعتم. إسقاطات ينمّيها عالم القهر تقام عليها أضرحة الإدراك، والقصيدة "زوال" تزأر لأخذ البركات قائلاً:

سَتَذْهَبُ

[ ذَاتَ يَوْمٍ مَضَى غَدُهُ ]

إِلَى جُمْلَتِكَ المَرِيضَةِ؛

تِلْكَ

الآيِلَةِ

إِلَى

عَادِيَّةِ البَسْطِ تَحْتَهُ،

كَخُشُوعِ شَمْعَةٍ مُشْرَئِبَّةِ الذُّبَالَةِ،

وَالْتَتَنَفَّسُ بِخَيَاشِيمِ وَرْدَةِ العَتْمِ الضَّئِيلَةِ،

 

تعلّمت الإناث الصوم على الشوك. يحلمن بضوء أو شعاع. يفتح حقب الثقوب الوهمية. الشاعر هنا يعتمد حالة استنباط مستخدمًا السبب في الارتباط بصورة نسقية لفكرهِ. الشاعر محمد حلمي الريشة يؤرّخ طريقًا لإحساسه المتماسك للافتراضات. انشغالاته تدفع بتأثيرها العظيم فيما يقول في القصيدة نفسها "زوال":

سَتَرَى كَمْ كُنْتَ شَقِيًّا وَصَالِحًا لِلتَّوَهُّمِ،

مِثْلَ زُجَاجِ حَدَقَةٍ أَعْمَى..

أَيُّهَا الشُّعُورُ بِهَا!

 

كصيحةٍ مبهمة في سماء أغلقت آذانها عن طلب سبق وأن كان الجدل فيها طويلاً. ثعلبة مزدوجة تلك القصيدة، قمّة الديوان لما تحمل من مفاتن لم يعلن عنها بعد:

كَخَجَلِ ثَمَرَةٍ تَتَعَاذَرُ قُبَيْلَ لَمْسَةِ النُّوَاةِ..

فَكُنْ حَيْثُ لاَ تَكُونُ،

وَلَوْ بِضَجَرِ ثَعْلَبٍ يَلُوكُ مُخَيَّلَتَهُ،

 وَبِرَخَوِيَّةِ أَعْضَائِهَا تِجَاهَكَ، فَقَطْ..

أَيَّتُهَا الشَّرِهَةُ اليَابِسَة! 

 

تحمل مزدوجته هذه في طياتها كثيرًا من الأبعاد الرغوية في قلب الجسد. يكفي أنها لعنة الدفء. مكابدة نضجت في غير مكانها. يوشحها الحزن. غزلت لمخادعها ألوانًا من الغضب. ربما النفس تبقى فيحاء. ربما تقطع حبلها السريّ. لغة الجنس. لغة الحرير. ابتكار لمضمون يخفي التقطع. فقدان الإنسان أسباب عناصر وجوده منسلخًا بالترقيم ثم التفريق. قمة المكابدة. تفسير رمزي واضح في استمداد المفاهيم:

إِذًا:

سَتَخْرُجُ مِنْهَا؛

لِتُوْلَدَ دُوْنَ حَبْلٍ سُرُّيٍّ يَلُفُّ

فِكْرَتَكَ الطَّائِشَةَ الجَمَالَ،

فَلاَ فُسْحَةٌ فِيهَا؛

لِتَقُوْدَ عَصَاكَ نَحْوَ انْفِرَاجِ

مَرْمَرِ العِتْقِ،

ثَانِيَةً،

مِنَ انْكِمَاشِ نِدَائِكَ المُتَكَرِّرِ،

لَوْثَةً إِثْرَ لَوْثَةٍ،

 

نشاهد تشظي العقم المقيت. تأويل له تحليلات أخرى للبعد المطلوب والموجود في صياغة المقطع. واقع في مهمة التحديث في خطوط القصيدة. مجمل ما يريد قوله أو البوح به في قصيدة "سأم" إنهما سيان؛ جمال الوطن وجمال دفئها، ولا بد من افتضاح أمريهما. هي أنقى من الصفاء، والوطن أغلى من الروح. في المقطع الثاني من القصيدة يقول:

حِيْنَ رَفَعَتْ كَأْسَ الغِيَابِ إِلَى غَيْبُوبَةِ فَمِهَا

لَمْ تَكُنْ لِتُدْرِكَ أَنْتَ

/ حِيْنَهَا /

مَنْ يَشْرَبُ مَنْ ؟!

 

تداخل ملكات لنغمة واحدة. عرج شوقها يهدهد ملل أرضه بالقوة نفسها زمانًا ومكانًا. في روحيهما تتعالى قوة شوق شديد. الشاعر لا يريد تعطيل خضرة باسقة تقوم ظلالها على الشاسع من ضياء النهار، لكن هناك صفرة ناشطة تأكل أماني المستقبل بحاضر مقهور متكرر المحن. نجد ذلك في المقطع السابع من القصيدة "سأم":

تَفْجَؤُكَ بَعْدَ انْهِمَارِ سُعَالِ الأَصَابِعِ ،

وَانْهِيَارِ سَيْلِ الأَسْئِلَة :

/ - كُنْ ضِفَّتِي الوَاحِدَةَ .. لكِنْ /

دَعْ مَوْجَكَ فِي خِزَانَةِ الثَّلْج!

 

دروس السقم بهذا الجنون لدرجة المستحيل حتى يصل الأمر فقدان العقل. تحيلك قصيدة "جويس" إلى درجات الهلاك. بداية النهاية. هو يعلم أن لا مجهول للمسبّب. حضور يقود إلى نتيجة متمثلة بالسلبي، حيث الجلوس تحت ظل الخوف تعاقره متخطيًّا ثواني القلق المطحونة، حيث يقول في المقطع الثاني من "جويس":

تَ

هْـ

بِ

طُ

سَلاَلِمَ الأَمَلِ دُفْعَةً

تَتَكَرَّرُ

مِثْلَ مَوْجَةٍ تُتْقِنُ دَلاَلاً

عَلَى

خَلِيجِ دِلْتَاهُ ..

تُسْرِعُهُ بِاضْطِرَابِ نَظْرَتِهَا

المَائِلَةِ

كَأَنَّهَا تُطَارِدُ حَلَقَةَ دُخَانٍ

بِشَهْوَةٍ عَرْجَاءَ

وَ ..

سَاقَيْنِ مِنْ طَمْيِ خَزَف!

 

ماذا تقول لمن صبغ لحظات اليوم؟ لأفئدة وجلة تعيش مذابح منذ شهقت بأول حلمة لثمتها أفواههم؟ يولدون أقمارًا بوجوه طرية منطلقة بصراخات مثلومة. هكذا نجد المقطع الخامس من قصيدة" جويس":

" مَكَائِدُ يَدَيْكَ العَمْيَاءُ

فَوْقَ نَهْدَيَّ المُرْتَعِشَيْنِ

الحَرَكَاتُ البَطِيْئةُ لِلِسَانِكَ المَشْلُولِ

فِي أُذُنَيَّ المُجَيَّشَتَيْنِ لِلْعَوَاطِفِ

كُلُّ فِتْنَتِي الغَارِقَةُ فِي عَيْنَيَكَ دُوْنَمَا بُؤْبُؤَيْهِمَا

المَوْتُ فِي بَطْنِكَ وَهُوَ يَلْتَهِمُ دِمَاغِي

كُلُّ هذَا يَجْعَلُ مِنِّي آنِسَةً غَرِيبَةً"*

ها

أَنْتَ

إِلَى

زَوَالٍ

- مِثْلَ دَبَقٍ تَعَرَّشَنِي خِلْسَةً -

أَغْسِلُهُ بِعَضَّةِ القَلْبِ ..

ها

أَنَا

- فِي انْفِلاَتِكَ -

بَقِيَّةٌ كَامِلَة!

 

الشاعر محمد حلمي الريشة يعاقر خمر عذابهِ الذي أدمنه منذ فتح شموع حدقتيه لصوتها. صاحب نمو عثراته عوده الزبدي، ما قاد نهر شبابه إلى النضج الكامل قبل أن يكون جنينًا في رحم الألم. في قصيدة "لألأة" في المقطع الثالث يقول:

فُجْأَةُ الأُذُنِ الثَّالِثَةِ

طُيُوبًا

يَ

نِ

زُّ

الأَثِيرُ

...

تَوَاصَلْ أُفُقِيًّا

أَيُّهذَا الأَلَق

 

ثم يسحبنا إلى المقطع الرابع بطريقة عجيبة:

نَوْمُ صَحْوَةٍ

فِي غِشَاءِ حُلُمٍ

...

بُسْتَانُ أَرِيكَةٍ

مُسْكِرَةٍ

تَنْتَظِرُ كَأْسَيْنَا

حَتَّى

ثُمَالَةِ الخَضّ

 

كأنه جالس على حافة العشق المدهون بشحم أفعى امتصت دماء الورود آخذة منها الحب لجنسها. عمر مفقود تعجّ به الديار تاركة ساعات سودًا، آثارها باقية بين عشب يعاصره دغل ممتد إلى أبعد زمان مثخن بالوجع المستباح، يعيد الإنسان مرات ومرات إلى الوقوف والتأمل، إذ يقول:

مَعًا نَنْحَنِي

نَحْوَ

مَهْبِطِ الغَيْبُوبَةِ

كَيْ يَنْتَصِبَ فِينَا الدُّوَار

 

كيف تُعرّف شيئًا لا يُعرّف كالهواء والإحساس؟! هذا ما يريد الشاعر محمد حلمي الريشة تعريفهُ. الشعور عند البشر ذوي الحساسية يمثّل ما يخلقونه من إبداع في الشعر. منذ أول صرخةٍ تنطلق من أفواههم. يكبر معنا الإحساس بعدة اتجاهات واختلافات. قصيدة "حواس" رمز التواصل الحرّ، فتحت بين الشعر والشاعر مسافات إذ يقول:

كُلَّمَا ..

وَقَعَ الصَّمْتُ حَوْلِي

كُلَّمَا ..

تَحَسَّسَتْ أُذُنِي

وَقْعَ خُطْوَتِكِ القَادِمَة!

 

التفاعلية موجودة في محاورة النفس. توغل في الجذوة من الإحساس. بياض مندرج فوق الخصوصية بهذه الصور، يقول:

إِشْرَاقُ وَجْهِكِ كَانَ مِرْآتِي

نَظَرْتُ فِيهَا بِعَيْنَيْنِ

مِنْ أَمَلَيْنِ لأَرَانِي ..

فَكُنْتِ أَنْتِ!

 

ترقص الكلمات داخل إطار من نور. الزمن أوشك أن يدق براكين الصمت. حتى الهواء أصبح في نظر الشاعر رخوًا. أوضح ذلك التفاؤل في قصيدتهِ "حواس" قائلاً:

كَأَنْ كُنَّا

نَبْحَثُ عَنَّا ..

كَأَنْ كُنَّا

نَسِيرُ إِِلَيْنَا ..

كَأَنْ لَمْ نَفْتَرِقْ غَدًا

إِلاَّ لِوَعْدِ الأَمْس!

 

في قصيدة "نشيش" هياجات والتحامات. تصدٍّ وتصدع وتفتح وانغلاق. توثب وتشهدات تنوح بمفاتن نقوشها، ما تكاد تنفك خطوط حتى تعود عليك بالتمعن، كي تتوصل إلى الوضوح من جديد، حيث تجد في هذه القصيدة صورة من صور الحلم المنبثق لأسمى معاني الجسد الجمالية إذ يقول:

كَأَنَّكِ طِفْلَةٌ تَعِدِّينَ بَاقِي المَسَافَةِ ..

كَأَنِّي طِفْلٌ أُعِدُّكِ شَهْدًا لِشَفَا شَفَتَي ..

كَأَنَّا طِفْلاَنِ كَبِيرَانِ يَهْبِطَانِ العُمْرَ إِلَى

أَوَّلِه!

 

صيغ جمالية يبدعها الشاعر محمد حلمي الريشة ليأخذك إلى فضاءات مشرقة من لذيذ هذا العمر المنسكب على الحياة ممجدًا شعائر الحب في المقطع  الخامس من القصيدة:

بِصَلِيبِكِ وَدُعَائِي ؛

أَقْلَعَتْ عَنْقَاءُ الشَّوْقِ بِرَفِيفِ أَجْنِحَتِنَا /

نَحْوَ مَحْمِيَّةِ

الوَجْد!

 

في قصيدة "نشيش" يرسم لمخيلتك ألف منفذ، جاعلاً نهارك خاليًّا من أي حرقة، لو تابعت حركته اللولبية، ودخلت معه مواطن الخيال، ستجد نفسك تذوب رعشة، وتطير بجنح فراشة، وأنت ترتشف عسل الكلمات حتى آخر مقطع من القصيدة:

ثَانِيَةً أَؤُوبُ إِلَى وَحْدَتِي الطَّائِشَة ؛

كَأَنِّي تَأَخَّرْتُ عَنْهَا بِضْعَ أَرَقٍ /

فَرَاغٌ آخَرُ اسْتَقْبَلَ شِبْهَ

انْتِهَائِي!

 

"اختزال"؛ هذه القصيدة من عنوانها تبحرك في عالم ميتافيزيقي، وشيء من الصوفية، أو توصلك حدَّ التوحد لوصول حالة التعلق بالشيء المفقود، ثم تجسيد الخيال الضمير، كما فعل (هتشكوك) في أفلامه، حيث يقول شاعرنا في مقطع من القصيدة:

آنَ لِي

[ بَعْدَ انْخِطَافِي إِلَى بَرْزَخِ الحُلُمِ ]

أَنْ أَشُدَّكَ خَصْرًا

وَحَصْرًا

نَحْوَ لُغَتِي

كَيْ أَتَهَجَّاكَ ، وَتَبْقَى

أَبْجَدِيَّتِي المَالَ عَرْشُهَا

إِلَى صَوْتِ

صَادِ الصَّبَابَةِ

وَبَلِيغِ بَائِهَا

 

قصيدة "اختزال" كموجات البحر وفقاعاتها تحدو بك إلى الوهم في تقلباتها؛ ما أن يدخل رأسك دوار البحر حتى تغرق في صوفية العشق الأبدي، ولم تستطع الانفلات من ذلك الانجذاب الموحش، والمتشابه جدًّا بالسراب، فتبقى مدفونًا في خشونات أخرى من موجات تصطادك، إذ يقول:

سَأَصْطَادُ سِرْبَ خَيَالاَتِكَ

بِخَدْشَةٍ طَائِشَةٍ

أُضَفِّرُهَا بِدُوَارِ العَاطِفَةِ

أَعْجِنُهَا بِمَحْلُولِ الحَنِينِ

وَأَدَعُ رُؤُوسَ أَصَابِعِ الانْتِظَارِ

تَُنْقُرُ

عَلَى

صَهْوَةِ الوَقْتِ ثَانِيَةً :

أَمَا آلَ لِي!

 

في قصيدة "أشياء" يوجد استحداث لغوي للذائقة الشعرية هيمن على تفاصيل أنماط التعبير فنيًّا. أشاع بحكم شهواني احتواءً نفسيًّا للشعر بقدرةٍ معرفية نجدها في المقطع "كاميرا" من القصيدة:

الكَامِيرَا الَّتِي أَخْفَتْ عَيْنَيْكِ عَنْ الْتِقَاطِهَا أَحَسَّتْ بِحِسِّ أَنْفَاسِي؛ أَلْقَتْ عَلَيْهِمَا غِشَاوَةَ سَهْوٍ إِذْ خَزَنَتْكِ فِي أَحْشَائِهَا لِتُظْهِرَكَ لِي كُلَّمَا [دَائِمًا] تَقَوَّسَتْ مُخَيَّلَتِي وَاشْتَدَّ سَهْمِي! 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home