القلم الفكري

 

المدينة الفاضلة في فكر الفيسلسوف مدني صالح

الدكتور عبد الستار اراوي



المدينة الفاضلة في فكر مدني صالح

 

تحية الى روح فيلسوف العراق ومفكر التنوير مدني صالح....

والى مدينته هيت والى اصدقائه ومحبيه....

 

 

                                 بقلم: الدكتور عبدالستار الراوي

 

مدينتة الفاضلة

ـــــــــ

يقدم مدني صالح (المقامة الفراتية), يتحدث فيه عن مدينته (هيت) تلك المدينة التي اختطفت قلبه الى الابد(ولو كانت ولادة ثانية ونشأة أخرى بإرادة وحرية واختيار لما اخترت سوى الولادة في البيت الذي ولدت فيه ولما درست الابتدائيه الا في مدرسة هيت)هكذا تكلم مدني صالح.

هيت تمتد في الزمان والمكان..تصير في ذاكرة مدني صالح حركة خالقة,لفردوسي انساني..واقعي,لحماً ودماً.حقيقة تفوق(المدينة الفاضلة) ..في كل الأفكار والفلسفات,والعالمين..

انها (الرحيق)الذي يغذي قلبه.نفسه,عقله..ووجدانه..فذاكرته المتقدة دوماً,لم تبارح ساحة السراي..تجذبه اجراف الدرستانية ويحن حنين العاشقين الى منازله الاولى,في المجنون,والحنينة والخوضة وبستان الحجي.

وفي البدء كان الحب,

وكان الفرات..

ومن المياه الأولى إنبثقت هيت..

ومن شواطئها السخية,

صدرت الموجودات..

وجرى على أرضها نهر الجنة..

ومن هيت لا من مدينة سواها,

حملوا(هُبل)وسارت به وبالهوى الإبلُ..

ومن هذه المدينة لاغيرها,

خرج البناة الذين أشادوا الاهرام في مصر والسور في الصين..

والبرج البابلي في العراق..

وقالوا: أنها سومرية..

وقيل:انها قامت وازدهرت قبل ان يكون احد من السومريين في الوجود

 نقلوا منها:

الطابوق والحجارة والقار والجص وجذوع النخيل..

وان المعماريين قد سافروا منها الى( أريدو) فتفضلوا على أهلها وعلموهم بناء الزقورات..

انها مدينة الحب, لاقاتل ولامقتول,الا قتيل الهوى في أسفار العشاق الفقراء..

ومنهم(صابر بن ايوب)الذي كان لايرى الحسناء الا ووقع بين يديها مغشياً عليه,ولايفيق من الصرعة الا على التسبيح بإسمها اربعين يوماً,وقالوا: انها اول باب يفتح لاكرام الضيف,واضرام النار..

وذلك ان آدم عليه السلام,بذر اول ماهبط من السماء حفنة قمح في(الخوضة) وحفنة شعير في(حمادي) وحفنة عدس في(وادي العيدي)..

وزرع في اليوم التالي نخلة في (الدرستانية),وزيتونة في(المجنون) وكرمة في(القبانية) وزرع الليمون في(المعيديات)...

ويحلفون ان رغيف الحسناء في بلدتهم يكفي الرجل عمرين,

_عمراً سعيداً في الدنيا..

_واخر سعيداً في الجنة..

لايجوع بعده ولايشتهي من الزاد طعاماً الى يوم الدين..

ويحلفون انهم اول من دللّ المرأة لم يسبقهم أحد الى اختراع تدليل المرأة في التأريخ,لم ترفع قط عاشقة في بلدتهم الى السماء,الا سبقها العاشق الى النجم ليملأ لها من النجم زنبيلاً..

حتى صار كل النجم قلائد للعاشقات ويحلفون ان حمورابي منهم, وانه هو الذي حمل من هيت,المسلة والأسد,وباب عشتار,وقناديل الجنائن المعلقة الى بابل..

وان نفوط الدنيا كلها,تجري من عين تحت بلدتهم الى حقول النفط في كل اقطار الدنيا..

واذا وجد الانسان نخلة في المريخ فمن الفرات تسقى لا من النيل ولامن دجلة,ولا من السين او الفولكا ,او التميس, ولا من الدانوب..

وفي جامع البلدة مئذنة يعتقدون انها أعلى مئذنه في الدنيا..وفي حرم الجامع محراب ومنبر يعتقدون انه لأاقدم منهما الا محراب ومنبر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم..

ويعتقدون ان جامعهم هذا من تأسيس الخليفة عمر بن الخطاب وان خالد ابن الوليد صلى فيه ركعتين تحية للمسجد في طريقة الى الشام مارا ببلدتهم هذه التي فيها اقدم شجرة زيتون... واقدم شجرة توت..لا اقدم منها الا الزيتون المذكور في القرآن,,والتوت الذي خصف منه آدم وخصفت منه حواء.."إذ طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة"..ويعتقدون ان الفرات نهر من انهار الجنة التي وعد الله بها المتقين,وانه ينبع من الجنة فيبدل طعمه لحظة دخوله حدود الدنيا,لايعود الى طعم سلسبيل الجنة الا لحظة دخولة هيت ليبدل طعمة مرة اخرى لحظة خروجه منها الى سائر الأراضي..

لكن اهل المدينة الفاضلة,

لايفاخرون الناس الا بالدعة والطمأنينة,والمسالمة,والمحبة,والدماثة,وحسن المعاملة,والمجاملة,والأناة ,والدقة,وقلة الكلام.

و لايتوكلون الا على الله فهو وحده حسبهم ونعم الوكيل,لاالقرش الابيض في الأيام السود..

ولايتباهون الا بأن الشرطة في بلدتهم يقضون كل الوقت يدخنون السجائر,ويشربون الشاي, ويلعبون النرد,ويأكلون الكبة والكباب,تحت اشجار الدفلى والكالبتوس في الحديقة امام باب السراي..

تلك مدينته التي احبها حباً جما..

فيعيد قراءة نبضاتها الاجتماعية,نبضاً نبضا,ويذوب شوقاً عشقاً,للرمل والبساتين ويبكيه شجن النواعير..ينزل الفرات,او يلج (المجنون) و(الخوضة),يلتقط افراحه الكبرى , بطلع النخل حتى تصير تمرا,اول ماتنقر منها الطير ..يمتلء قلبه غبطة بأزهار المشمش والخوخ والرمان وقداح البرتقال...

وتجئ ايام الطفولة اليه تجري صحبة فيضانات تصير بها البساتين انهارا,فيجري والصبية بزورق القصدير من نخلة الى اخرى,ومن الرمان الى التين..ويشرب الماء صبياً,كرعاً من اجواف الشط ومن الترع والسواقي في البساتين..ينبطح ويمد رأسه في الماء يكرعه كرعاً..مثلما تفعل الماشية والخيول..

وبرفقة الصحبة الخالدة يخيفون الذئب في البرية.فتنهزم الذئاب متراكضة اول مايرفع الصبية الدشاديش وماكانت هذه الذئاب الا جدياً يبتعد او خروفاً يقترب او علامة على تل في نهاية الطريق..اوقدلاتكون الذئاب الا صنفاً من اشجار الطرفاء او الصفصاف..

تلك مدينته التي أحبها,التي لايرى في الدنيا اجمل منها,انها عاصمته,,(إذ لاعاصم له من امر الله يوم المنتهى),يعتقد بان جميع مواطني هيت حكماء وفي مرتبة واحدة في نفسه ووجدانه..واطيب رائحة يشمها في بغداد هي(القير),هات الحديث عن الزوراء اوهيتا..

 ومدينته خالدة,إزدان بأسمها ديوان أبي نؤاس,وأزدهر بها هيرودوتس,وهي مدينة عند الطبري,ومدينته عريقة,قبل لندن وباريس وبغداد..ومنها خرج باب عشتار..ومنها حملوا هُبل..وحمل مدني صالح نفسه الى كل مكان..

والان تعالوا ندخل مدينة مدني صالح الفاضلة...

هذه بلدة آمنه مطمئنه,تنام مع النخيل اذا جاء المساء,

لايعلو منها صوت على صوت الريح في سعف النخيل واغصان الشجر,تستيقظ مع الدبكة..وتصلي الفجر,وتمجد العمل..

وقانون المدينة الأول هو(العدل),الذي يعني:"الناس فيها سواسية"لاغنيّ فيهم ولافقير..

يأكلون ممايزرعون,ويجئ قانون التكافل الاجتماعي الذي يسد حاجة الانسان,فيطعمون بعضهم مما يأكلون,ويلزم النظام الإقتصادي الذي اعتمدته تلقائيه(القناعة),ان لابيع يجري في المدينةولا شراء,لااجار ولااجرة ولااجور,,لااستئجار ولا رهن,ولامراباة ولاغش,ولااحتكار ولا احتيال,لاعقود ولاشهود..

وبسبب قانون(الفزعة) الجمعي,فليس ثمة من يتقاضى اجر على عمل,إلا المودة في حب البلدة,والشكر على حسن المواطنة,وراحة البال..

والمدينة معنية بزراعة القطن,تحيكه غزلاً..لكل السكان,يكسون معاً ويعرون معاً.\مثلما يشبعون معاً ولايسأل احد في البلدة اجراً في التعاون على بناء بيوت هي مأوى للجميع..

يأكلون مما تنبت الأرض,,ويطعمون الغرباء والمنقطعين والضيوف,وينامون مع النخل اذا جاء المساء,,لا لغوّ في البلدة ولاتأثيم..

لايرفع احد صوته على أحد في خصومه او في جدال,لاخصام ولاخلافات..

هذا وفي البلدة (سراي),,وفي السراي اربعة من الشرطة وعريف,لايراجعهم احد من سكان البلدة في امر..فلاخصومة او جدال..

تلك هيت المدينة الفاضلة,التي لايتعاطى اهلها حديث الفلوس,ولاتعامل لهم بها,لافي دخل ولافي خرج..

ولايختلفون حول شئ بسبب الفلوس,يحرثون ويبذرون,يزرعون ويغرسون,فيأكلون من الحاصل والحصيد,ويطعمون: النجار,الحداد,الحلاق,البناء,والحائك,والغريب الطارئ,والمتقطع اليتيم..

وفي البلدة غريبان,إسكافي من حلبّ,وحّذاء خيول من بيروت..يسمون الأول(الحلبي)ويطلقون على الثاني (البيروتي)ويجلون مقام الإثنين ويكرمون اقامتهما,إجلالاً مدهشاً واكراماً منقطع النظير..

ابطاله:

جلجامش

افلاطون

وثلاثة عظماء يؤلفون وجدان هذا العصر في الثقافة وضمير جميع العصور.جان بول سارتر,وبرناردشو,وبرتراندرسل.ورابع  لاأسميه كفاية عن كل عظيم برفض الجوائز..هذا في المعرفة وفي الأخلاق وفي الجمال وفي الوجود اما في التربيةوفي السياسة فلا يصدرون الا من افلاطون..

اعظم الفلاسفة(ارسطو وافلاطون)

صابر بن ايوب

وفرايداي,

والتاج هو الوطن والوطن والوطن...

 

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home