القلم النقدي

 

نظرة على قصة الجريمة لنجيب محفوظ

محمد ذهني



 

نظرة على قصة "الجريمة" لنجيب محفوظ.

مأساة وطن                           محمد ذهني / مصر

 

هناك عدة أنواع من القصص الرمزية ذات الإسقاط . النوع الأول هي قصص تدرك من أولها أنها رمزية ، وتدرك بعدها إلام ترمز . ثم تتبع بناء الرموز  والإسقاطات بشوق أو بدون حسب كفاءة الكاتب. وهناك قصص من هذا النوع يسرف الكاتب في رموزه حتى يضع أسماء محرفة مثل" أدريكا" نسبة إلى أمريكا .....الخ.

النوع الآخر هي قصص قد تدرك من غرابة الحدث أنها رمزية ولكنك لا تفهم الرمز. ثم تأتي النهاية بالحل أو لا تأتي. تتركك مفكراً لفترة محاولاً ترتيب أحداثها. عاجزاً أحياناً . وقد يشطح بها الكاتب في بعد فلسفي متفنناً في تصعيب سبر أغوارها . فخوراً لعدم فهم الناس لها.

 

أما النوع الثالث فهي قصص عادية أحداثها عادية . تتابع تلك الأحداث حتى تصل إلى النهاية. وحينها بكلمة أو جملة تدرك ما قد يرمي إليه الكاتب. ربما يفوت البعض هذا لكن لا يؤثر على استمتاعه بالقصة بصورة طبيعية. وهذا هو النوع الأصعب على الكاتب. فهو يدس الرمز بدهاء . وقد ينتظر دون أن يدرك أحد رمزية تلك القصة.

وقصة الجريمة لنجيب محفوظ تنتمي للنوع الثالث. فهي قصة عادية جداً قرأتها في شوق لمعرفة النهاية. وما أن أدركت النهاية حتى عدت للبداية ثانية. أقارن بين الأحداث بها وبين الأحداث الواقعية التي ترمز إليها. أتابع مهارة الكاتب في نسج خيوطه بنعومة ليبعدنا عما يريد ثم يقذفه في وجه القارئ عندما ينتهي النص.

 

القصة باختصار عن ضابط مباحث يعود لضاحيته القديمة(العباسية) التي هجرها منذ ربع قرن. متخفياً في شخصية سائق تاكسي. ليحقق في جريمة، تلك الجريمة مر عليها خمس سنوات  واكتشفت الجثة حديثاً مشوهة ومحروقة.والتي يُظن بان أهلها فقراء وأغنياء ورجال أمن يعرفون القاتل ويتسترون عليه خوفاً. ويحاول الضابط الاندماج في الضاحية وتوثيق الصلة بأهلها، يجدها مغلقة على نفسها بأهلها ولا تسمح لأي غريب بأن يعرف أسرارها. حتى أن ضابط الشرطة بالمنطقة يستدعيه ويحقق معه شكاً فيه. ثم يقوم بمراقبته وتتبع خطواته. وضابط المباحث من ناحيته يحاول الدخول في أي حديث أمامه عن الجريمة . لكن يقابل بالصمت والتنبيه من وجوده كغريب. وفي مرة يلتقي بالرجل الذي اكتشف الجثة ، وهو أحد البناءين. ولكن يفاجأ باختفاء الرجل بعدها. ومرة يراقب امرأة ظناً في معرفتها بالقتيلة لكن ضابط الشرطة يبرز له معلناً عن رقابته له. وكانت الطامة عندما جلس في الحانة.يسمع حديثاً من السكارى ينعتون أنفسهم بالضعف والجبن ويهذون بكلمات خطيرة. يرى الضابط المتخفي لحظتها ضابط الشرطة خارجاً. يخشى الضابط على نفسه . يخاف أن تدبر له جريمة. فيخرج رأساً إلى المحطة. وهناك يدور الموقف التالي:

وفي صحن المحطة شعرت بيد توضع على كتفي فالتفت متوثباً فوجدت الضابط. وقفنا نترامق ملياً حتى ابتسم قائلاً:

ـ جئت لأودعك بما تقتضي به أصول الزمالة.

عدلت عن المكابرة وتمتمت ساخراً:

ـ شكراً.

وهو يضحك:

ـ ولم تترك التاكسي وراءك بلا سائق؟

فقلت ساخراً أيضاً:

ـ أتركه في أيد أمينة !

وهو يعاود الضحك:

ـ ترى ما الملاحظات التي تمضي بها؟

ففكرت غير قليل ثم قلت:

ـ أنكم لا تؤدون واجبكم !

ـ الناس لا يتكلمون.

ـ أعلم أن أرزاق البعض بيد البعض ولكن الغضب يتجمع في الأعماق وللصبر حدود.

فهز رأسه باستهانة وتساءل:

ـ  ما واجبنا في رأيك؟

ـ أن تحققوا العدالة.

ـ كلا.

ـ كلا؟!

ـ واجبنا هو المحافظة على الأمن.

ـ وهل يحفظ الأمن بإهدار العدالة؟

ـ وربما بإهدار جميع القيم!

ـ تفكيرك هو اللعنة.

ـ هل تخيلت ما يمكن أن يقع لو حققنا العدالة؟

ـ سيقع عاجلاً أو آجلاً.

ـ فكر طويلاً، بلا مثالية كاذبة، قبل أن تكتب تقريرك، ماذا ستكتب؟

فقلت بامتعاض:

ـ سأكتب أن جميع القيم مهدرة ولكن الأمن مستتب.

 

عند قراءتي لتلك الخاتمة تساءلت: أليس ما وقع في القصة يشبه ما يقع في عالمنا العربي؟. ظلم وجور وجرائم ضد الإنسانية. كله تحت السطح. الأمن يحفظ النظام. العدالة تقتل وتشوه وتدفن . الجميع يعرف القاتل ويبكي القتيل .  الشعب صامت خوفاً على الرزق والحياة. يعاند أمام أي هاتف خارجي يناديه بالمطالبة بالعدل، يتجمع غضبهم داخلهم. ويظن المشاهد أنهم سينفجرون عاجلاً أم آجلاً. لننظر إلى مصر أيام عبد الناصر وقبل النكسة. العراق قبل الغزو. رفض التدخل الخارجي والخوف من الثورة على الوضع أو الاطمئنان له باعتبار أن جحيم الظلم أفضل من جنة العدل التي تأتي من الخارج . ألم تكن كل القيم مهدرة؟. ألم يكن الأمن مستتب بالقوة؟. ألم يكن العدل موتاً وميزانه البندقية كما قال أمل دنقل في سفر التكوين؟. قد يكون الكاتب لم يقصد هذا كله. لكن المثل الذي وضعه نستطيع تطبيقه على الحقيقة. وهذه هي رسالة الأدب.

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home