قصة

 

رسالة مهاجر سري

رضوان أحمد بسداون



 

رسالة مهاجر سري

 

    مرت ثلاثة أعوام على موت زوجها، ابنها الأكبر غادر القرية إلى المجهول باحثا عن فردوس أحلامه  رسمها في ذهنه جاعلا حياته  رهينة إيجادها.

 لم يرد على زبيدة كتاب من ابنها منذ زمن طويل فقلقت لذلك أشد القلق لأنها لم تعرف عنه شيئا سوى ما كانت تسمعه من فاه بشعيب و محمد من حين إلى حين، أنه وصل إلى الضفة الأخرى وانه يعيش في تلك البلاد عيشة يحسده عليها الحاسدون.

 انشغلت زبيدة بأخبار ابنها ،سألت واستفسرت و بحثت في كل مكان عن إشارات منه ... دون جدوى.

  في أعماق الليل يطويها الحزن و الخوف و الأسى، لم تنم ليلتها ولا ما بعدها من ليلي ، اللهم إلا أن يغلبها الكلل فتغفوا غفوة قلقة ممزقة .

 ثم ورد عليها منه بعد حين ذلك الخطاب يقول فيه:

  أمي العزيزة :

    كثيرا ما فكرت فيك، كتبت إليك رسائل كثيرة ، ثم علمت فيما بعد أنها لم تصلك فأرسلت إليك هذه الرسالة عن طريق صديق له جواز سفر و أوراق إقامة... ربما تصل إليك ولو متأخرة ، لن أحدثك كثيرا عن مغامراتي وقد سميتها مغامرات لأني رأيت فيها الموت مرتين ، فقد بكيث كثيرا و تألمت... فطال علي الأمد و جاوزت المدى...  لم تغيبي عن بالي قط أماه.

أمي العزيزة :

    اعذريني إن كانت رسالتي مشتت الأفكار ولا يجمع بين كلماتها غير الألم .. والحزن... والفراق لقد كتبتها بدمي وعرق بارد على جبيني...

 أمي العزيزة أنت أدرى الناس بأن حياتنا لم تكن مترفة و لا ناعمة بل كانت اقرب أن توصف بالخشونة و الفقر.. و كلما ازداد وعي بالأمور ازدادت حرقة التغيير في جسدي أردت دائما أن نكون مثل الناس مسكنا وملبسا و مأكل كل ما أردته هو إسعادك وإسعاد والدي رحمه الله و إخوتي... لم تفلح كل جهودي و رماني وطني في أعماق السواد و تنكر لي... لم يكن لدي حل سوى أن أظاهره  بدوري وابحث عن الفردوس... والخلاص.

 فليس في تلك الحياة التي كنت أحياها هناك ما يروقني و يعجبني ، كنت أعيش قفرة موحشة لا يؤنسني فيها غير ابتسامتك الوضاءة و دعوات والدي التي تغدقني ببركاتها.

رجائي إليك أن تصبري حتى يتحقق المراد وآتيك مرفوع الرأس... فتنجلي الغمة.. وتزين البسمة وجهك من جديد..فأنال رضا من أسعدتني و سهرت على راحتي.

 أمي الغالية :

وأنا على القارب في ليلة موحشة لايسمع فيها سوى هدير الموج وهمسات الركاب ممن تنكر لهم الوطن أمثالي، كنت أسامر ذكريات ألمت بي فذادت الطمأنينة من قلبي وشككت في الغد الذي طال انتظاره... تذكرتك، وتذكر والدي في فراش المرض وإخوتي، وقطتي البيضاء ونداءات العطار ،وعربة بائع" الجفيل"، وحتى رقية" الشوافة: تذكرتها.. ارتسمت على محياي ابتسامة خجولة ، كيف استطيع وصفها؟

لكني عرفت أن لقائي بتلك الأرض سيتحقق قريبا لم تهمني الأمواج ولا هديرها، ولم تهمني همسات من معي ولا آهاتهم، لم تهمني الأسماك وما تتوعدنا به من شر المصير...

 أنا لم ابغض وطني قط لكن جميع الأبواب أقفلت في وجهي حتى البساتين التي كنا نرتع فيها أقفلت أبوابها دوننا.

في تلك اللحظة بالضبط كانت نفسي عمياء وكان في أعماقي كثير من مشاعر السخط و القلق و الضياع ، كنت ميتا يتنفس ويبصر ويستشعر.

أمي العزيزة :

   ها أنا ذا على هذه الأرض .. تائه ، باحث عن قطعة خبز سوداء، لاتشبع جائعا ولا تغني فقيرا، جميع من معي يتسلقون إلى قمة رغبات قلوبهم، وكل منى يسعى للإسعاد أم أو أب أو إخوة في الجهة الأخرى من العالم لا احد يفكر في نفسه ...فقط أحبتنا.

   ألم تقولي أمي ذات يوم وأنا أضع راسي على ركبتك و بين الفينة والأخرى تمررين يدك الحنون بين خصلات شعري ، ألم تقولي لي أن الحر الحقيقي هو الذي يحمل أثقال ضعفاء القوم لإسعادهم ها أنا ذا حر طليق فقط لا تبخلي علي برضاك... افرحي لي أماه فانا أحوج لنسائم فرحتك، وعبير كلامك الجميل.

 أمي الغالية مهجة قلبي:

 كوني مطمئنة البال، مرتاحة الضمير فرغم مزالق الأيام التي يعيشها ابنك البار، سيلقى السعادة التي يبتغيها فرغم بغي الحاضر ووحدتي المريرة، فإن الأمل يزورني كل يوم ، فهو يأتي كبياض الثلج فيضئ رعب ظلمتي.

أنا الآن أعمل متخفيا في إحدى حقول "لاس بالماس" إنني عامل وهارب في وقت واحد في كل صباح اكتشف المزيد من اللم والفردوس الموهومة التي أرنو إليها ... كيف لا تكون فردوسا وقد تركت ورائي من تنكر لي واستعفف، الإنسان لا يدري ما تخفيه الأيام ولا يفهم ما يقوله الدهر ويهمس به في آذاننا لكن ندعي الفهم فقط لأسباب نبتغي منها تحقيق الرجاء.

أمي الغالية :

 بلغي سلامي لمن يسأل ، ولا تبخلي علي بصالح دعواتك.

بالمناسبة داخل الظرف يوجد مبلغ بسيط استأنسي به حتى أرسل لك كتابا آخر أو ربما يحصل اللقاء.

ابنك البـار

كان ابنها الصغير يقرا الرسالة ويتهجاها، وهي تذرف الدموع مدرارا حتى فرغ من قراءتها.

قالت وقد تنفست الصعداء وضمت الرسالة في صدرها " احمل محفظتك عزيزي فقد حان وقت ذهابك للمدرسة.

 وتستمر الحياة.

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home