القلم النقدي

 

ازمة اليسار الفلسطيني---مازن الشاعر

مازن الشاعر_جنين



ازمة اليسار الفلسطيني-----------بقلم مازن الشاعر

 

العوامل الموضوعية
لم يعط انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية القوى اليسارية فرصة لالتقاط الأنفاس والتقييم والاستعداد للمرحلة المقبلة، فقد حدث الانهيار على حين غرة وأشاع حالة من الذهول والضياع الروحي وخيبة أمل عميقة لدى اليسار المحلي، هذا الذي كان مؤمنا بأن انتصاره على الرأسمالية "حتمية تاريخية".

وبما أن اليسار الفلسطيني اعتبر نفسه جزءا من قوى الثورة العالمية فقد كانت الضربة قاصمة بالنسبة له، فشكل سقوط الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية تسونامي أتى على ينابيع الحياة الفكرية والروحية والمادية لليسار قبل أن يستطيع الاعتماد على نفسه.

ولا يجهل أحد أيضا عنف الهجمة التصفوية الشرسة التي تعرض لها اليسار من القتل والكبت والقمع كأحد العوامل الموضوعية القوية التي ساهمت في أزمة اليسار وإنهاكه.

أهم العوامل الذاتية التي ساهمت في أزمة اليسار الفلسطيني
-
التأرجح الأيديولوجي: باستثناء الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تعود جذوره إلى الحزب الشيوعي السوري، فإن معظم ألوان الطيف اليساري الفلسطيني الماركسي قد وجدت أصولها في حركة القوميين العرب: الفرع الفلسطيني.

درجت فصائل اليسار على تسمية نفسها "اليسار الجديد" أو الفصائل "الماركسية القومية" تمييزا لها عن الأحزاب الشيوعية، ونعني هنا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الفصيلين اليساريين الرئيسين داخل منظمة التحرير الفلسطينية.

وُيستثنى أولئك الذين أطلق عليهم لقب "يسار فتح" لأن لهم خصوصيتهم كيسار ضمن حركة يقودها يمين.

كانت حركة القوميين العرب معادية للفكر الماركسي وللأحزاب الشيوعية بما فيها الحزب الشيوعي الفلسطيني، ويعود بعض ذلك إلى الموقف السوفياتي "والكومنترن" بقيادة ستالين من قرار التقسيم عام 1947 والاعتراف بإسرائيل فور إعلانها على الأرض الفلسطينية، وموقف الحزب الشيوعي الفلسطيني الذيلي له.

كانت لذلك تداعيات سلبية كثيرة في علاقات اليسار تركت شرخا عميقا بينهم وبشكل خاص بين الشيوعيين والقوميين.

وعندما تبنت الجبهة الشعبية أيديولوجيتها الماركسية، اتجهت أولا نحو الصين والأفكار الماوية بسبب تقارب الوضع الصيني الفلاحي مع المجتمع الفلسطيني أكثر من السوفياتي الروسي العمالي.

لكنها عادت للاتحاد السوفياتي عندما نعتته الصين بـ "الإمبريالية الاشتراكية" وابتدأت رحلة زحفها التدريجي نحو أميركا، فانتقلت عندها الجبهة الشعبية إلى النموذج السوفياتي رائدا ومنهلا لها، أما الجبهة الديمقراطية فقد كانت ملتصقة بالاتحاد السوفياتي يوم انشقت عن الجبهة الشعبية عام 1968.

هذا التأرجح الأيديولوجي بين القومية والماوية والستالينية والجيفارية الكوبية، بالإضافة إلى ضغط التأقلم مع مقولة "فلسطنة الثورة" الفتحاوية أدى إلى اختلاط فكري لدى الجبهة الشعبية لم يتم حله حتى اللحظة.

وفاقمت الأزمة الفكرية الانشقاقات التنظيمية التي نجمت عن هذا الارتباك الفكري، وخصوصا انشقاق الجبهة الديمقراطية................

. تجدد الحديث عن أزمة اليسار على ضوء المتغيرات والتباينات في مواقف أطرافه تجاه المشاركة بالحكومة الفلسطينية الناتجة عن اتفاق مكة، حيث أعتبر البعض أن المشاركة ضرورة وتأتي في سياق توحيد الطاقات والجهود من أجل كسر الحصار وإنهاء الفلتان وتحسين مستوى معيشة المواطنين من أجل تعزيز صمودهم والتخفيف من ظاهرتي الفقر والبطالة بالمجتمع ومن أجل انتزاع زمام المبادرة السياسية.
كما اعتبر البعض الآخر أن الاتفاق هو هبوط بالسقف السياسي عن وثيقة الوفاق الوطني (الأسرى) كما انه شكل تجسيداً لحالة الثنائية بين القطبين الرئيسين ومرسخاً  لحالة المحاصصة والانقسام على طريق إعادة تقاسم كل مكونات المؤسسة السياسية والأمنية والوزارية وكذلك منظمة التحرير الفلسطينية في مرحلة قادمة، الأمر الذي يفترض القيام بدور المعارضة وعدم المشاركة في تكوين الحكومة الراهنة.
وبغض النظر عن الاجتهادات والتباينات بين أطراف قوى اليسار تجاه المشاركة أو عدمها في تركيبة الحكومة القادمة إلا أنه يمكن تجاوز ذلك من أجل إعادة اصطفاف القوى المؤمنة بالخيار الديمقراطي وبمنهج العدالة الاجتماعية والحقوق للفئات الاجتماعية المهمشة والضعيفة والمناضلة باتجاه مجتمع مدني ديمقراطي حداثي ومتنور هذا رغم ان رغبتي مع الكثيرين كانت تتجسد بقيام قوى اليسار باتخاذ موقفاً موحداً سواءً عبر المشاركة الجماعية أو المقاطعة الجماعية.

 

ان اليسار الفلسطيني لم يتمكن من التوافق على مرشح واحد ليقدمه للشعب ولو من باب القيام بالواجب والمسئوليات تجاه الشعب وقضاياه، وعلى قاعدة أن الفرص المتاحة لمرشح واحد ستكون اكبر بكثير من هذا الكم وهذه الطريقة.  لو وقف الجميع خلف مرشح يساري ديمقراطي واحد لتمكنوا من أن يشكلوا ضغطا حقيقيا على الرأي العام وعلى أصوات الناخبين؛ ولوحدوا من خلفهم ليس قوى اليسار فقط وإنما كل جمهور اليسار وخصوصا أولئك الذين اختاروا الجلوس على الجدار لحنقهم من الحال الذي آل إليه اليسار وقواه.

والوقت لم يفت بعد لتعود الجبهة الشعبية عن موقفها ويقرر مرشح الجبهة الديمقراطية ومرشح حزب الشعب التنازل لمن هو أكثر حظا من الآخر وليضع الجميع أياديهم معا ليقولوا لشعبهم أن هناك اتجاه يساري ديمقراطي موحد لا مجموعة من الدكاكين التي لا تقيم وزنا لقضايا الشعب ووحدة قواه.

اليسار اليوم مطالب أن يراجع كل حساباته وان يتوقف مليا أمام هذا التشتت الذي لا معنى ولا مبرر له على الإطلاق.

مطالبون اليوم بان يتوجهوا لأنفسهم، لقواعدهم، لجمهورهم في استفتاء عام حول موضوعة وحدة التيار الديمقراطي الفلسطيني وإلا فإنني أبشرهم جميعا بان مصيرهم الهلاك ولن يرحمهم احد من شعب لم يرحموه هم من تفرقهم وتشتتهم وخلافاتهم الغير مبدأية، فلا يوجد لا في برامجهم ولا في سياساتهم ولا في بناهم التنظيمية والحزبية ما يبرر استمرار فرقتهم اللهم إلا كراسي زعمائهم الذين يرفضون التنازل عنها أبدا.

اليساريون الآن، وفي مقدمتهم الجبهتان الديمقراطية والشعبية مطالبون بان يقفوا أمام جمهور مؤيديهم وأمام الشعب كل الشعب وخصوصا الطبقات الفقيرة منه ليجيبوا على أسئلة الناس، لماذا لا تتحدوا في جبهة يسارية عريضة موحده على قاعدة برنامج يلتفت جذريا لقضايا الشعب وطبقاته الفقيرة تحديدا، عليهم أن يجيبوا على أسئلة المثقفين الذين ينتمون إلى فلسفتهم، فلسفة الانحياز لصالح الطبقات الفقيرة بكل الوضوح والشفافية، عليهم أن يجدوا الآلية التي توحد كل قوى اليسار وجمهوره في جبهة موحده ببرنامج موحد يلتفت جديا لقضايا الناس الغلابة ولا يتحجر ميتا أمام الشعارات السياسية الطنانة.

.وفي النهاية فإن التوصيف الحقيقي لأزمة اليسار وضعفه التمثيلي بالشارع الفلسطيني، نابع من ضعف المرجعية الفكرية التي يستند إليها، والتي يرفضها السواد الأعظم من الشعب الفلسطيني، وحتى الموقف السياسي من الاتفاقيات ومناهضتها، كان مائعاً ولم يكن قاطعا، وهذا أدى لارتباك، وإحجام الشارع الفلسطيني عن منح ثقته باليسار بشكل عام...




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home