قصة

 

انتظار

روحي عبدات



انتظار

عندما تزوجته كنت فرحة بفستان الزفاف، فقد حققت حلمي كأي فتاة بعد أن أصبحت عروساً، لي أربعة جدران، وزوج لم أكن أعرف عنه شيئاً من قبل، سوى أنه شاب من القرية وبعض العبارات التي لملمتها من حديث أمي عنه، والتي قالت لي بأن لديه بيتاً وعملاً ثابتاً بدخل جيد، لم أعرف عنه غير اسمه وبعض الرتوش التي حصلت عليها أمي من أبي، كان المهم بالنسبة لي أن أتزوج، وهذا ما زرعته في نفسي التقاليد التي ترفض العنوسة، وتؤكد للمرأة ضرورة العيش في ظل رجل.. أي رجل.

وبعد اليوم الأول من الزواج، بدأت تتلاشى معالم الفرحة من قلبي بعد أن بدأ يتضح حجم المأساة التي وقعت فيها، ليس هذا الرجل الذي كان في مخيلتي، الرجل الذي يحترمني ويقدر مشاعري ويمنحني حبه وعاطفته، والذي ينبغي أن يمنحني الأمان وأعيش في ظله -كما يقولون-، بل كان رجل الشهوات والغرائز وحدها، لا ينظر لي سوى مصدراً لإشباع حاجاته، لم أكن معه سوى أداة من أدوات البيت أو وسيلة من وسائل المتعة.

كان يغيب عني أسابيع عدة، بحجة العمل في مكان بعيد، ثم يأتي كالوحش الذي يمزق أحشائي ويلقيني بعد كل جولة كجثة هامدة، كنت أشعر بأني خادمة له، تحضر طعامه وتنظف بيته وملابسه، حتى أطفاله الصغار، لم يكن لهم الأب الحنون، لم ينالوا منه سوى الضرب والصراخ والاهانات كما نالت أمهم من قبل.

وكلما لجأت إلى بيت والدي لأشكو همي، يلومني أبي ويعيدني فريسة لذاك الوحش من جديد، فمن العادة حسب ما أفاد أبي أن يغضب الرجل ويضرب، فهو يتعب في توفير قوت أسرته، وما على المرأة إلا الطاعة، وتلمس احتياجاته ومراعاة انفعالاته، بل ومزاجيته أيضاً.

 أما أمي المسكينة التي ما فتئت تصبرني وتطلب مني أن أهدأ إلى أن يكبر أبنائي فيعينوني على حياتي، تفرك كفاً بكف وتردد المثل الشعبي القائل : "هم البنات للممات".

وبعد أن أرى من أهلي ما أرى وأسمع ما أسمع من لوم وعتاب، لم يكن أمامي سوى العودة إلى بيتي، لكي لا يُهدم على أطفالي، فما عليّ إلا أن أصبر من أجلهم، وأتحمل المعاناة، حتى أهرب من نظرات المجتمع تجاه المطلّقة بعد أن هربت من نظراته تجاه الفتاة العانس، ولكي لا أجلب المشاكل والعار لأهلي.

أجرّ نفسي بخطواتٍ متثاقلةٍ وأعود أدراجي إلى بيتي الذي أتصوره كالجحيم لأطرق بابه، مستسلمة للوحش الذي ينهش جسدي ويقتلني كل يوم مائة مرة، بكلماته ونظراته وسوء معاملته، وها أنا ذا بعد أن تزوجت ابنتي الكبرى أعيش في معاناة أخرى، ولا زلت أنتظر أن يكبر أبنائي الصغار –كما قالت لي أمي- قبل أن أهرم ويغزو الشيب رأسي، عسى أن يعيد لي أبنائي البسمة المفقودة منذ زواجي، ويريحوني من معاناتي ومعاناة أمي وبناتي.

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home