قصة

 

الحب على الشرفة

مجدي السماك



الحب على الشرفة
بقلم : مجدي السماك
عاش في مخيم بائس من مخيمات قطاع غزة ، و قد ورث الفقر المدقع عن أبيه ، كان أبوه يصل الليل بالنهار بحثا عن عمل ، و هو الذي كان مجاهدا قبل الهجرة . بعد موت أبيه أصبحت حياته أكثر قسوة ، و إن كانت طموحاته كبيرة وكثيرة و صعبة المنال ، أحداها هوامتلاك نظارة طبية ، و كان يقول لنفسه مواسيا لها : يكفي أنني أرى الاشياء القريبة ، أيختلف ما هو بعيد عما هو بين أيدينا . قد يكون محقا في ذلك ، لان رؤية ما هو بعيد مثل العلم بالغيب ، فإما أن تصاب بالبهجة أو بالشقاء ، قد تصاب بالأمل أو بالقنوط .
كان يقف بالقرب من المقهى المجاور لبيته بين الفينة و الأخرى ، عل أذنه تلتقط خبرا من المذياع أو التلفاز ، و امتلاك احدهما هو إحدى طموحاته أيضا ، و لكنه يخدع نفسه قائلا : لا جديد في هذه الدنيا . إذا امتلك النزر اليسير من الفلوس ، كان يجلس على كرسي في المقهى و يطلب كوبا من الحلبة ، و يستمع عن قرب إلى أخبار الانجازات التي يحققها المسؤولون ، و كلامهم المفعم بالأمل و المستقبل الزاهر
استيقظ ذات صباح متأخرا بعض الشيء على غير عادته ، شرب الكثير من الماء بعد أن اخذ ملعقة من العسل الأسود .. هذه طريقته الخاصة لإيقاف طرقات الجوع على جدران معدته ، ووقف أمام الشباك المطل على شرفة جاره ، أطال التحديق ، اخذ قلبه يخفق بقوة ، لقد رأى فتاة تحرك يدها ، و تبعث بإشارة إليه .. ظل و اقفا مقابلا لها و يبادلها الإشارة بالإشارة . ذهبت به أحلامه إلى عالم أخر ، تخيل انه يقبلها و يلمس شعرها  المسدل على كتفيها ، تزوجها بخياله و جاء بها إلى صندوقه المسمى بيتا ، و قد يصبح بيت الزوجية ، فيضطركلاهما للتنفس برئة و فتحة انف واحدة
استمر الأمر على هذا الحال أسابيع عدة ، لقد أصبح لزاما عليه أن يمتلك نظارة طبية ، كي يراها بوضوح أفضل ، وضوح الحقيقة العارية . عدم امتلاكه للنظارة هو الحائل دون رؤية ملامح من أصبح بها متيما .
فكر مليا في اقصر السبل للوصول إلى مبتغاة ،  باع خاتما ذهبيا ورثه عن أبيه ، لا يوجد سبيل أخر ، و لا مجال للتوفير ، عادة يضطر الفقراء إلى بيع ما هو ذكرى . اشترى النظارة ، تملكه إحساس بأنه امتلك خزائن كسرى ، أو مرصاد هابل . وقف كالعادة لينظر إلى محبوبته الفاتنة ، يا لهول ما رأى ! لقد رأى رجلا عجوزا طاعنا في السن يهش الذباب عن وجهه ، أصبح في صدمة ، كأنه لم يصدق نظارته التي حولت الحلم الجميل إلى حقيقة مرة .. لقد تاكد أنه يرى رجلا عجوزا قد بلغ من العمر عتيا ، اخذ يفكر مليا فيما يجب عمله ، ثم حطم النظارة و القي بحطامها من النافذة ، و عاد ينظر إلى حبيبته في الشرفة كالعادة .
Magdi_samak@yahoo.com

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home